.

لماذا كان الحرملك فى وقت من الأوقات هو الحاكم؟

Foto

ما الذى أدى لضعف بعض سلاطين الدولة العثمانية؟ هل الخلافة دين؟ وإن كانت دينًا لماذا كانت بهذه البشاعة؟ هل المشكلة تكمن فى الدين أم فى نظرتنا للتاريخ؟


كانت قوانين الإرث تقضى بأن تؤول السلطنة إلى الذكر الأكبر فى العائلة «السلالة العثمانية» بدلًا من أن تنتقل من الأب إلى الابن، لكن السلطان محمد الفاتح الضليع بمكائد البلاط أصاغ الأنظمة التى تحكمت بسياسات السلطنة لقرون، فقد أجاز للسلطان أن يقتل كل أقاربه الذكور ليضمن العرش لنسله الأمر الذى أدى لفظائع من قتل عشرات الإخوان وأبنائهم حتى الأطفال منهم ولعل أبشع تلك الحوادث على كثرتها هى قتل السلطان «محمد الثالث» كل أشقائه الذكور وعددهم تسعة عشر معظمهم أطفال بتحريض من أمه.


فى العام 1566 أصدر السلطان «سليم الثانى» مرسوما بتخفيف الفرمان السابق بالقتل إلى حبس الإخوة الأمراء فى ما بات يعرف بـ«القفص الذهبى»، وبطبيعة الحال فهذا القرار لم يعن إيقاف قتل الإخوة لاحقًا وإن كان قلل منه، وكان الأمراء المعزولون تمامًا بالقفص الذهبى مع خمرهم وجواريهم المعقمات كثيرًا ما يقتلون بالمؤامرات أو قد يخرج بهم لصعود العرش بعد التآمر وقتل أخيهم السلطان.


ترتبط حياة «قوسيم» الجارية الإغريقية الحسناء بمرحلة صعود «السلطان أحمد الأول» العرش، كان السلطان «محمد الثالث» قاسيًا لدرجة الإجرام فقد قتل إخوته التسعة عشر جميعًا ومعظمهم أطفال.. ولما اعتلى العرش ألقى بولديه الأمراء «أحمد ومصطفى» بالقفص الذهبى كى لا يفكرا بالانقلاب على أبيهما والجلوس محله.. عاش الأميران أحمد ومصطفى معا فى القفص الذهبى.

وحين مات أبوهما وأصبح «أحمد» سلطانًا «وهو بسن 15 سنة فقط» لم يقس قلبه ويقتل أخاه بل أبقى مصطفى فى القفص مع بضع جوارى «معقمات» ليس إلا.. وبنى جدارًا سد به مدخل القفص الذهبى، تاركا كوة صغيره يمرر من خلالها الطعام والكحول والأفيون إلى مصطفى. وللغرابة أنه وبعد أربعة عشر عامًا، تم تقويض هذا الجدار وإعلان الأمير مصطفى الذى أصبح مجنونًا تماما سلطانًا.


مع العلم أن هذه الحياة المنعزلة عن العالم الواقعى لا يمكن أن تخرج رجلا عاقلا، إلا أنه لم يكن جديرا بتولى الحكم لأى منهما سواء كان السلطان أحمد أو السلطان مصطفى.


أدت سنين العزلة فى القفص الذهبى داخل «السلطان أحمد» إلى فراغ كان عليه أن يملأه دائما باللهو والتسلية.. لذا كان يأخذ امرأة جديدة كل ليلة، لكنه كان يحابى الفاتنة الإغريقية «قوسيم» التى جاد عليها بالمجوهرات والأشعار الغزلية، كانت قوسيم فى الرابعة عشر حين أصبحت المحظية المفضلة لدى أحمد الأول.


الغريب أن العديد كان لا يفهم لما كان السلاطين العثمانيون لا يديرون الحكم بأنفسهم أو يقودون الجيش فى أثناء حروبهم، السبب أنهم كانوا فى عزلة عن العالم الخارجى، ولم يعرفوا ما يدور داخل القصر من الأساس فما بال الدولة.


رحل السلطان أحمد تاركا قوسيم أرملة فى عز الشباب أمًّا لثلاثة أمراء، ومع موت السلطان أحمد أطلق سراح الأمير «المجنون» مصطفى من القفص ليصبح سلطانًا وحل محله هناك «فى القفص» أبناء قوسيم «مراد وبيازيد وإبراهيم».

بعد بضعة أشهر ليس إلا.. أنزلت مؤامرة أدارتها قوسيم ونفذها الخدم، مصطفى الذى لم يرق لهم على العرش أعادوه إلى القفص واضعين بدلًا منه ابنه الصغير عثمان، الذى سرعان ما أمسى ضحية انتفاضة انكشارية مسنودة بسلاح الفرسان.. فقد زحفت القوات إلى السراى وجرت السلطان إلى السجن وقتل هناك.. وقطعت أذنه وقدمت لأمه إهانة لها، وعلى الرغم من أن قتل الإخوة كان شائعا فى الإمبراطورية العثمانية، إلا أن هذه كانت أول حادثة يقتل بها سلطان جالس على العرش.


 ومرة ثانية سحب المجنون مصطفى من القفص عام 1622 لينصب على العرش مجددًا.. لكنه هذه المرة أمر بإعدام قوسيم وأبنائها المرمى بهم فى القفص الذهبى كى لا تتكرر المؤامرة عليه.. وللمرة الثانية، تدخل المدعومون من قوسيم وعزلوا السلطان مصطفى ونصبوا ابن قوسيم الأكبر «الأمير مراد» تحت اسم «السلطان مراد الرابع» وهكذا حققت «قوسيم» حلمها بأن تصبح «السلطانة الأم».. إلا أن قسوة مراد وغرابة قراراته نغصت عيشتها.

فقد أصدر قانونا يحرم الكحول والتدخين فى كل الإمبراطورية وقام بإعدام مخالفيها شنقًا.. فى حين أنه استمر بشرب الخمر والدخان!


وكان ابن قوسيم الأصغر «إبراهيم» مختل العقل، لذلك وضعت كل آمالها على بيازيد الأنيق الشجاع.. البارع فى مثاقفة الفرسان، وذات يوم أطاح بمراد فى جولة مثاقفة بعد ذلك بفترة وجيزة وبينما كان يشد حمله على بلاد فارس.. قتل بيازيد بناء على أوامر من أخيه، الحدث الذى أوحى فيما بعد لراسين لكتابة «مأساة بيازيد».


مات السلطان مراد بسبب الإفراط فى الشراب، وعلى فراش الموت أخبر أمه كم يزدرى أخاه إبراهيم، وكيف أنه من الأفضل أن تنتهى هذه العائلة المالكة ولا تستمر بذرة الملك المجنونة، وأمر بقتل أخيه إبراهيم.. إلا أن «قوسيم» تدخلت وطلبت من إبراهيم أن يخرج من القفص الذهبى.. إلا أن ذعر إبراهيم منعه من الخروج لقناعته أن هذا الأخ القاسى إنما يحيك مؤامرة لقتله ورفض مغادرة القفص حتى جىء بجثمان مراد ووضع أمام عينيه وحينئذ اضطرت قوسيم لأن تستدرجه بالملاطفة.


كان عهد «السلطان إبراهيم» بين «1640- 1648»، المدة التى تميزت بها «السلطانة قوسيم» بنفوذها المطلق «كسلطانة أم» وكانت الحاكم الفعلى للسلطنة بأسرها بمساعدة الوزير الأكبر حينذاك «مصطفى باشا».. أما «السلطان إبراهيم» الضعيف، الغارق تماما فى ملذات الحرملك والذى استنزفه الشبق وبدد طاقاته، لقد كان مهوسًا بالنساء وقد شهد عهده غرائب الحرملك، وفى عهد «السلطان إبراهيم» كان للمحظيات الحق فى أن يأخذن ما يشأن من البازار.. وأهداهن أجمل العقارات فى الإمبراطورية وأثراها.. بل إنه ولأول مرة فى قواعد الحرملك جعل مكانة جواريه المحظيات أعلى من مكانة أخواته «السلطانات الأخوات» وهن الأميرات ذوات الدم السلطانى، إلا أن جنون إبراهيم تصاعد إحدى الليالى وبتأثير من نوبة الجنون والسكر أمر بوضع جميع جواريه فى أكياس ومن ثم إغراقهن فى البحر.. ونفذ الأمر ولم تنج من الغرق سوى جارية واحدة!


انتشار حكايات جنون «السلطان إبراهيم» فى أرجاء السلطنة، دفع الانكشارية فى نهاية المطاف إلى التمرد.. فزحفوا إلى بوابات القصر مطالبين برأس السلطان.. وانتهى الأمر بإرجاعه للقفص الذهبى دون قتله وبعد أيام من ذلك خنق السلطان المخلوع بأمر من المفتى.


بعد خلع «السلطان إبراهيم» المجنون، وضع على العرش ابنه الأمير محمد ولم يكن قد تجاوز سن السبع سنوات وبات يعرف بالسلطان «محمد الرابع».. وكانت الحاكمة الفعلية للسلطنة هى «السلطانة الأم الجديدة» والدة محمد «السلطانة نورهان».. وهنا بدأت المؤامرات بين قوسيم ونورهان.. وقد حاولت قوسيم بالتآمر مع الانكشارية لسم السلطان الطفل.. وقتل أمه لتأتى بأحد إخوته الأيتام الصغار «السهل التلاعب بهم» وتعود للواجهة كسلطانة أم.


نفذت قوسيم المؤامرة بأن رتبت لدخول الانكشارية للقصر لقتل السلطان الصغير.. إلا أن السلطانة نورهان كشفت المؤامرة وتآمرت بدورها مع الوزير الأكبر وخدم القصر الذين قرروا الإمساك بقوسيم وقتلها.. وهنا شعرت قوسيم بالخطر فجمعت أثمن مجوهراتها وفرت عبر ممرات وشبكات الحرملك المعقدة التى تعرفها أكثر من أى امرأة أخرى بالحرملك.. واختبأت بإحدى الغرف الصغيرة متأملة وصول الانكشارية لإنقاذها.. إلا أن الخدم عثروا عليها وسحلوها ومزقوا ثيابها وقتلها أحدهم خنقًا.. ولما وصل الانكشارية لإنقاذها، سحب جسدها العارى المدمى للخارج وعرض أمام الانكشارية ليتأكدوا أنها ماتت ويتوقف التمرد.


قوسيم تمتعت بأطول فترة حكم كسلطانة أم فى تاريخ الحرملك دامت نصف قرن تقريبا لكنها كانت فترة مليئة بالمؤامرات والدم.. وانتهت نهاية بشعة بموتها المهين رغم أنها كانت قد أصبحت عجوزًا حينذاك، وبموت قوسيم أصبحت السلطانة نورهان الحاكمة الفعلية للإمبراطورية وبقيت هكذا حتى وفاتها.. وبوفاتها وصل عهد حكم النساء للسلطنة نهايته.


كانت الأجواء العامة فى الدولة العثمانية مضطربة ولا توحى أبدا بوجود دولة مستقرة فى ذلك الوقت، وهذا لأن الدولة العثمانية توسعت بشكل كبير ولم تهتم بالدول التى توسعت فيها فأدى لحدوث ثورات ومحاولات لإخمادها، الثورات التى تقوم من قبل الطوائف المختلفة لمواجهة الدولة العثمانية والطامحة بإقامة دولة الخلافة، هذا إلى جانب المؤامرات التى كانت تدار داخل القصر سواء من الحرملك أو من السلاطين، لا يمكن أن نتجاهل كل تلك الأحداث ونعتبرها أزمات عابرة تمر بها كل دولة، عند البحث عن الدولة العثمانية بالذات تجد العديد ممن يمجد فى انتصاراتها وأنها تمكنت من فتح العديد من الدول، والتصدى للصليبيين وأنها كانت الخلافة الإسلامية، إلا أن التوغل فى الدولة العثمانية والبحث فى خبايها لا يدل على ذلك، ولا يدل إلا أنها كانت دولة مترامية الأطراف ولكنها ضعيفة، وأن الدول الأوروبية كانت تسعى لإسقاطها فلم يكن الأمر بالصعب فى ظل خلفاء ضعفاء منعزلين عن العالم الخارجى، ودولة مترامية الأطراف لم يكن من السهل السيطرة عليها.


لا بد من تنقيح التراث والنظر له على أنه تاريخ وليس دينا لا بد أن نعى أن كل الدول بمختلف العصور لم تكن سوى سياسة ليس لها علاقة بالدين، وأنهم استخدموا الدين كغطاء لجرائمهم الشنيعة، والخطأ الذى وقع فيه العديد والذى يرسخ له الآن أن الخلافة دين، وصدق مثل هذه الادعاءات العديد من العامة سواء كانوا متعلمين أو أميين وكذلك بعض الشيوخ والعلماء، وهو ما يرسخ لجيل متشدد يبحث عن الخلافة باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الدين، لا بد من التعامل مع هذا الفكر وهذه العقلية التى دائما ما ترسخ لدولة الخلافة سواء فى بعض كتب الدين أو بعض كتب التاريخ.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات