.

مدينة تعيش على أجساد النساء

Foto

تدور الرواية فى تونس، فى مقهى اسمه «لمّة الأحباب»، هو فى واقعه لمّة العاهرات والمناضلين السابقين، وهم على اختلافهم يشتركون فى الضياع التام


«للعُهر ساحات نضالية أخرى غير الجسد».

هذا ما يؤكده وحيد الطويلة فى روايته «باب الليل» الصادرة عام 2013 بالاشتراك بين ثلاث دور نشر عربية: ضفاف- بيروت، ومنشورات الاختلاف- الجزائر، ودار الأمان- المغرب، الفائزة مؤخرًا بجائزة ساويرس.


تدور الرواية فى تونس، فى مقهى اسمه «لمّة الأحباب»، هو فى واقعه لمّة العاهرات والمناضلين السابقين، وهم على اختلافهم يشتركون فى الضياع التام، ضياع فى الماضى أدى بدوره لضياع آخر فى الحاضر ومن ثم المستقبل.


تنقسم الرواية إلى 15 فصلاً، وهى متصلة منفصلة، متشابكة متقاطعة، فكل شخصية لها بنية منفصلة، لكنها تعود لتشتبك بجسدها ومصيرها مع أخرى فى فصول أخرى.


فى «مدينة لا تعرف سوى الأجساد والنقود»، ولأن «الأهل فى ضيق، والعمل مستحيل، والعريس بعيد»، يغدو العهر مبدأ ووجهة نظر واختيارًا أوحد. «الجسد هنا هو المجداف الذى يتكئ عليه الجميع.. وكله معروض فى أجمل فاترينة تحت أشيَك مَلبس أو أجمل عرى، لكنه بلا أدنى شاطئ من روح».


الرواية مسرودة بصوت الراوى العليم مُتحدثًا للقارئ، مرتعة بمونولوجات داخلية للأبطال، حيث صوت مع وصوت ضد، مُطَعَمة بمرادفات من العامية المصرية. اللغة تتراوح بين الإيروتيكية والجادة، إلا أن اللغة بشكل عام شاعرية، لا تخلو من سخرية لاذعة، وتورية تفضح أكثر مما تخفى.


لم يكن من الغريب أن نجد ذاك الجمْع الذى لَمّ العاهرات على المناضلين، فالاثنان وجهان لعُملة واحدة، بل على العكس، أحدهما كان ويظل الرابح، ففى إحدى العبارات يقول مناضل قديم لإحدى العاهرات: «نحن كلنا قُمنا بثورة فى المنافى، وأنت وحدك قمت بثورة فى المقاهى، الفارق الوحيد أنكِ تربحين، أما نحن فنخسر».


بساط الرواية رحب جدا، بما أن البطل فيها المكان (المقهى)، وبذلك نحن أمام سردية لا نهائية، فالأبطال يأتون ويذهبون، يتلامسون ويتباعدون، فالمقهى هو الحياة، والزبائن هم الناس باختلافهم.


يلعب المقهى برواده لعبة الكراسى الموسيقية، أو فلنقل لعبة البازل، ربما لهذا نجد أن فصول الرواية يمكن أن تلعب بها كقارئ نفس اللعبة أيضًا، فأنت تستطيع بسهولة أن تضع أبوابًا مكان أخرى، تؤجل واحدًا وتستقدم آخر.


يتبدل الزمن، تتغير الأولويات، تختل موازين القوى، «ابن الثائر يصبح عميلا، معادلة جديدة لزمن جديد»، ويأخذ النضال شكله الجديد، «الناس هنا تناضل فى كرة القدم، فى لقمة العيش، وتفكر بشرَه شديد فى النقود»، وحتى ما تبقى منه لا يعدو كونه استعراضًا، حتى إن تشبيه السياسى أو المناضل بالراقص يأتى على لسان إحدى الشخصيات أكثر من مرة.


تنتهى الرواية عندما تلوح إرهاصات ثورة آتية (14 يناير 2011)، فتبدأ صاحبة المقهى بتغيير دفّتها باتجاهها، هى التى كانت تتملق نظام «بن علِى» وتسخر من نظام «بورقيبة»، فتغير اسم المقهى وديكوراته، بل وعاهراته، لتستقبل نظامًا سياسيًّا جديدًا، بعد أن تركل بقدمها صورة الرئيس السابق فى مشهد مُعبِّر!


كتب نجيب محفوظ معظم رواياته فى مقهى الفيشاوى، وكتب جمال الغيطانى فى كتابه «ملامح القاهرة فى ألف سنة» عن المقاهى وأصلها وما تُعبّر عنه، وعن كونها ركنًا أساسيًّا فى أدب نجيب محفوظ. وكتب مكاوى سعيد فى كتابه «مقتنيات وسط البلد» عن مقاهٍ ومطاعم وبارات وسط البلد، حيث كانت ولم تزل ملتقى المثقفين والفنانين المصريين، يمارسون فيها الفن والسياسة والكلام والصعلكة.


للمقاهى تاريخ يكتبه روادها بالدم والدموع والخمر والجنس، وللتاريخ مُحترفوه الذين يكتبونه من فوق منضدة تقبع فى ركن جانبى فى أحد المقاهى.. وأحسب أن وحيد الطويلة أحد هؤلاء.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات