.

ماذا تبقَّى من فِكر الأستاذ الإمام؟!

Foto

ما دعائم مدرسة الإمام محمد عبده فى التجديد والإصلاح؟ كيف أثرت علاقة الأفغانى بالإمام محمد عبده سياسيًّا وفكريًّا؟ ماذا كان يقصد الأستاذ الإمام من الإصلاح الدينى؟ كيف سبق الأستاذ الإمام المستشرقين فى إرساء منهج البحث العلمى؟ لماذا لا تهتم الدولة والأزهر بضريح الأستاذ الإمام بحيث يكون لائقًا بمكانته الفكرية؟


رغم أن دار الإفتاء المصرية تقع على بعد خطوات معدودات من ضريح الأستاذ الإمام محمد عبده بمنطقة المدافن بشارع صلاح سالم، وعلى الرغم من أن محافظة القاهرة قد أنفقت نحو مئة ألف جنيه لتطوير ذلك الضريح، فإن القمامة وزجاجات البيرة التى يتعاطاها المدمنون ليلا تحاصر الضريح، وتضفى على بنائه المتهالك سمتا مبتذلا يئن من الإهمال وقلة الأصل فى التعامل مع ضريح عالم ومصلح دينى واجتماعى عظيم، وداعية من دعاة النهضة الإسلامية الحديثة فى الشرق كالأستاذ الإمام الذى ما كان يستحق بعد وفاته مثل ذلك التجهيل، والتعتيم على أفكاره، ورؤاه التنويرية والإصلاحية حتى طال التجهيل ضريحه الذى يرقد فيه إلى يوم يبعثون.


وتَمُرّ، هذا الشهر، 110 سنوات على وفاة الأستاذ الإمام محمد عبده «11 يوليو 1905» الذى أرسى دعائم مدرسة راقية فى التجديد الدينى، تقوم على تطوير وتحديث الفكر الإسلامى المؤسس على الاجتهاد، ونبذ الجمود والتقليد، وإحياء الفكر العربى – الإسلامى، ودحر السلطة الدينية التى تستبد بالدين والدنيا معا، وإعلاء قيمة العقل فى الإسلام باعتباره «الميزان القسط الذى توزن به الخواطر والمدركات، ويميز بين أنواع التصورات والتصديقات، فمتى رجحت فيه كفة الحقائق طاشت كفة الأوهام، وسهل التمييز بين الوسوسة والإلهام».


ولست فى هذا المقال مترجما لحياة ذلك المصلح العظيم، لكننى ها هنا سألقى الضوء على ثلاثة محاور أراها تمثل إلماما متواضعا بالتكوين العلمى والنفسى لهذا الرجل العظيم، كما تقدم خطوطا عريضة تشى بمذهبه فى التجديد والإصلاح اللذين ما زلنا نفتقدهما، بفعل فاعل غشوم، فى وقتنا الحاضر تحت وطأة الانغلاق، والكسل العقلى، وفشل الأزهر وردته التعليمية والأخلاقية، وإسار الأيديولوجية المتلبسة بالمذاهب النصية المتشددة التى وفدت إلينا من مجاهل ومفازات الصحارى الخليجية.


أما المحور الأول، فهو ارتباطه بحكيم الشرق السيد جمال الدين الأفغانى، ولعل ذلك الارتباط تترجمه عبارة رفيعة الشأن، رقيقة الذوق، صافية المنطق، إنسانية الهدف صاغها الأستاذ الإمام لتكون عنوانا لعلاقته بهذا الحكيم الذى تعلم منه الأستاذ الإمام أن التجديد إنما هو تحرير لدين الأمة، وإنجاز من إنجازاتها الفكرية والحضارية، يقول الأستاذ الإمام: «إن والدى أعطانى حياة يشاركنى فيها أخواى: على ومحروس، والسيد جمال الدين الأفغانى أعطانى حياة أشارك بها محمدا وإبراهيم وموسى وعيسى والأولياء والقديسين».. فلم يكن الأفغانى بالنسبة إليه أستاذا فحسب، بل كان له ملهما فذا، ونافخا لروح التجديد والتنوير التى ملأت كيانه فجعلته فيلسوفا حكيما بعد إذ كان متصوفا؛ فكان الأفغانى يقول له: «الفيلسوف إن لبس الخشن، وأطال المسبحة، ولزم المسجد فهو صوفى.. وإن جلس فى قهوة متاتيا وشرب الشيشة فهو فيلسوف»!!


ولقد أثرت علاقته تلك بالأفغانى فى منهجه العلمى وتكوينه الفكرى والتربوى دون السياسى؛ إذ كان على النقيض من أستاذه فى مسألة «الثورة» التى كان الأفغانى يدعو إليها بينما كان تلميذه يدعو إلى «الإصلاح»، كما كان الأستاذ يتوجه بدعوته إلى الجماهير بينما كان التلميذ يخاطب صفوتهم ومتعلميهم، لكن هذا الاختلاف ليس له كبير أثر فى الاتجاهات العلمية والتربوية والفكرية التى جعلت من التلميذ فيلسوفا ومصلحا دينيا واجتماعيا عظيما استطاع أن يهضم حكمة الأفغانى وأسبغ عليها من فضل علمه وقريحته فأنشأ طريقة جيدة فى التفكير والاجتهاد لم يسبق إليها، وهو ما وضح فى منهجه العقلى –الذى كانت فيه لمحة من منهج الأفغانى– فى تفسير القرآن الكريم الذى بدأه فى بيروت، حتى إن المسيحيين هناك كانوا يجتمعون أولا على باب مسجد العمرى للاستماع إليه، قبل أن يسمح لهم بدخول المسجد للاستماع والإصغاء.


والمحور الثانى، وهو الإصلاح الدينى، يكشف بجلاء عن عبقريته فى مضمار تحرير الفكر الدينى من كل جمود وتقليد، وهو يقصد بذلك «تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف هذه الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع فى كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره ضمن موازين العقل البشرى التى وضعها الله لترد من شططه، وتقلل من خلطه وخبطه، لتتم حكمة الله فى حفظ نظام العالم الإنسانى...»، كما نبه إلى دور الشجاعة من حيث كونها هى التى تنزع عن الأفكار سلاسل التقليد والعادات، فقال: «إن استعمال الفكر والبصيرة فى الدين يحتاج إلى شجاعة وقوة جنان، وأن يكون صاحب الحق صابرا ثابتا لا تزعزعه المخاوف».. وبتلك الشجاعة تصدى الرجل العظيم إلى جمود «الأزهر»، وعادى كتبه التى يعكف الأزهريون عليها، وهى «الحواشى» و«المتون»، ورأى أن إصلاح الدين ونهضة الأمة لا تكون إلا بإصلاح معاهد الدين، أى بإصلاح الأزهر، وهو عين ما ننادى به اليوم، ولا مجيب لنا؛ لأن الأزهريين لا يبتغون إصلاحا ولا يبتغون نهضة كاملة، بل يراوغون، ويفتئتون على التجديد ويدعون أنهم بتعديل مناهجه بطريقة القص واللزق، والخبط والعك إنما يجددون، وهم بذلك من الواهمين لا من المصلحين!!
ولعل يأسنا -اليوم- من الأزهر فى إصلاح الدين، وإحداث ثورة دينية ننشدها فى ظل أوضاعنا القاتمة البائسة هو عين يأس الأستاذ الإمام منه، فقد قال: «إن بقاء الأزهر متداعيا على حاله –فى هذا العصر– محال، فهو إما أن يعمر وإما أن يتم خرابه»!!


أما ثالث المحاور، فهو محور الإصلاح اللغوى والأدبى، وكان الأستاذ الإمام أول من نبه فى زمانه إلى الابتعاد عن المحسنات اللفظية والسجع، والتكلف فى الشكليات اللفظية، فانتقل باللغة العربية نقلة نوعية تقترب من تراث العربية، وترتبط بمفردات العصر الحديث لتكون لغة متجددة تفيد البحث العلمى، وهذا المحور قد فتح به الرجل باب تحقيق النصوص التراثية من خلال قيامه بوضع منهج علمى لم يسبق إليه فى تحقيقها ومحاولة نسبتها إلى أصحابها كما فعل فى كتاب «فتوح الشام» المنسوب إلى الواقدى، فحكم عليه بأنه منتحل عليه وليس من تصنيفه وإنما هو أقرب إلى أسلوب القصاصين فى الديار الإسلامية، وكأنه جعل البيئة المكانية معيارا للحكم على صحة نسبة الكتاب إلى صاحبه، وهو كما ترى منهج تقدمى بحت سبق به الأستاذ الإمام كثيرًا من المستشرقين، كما أنه سبق المستشرقين بشىء آخر؛ إذ كان لا يكتفى بمخطوطة واحدة للنص المراد تحقيقه، بل كان يتحرى أكثر من مخطوطة ويرسل فى طلبها ليقابل ويوازن بين تلك النسخ حتى يخرج بنص صحيح كالذى أراده المؤلف.


كلا، لا تستطيع تلك السطور أن تحيط بفكر الرجل وآثاره التجديدية العظيمة، لكننا أردنا أن ننبه من خلاله على أن الأزهر يقف –دائما وأبدا– حجر عثرة فى طريق كل مجدد، ويتقمص الأزهريون بذلك دور «التعطيل» لكل ما هو جديد، ويجعلون اليأس يسكن فى نفس كل مجدد مصلح باسم الحفاظ على ما يسمونه «الثوابت» «!»، ولو أن نيتهم جادة فى الإصلاح لاهتموا بآثار الأستاذ الإمام محمد عبده الفكرية، ولاهتموا بتصانيفه، التى وإن كانت قليلة، لكنها تكفى فى إرساء قواعد الإصلاح المنشود فى كل من اللغة، والعقيدة، والتفسير، والأخلاق، والاجتماع وغيرها من علوم عربية وشرعية وإنسانية.


إن حال الفكر العربى الآن كحال ضريح الأستاذ الإمام، يشكو من الإهمال وقلة الأصل وسوء التقدير الذى ينسى أن المصلحين العظماء لا يستأهلون من أوطانهم مثل ذلك الإهمال والتجهيل اللذين يجعلان اليأس متمددا، فاشيا فى الصدور، وينبئان بأن لا فائدة.. لا فائدة!!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات