.

هكذا يتم نبذ المفكرين المتنورين

Foto

ما الذى يجعل الناس يثقون فى الشيوخ ويرفضون الاستماع للمفكرين؟ لماذا يحذر الشيوخ الناس من الاستماع لغيرهم؟ كيف يقدم الإعلام المفكرين بصورة سيئة مجاملة للمتشددين؟


معروف فى شرعة التجار أن التاجر الجشع يبيع الوهم مع بضاعته للمشترى بأن يقنعنه أن بضاعته هى الأفضل وباقى البضائع فاسدة ولا يتورع أن يطلق سمعة سيئة على منافسيه ليمنع زبائنه من الابتياع منهم فيزيد مكسبه.

كذلك هم تجار الدين جاؤوا كعصابة مدججة بالتمويل والدعم ليستولوا على المنابر والمنافذ الإعلامية وقد أحسنوا تغليف بضاعتهم وطردوا غيرهم من الساحة الدينية لكى يفرضوا مغشوشاتهم على الجميع إن لم يكن خداعا فإجبارا.

ونحن مكناهم من خداعنا إذ تركنا الجهل ينمو فى عقولنا وتخلينا عن أساليب التفكير والمنطق السليم، فعندما تغيب الموضوعية يصعب الوصول للحقائق وعندما نعرف الحق بالرجال سنضل عنه السبيل وعندما لا نهتم بغير المظاهر فقد آدمنا الحماقة.


لقد كونت رواسب من الثقافة الانغلاقية والفقه الدينى السائد الرافض للاجتهاد معايير رديئة للثقة برجل الدين، جعلت الناس يطمئنون لمن يردد الآراء والأحكام المتوارثة ويشككون بمن يخرج عليهم بغير ما تربوا عليه وألفوه، فمهمة رجل الدين الآن أصبحت لا تتعدى مجرد التذكير بما أخذ عن السابقين أو تعليمه لمن يجهله، وتقاس شعبيته بمدى مهارته فى الخطابة والإقناع لا فى التفكير والإبداع، ولا مكان لذى فردية تقود لتجديد أو إماطة اللثام عن حقائق مغيبة فهذا أكبر تهديد لمصالح العصابة، وقد قدست العصابة تلك المعايير كضمان لإبعاد مخالفيها والنأى بإنتاجاتهم الفكرية عن جموعهم المنقادة.


يسمى الشيوخ أنفسهم دوما بالعلماء ويحذرون العامة من الاستماع إلى من لا يشبههم، وأرى أن هذا الوصف لا يليق بهم البتة، فالأسلوب العلمى يقتضى اتباع الأدلة والبراهين لإثبات صحة نظرية ما دون الاكتراث لهوية صاحبها، أما الجهلاء فلا ينظرون فيما يقدم من منطق بل يحددون موقفهم بالنظر لهوية صاحب النظرية ويتساءلون هل يشبه شيوخنا؟ اللحية الكثة، لحن الكلام الفصيح، الجلباب أو الجبة، والأهم هل يسير على دربهم أم لا؟، فإن كان معارضا لهم فلا أهلا بكلامه فى عقولنا، وهكذا يتفاقم الضلال لديهم.


ولعل أهم المشاركين فى تلك الكارثة هم من تواطؤوا مع تلك العصابات المتشددة سواء على سبيل الدعم أو انحناء للعاصفة، أذكر من بين أولئك الذين باعوا ضمائرهم، إعلاميا شهيرا على فضائية شهيرة لا تتبنى فكر العصابة بالمرة لكنها أرادت إحراج واحد من مخالفيها لشفاء صدور الجهلاء الكثر تجاهه وهو أسلوب اتبعه أكثر من إعلامى ليبدو «حمش» ويراه المغيبون ذى غيرة على الدين إذ دافع عن فكر العصابة المقدس، استضاف ذلك الإعلامى المفكر جمال البنا وأذكر أنه استهزأ من مظهره البسيط قائلا: «إنما أنت مش شكلك شيخ يعنى مش مربى دقنك ولا لابس جلبية»! ولا غرابة فى استخدامه تلك الأساليب الساذجة والرخيصة فالعامة تخدرهم المظاهر ويستخفون بكل من لا يرتدى ملابس «الكار» وبالتالى فقد فاز لديهم بنصف المعركة.


ومن الحجج المستخدمة فى إقصاء المفكر ألا يكون حاصلا على شهادة من المؤسسات الدينية التى كانت من أسباب الجهل والتشدد، ولكن هذا الأمر يتم تجاهله مع شيوخ الفضائيات المشهورين خريجى الهندسة والإعلام والصيدلة، فمعهم فقط تكون الدعوة واجبا على كل مسلم، ولا يعيب الشيخ أن يكون غير دارس أصول الفقه أو الشريعة، يكفى أن يذكر أسماء الفقهاء الذين تطرب لها مسامع الجهلاء كما أن مظهره يحميه جيدا من النقد، أما المفكر الذى لم يُجِد الانفعال ولم يُطِل لحيته فيعتبر لديهم واحدا مثلهم عليه أن يصمت ويسلم بما يقوله الشيوخ فكيف إذا نقدهم.


لقد عظم شأن الناقل والمقلد لدى الناس وحقروا من يتدبر كلام الله ويعتمد على عقله، فقد أقنعهم الشيوخ أن عقولهم ومن سواهم تضل ضلالا بعيدا أما عقولهم هم فهى الهادية العبقرية، ولا يمكننا التأكد إذا ما كانوا على صواب ومنتجاتهم هى الأفضل غير أن نذهب بأنفسنا إلى من أمطروه بالاتهامات والنعوت السيئة ونجرب ما لديه.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات