.

الوقت والبديل.. عنصران لابد أن يشغلا مصر بعد استقالة ديسالين

Foto

ما أسباب استقالة رئيس الوزراء الإثيوبى المفاجئة؟ من يكون خليفة ديسالين المقبل؟ وكيف سيكون موقفه من استكمال مفاوضات سد النهضة؟


جاءت الاستقالة المفاجئة لرئيس الوزراء الإثيوبى هيلا مريام ديسالين نهاية الأسبوع الماضى، على خلفية الأزمة الداخلية فى البلاد والمستمرة على مدار ما يقترب من 3 سنوات عبر الاحتجاجات والتظاهرات المنتشرة فى عدة مدن إثيوبية. إلا أن آثار هذه الاستقالة، التى قال ديسالين إنها تأتى كخطوة ضرورية لوقف موجة الاحتجاجات على أمل أن يسهم بذلك فى تنفيذ إصلاحات من شأنها أن تؤدى إلى سلام وديمقراطية دائمَين، سوف تنعكس -دون شك- على المفاوضات الحالية ما بين مصر والسودان وإثيوبيا بخصوص سد النهضة، الذى يمثل أحد أهم الشواغل والتحديات لمصر، فى ظل التعثر الذى صاحب تلك المفاوضات على مدار الفترة الماضية، ما أدى إلى إعلان توقفها منذ نوفمبر الماضى، وما أن بدأت الأمور تتحرك مجددًا بعد زيارة ديسالين إلى القاهرة، ثم القمة الثلاثية التى عُقدت على مستوى الرؤساء فى أديس أبابا، نهاية الشهر الماضى، حتى جاءت استقالة ديسالين لتجمد الوضع مرة أخرى، وهو ما يبدو واضحًا من خلال إعلان السودان عن تأجيل موعد الاجتماع الثلاثى، الذى كان مقررًا الأسبوع المقبل فى الخرطوم بحضور وزراء الخارجية والمياه ورؤساء أجهزة المخابرات بالدول الثلاث، للبدء فى إعداد تقرير نهائى خلال شهر، لوضع حلول لكل المسائل الفنية محل الخلاف، وهو التأجيل الذى جاء استجابةً للطلب الإثيوبى بعد استقالة ديسالين.

ومع أن الاستجابة السودانية لطلب التأجيل الإثيوبى تبدو منطقية فى ظل المستجدات على الصعيد الداخلى الإثيوبى، ورغم تفهم مصر للأمر الذى عبّرت عنه من خلال تصريحات المتحدث الرسمى باسم وزارة الخارجية، الذى أكد إدراك مصر للظروف التى دفعت إثيوبيا لطلب التأجيل، معربًا عن أمله فى أن تزول تلك الأسباب فى أقرب فرصة، والتطلع للالتزام بالإطار الزمنى الذى حدده القادة لحسم الخلافات الفنية القائمة والتحرك العاجل للتوصل إلى حلول تحفظ مصالح الجميع، وهى كلها تعبيرات تشير بوضوح إلى القلق المصرى من احتمال أن تؤدى الاضطرابات السياسية الداخلية فى إثيوبيا إلى المزيد من التعطيل والتأجيل على مستوى المفاوضات حول سد النهضة، ما يعنى عمليًّا انقضاء مهلة الشهر، التى تم تحديدها فى القمة الثلاثية الأخيرة على مستوى الرؤساء، وهو الاحتمال الراجح فى ظل عدم وضوح التوقيت الذى سيعلن فيه البرلمان الإثيوبى رسميًّا موقفه من استقالة ديسالين، وكذلك خليفته فى منصب رئيس الوزراء، الذى بالتأكيد سيحتاج إلى بعض الوقت قبل البدء مجددًا فى جولات التفاوض حول السد، فى ظل أولوية الشأن الداخلى ومواجهة الاضطرابات والاحتجاجات فى إثيوبيا.
لكن الوقت، على أهميته، ربما لا يكون العنصر الوحيد الذى يستدعى القلق من جانب مصر، فهناك جانب آخر لا يمكن تحديد ملامحه بدقة الآن، يتوقف على اسم مَن سيخلف ديسالين، ورغم أنه من المؤكد أنه سيكون من نفس الائتلاف الحزبى الحاكم الذى كان ينتمى إليه أيضًا رئيس الوزراء السابق ميليس زيناوى، فإن الأوضاع الداخلية فى إثيوبيا سيكون لها التأثير الأكبر على اختيار اسم خليفة ديسالين، والذى تدور حوله التوقعات ما بين ثلاثة أسماء بالأساس، بينهم نائبه الحالى ديميك ميكونين، الذى يبدو الاختيار الأقرب من وجهة نظر الائتلاف الحاكم، لكن المعارضة الإثيوبية تتخذ موقفًا مضادا له، وتعتبر أن تعيينه لا يقدم جديدًا فى سبيل تجاوز الأزمة الحالية، أما الاسم الثانى الذى يبدو الأقرب للمعارضة فهو ليما ميجريسا، والذى يحظى بقبول المعارضة لكونه ينتمى إلى «الأوروما»، إحدى المجموعات العرقية الكبيرة التى يشارك كثير من أبنائها فى الاحتجاجات، بينما يبقى الاسم الثالث هو ورقينى قبيو، وزير الخارجية الحالى. ورغم أن هذه الأسماء تبدو الأكثر تداولاً حتى الآن، فإن حسم اسم رئيس الوزراء المقبل من الائتلاف الحاكم أولاً، ثم موافقة البرلمان عليه، سوف يحدد بدرجة كبيرة أيضًا ملامح مسار المفاوضات خلال المرحلة المقبلة، ومدى الجدية فيها أو الاستمرار فى التعطيل والتأجيل، خصوصًا أن الائتلاف الحزبى الحاكم قد يقرر اختيار اسم أكثر تشددًا خلال المرحلة المقبلة، ما يعنى الاستمرار فى سلوك القمع إزاء الاحتجاجات، وعدم القدرة على التوصل إلى حلول سياسية مع المعارضة، وهو الأمر الذى يشير إليه بعض المحللين المهتمين بالشأن الإفريقى عمومًا، والإثيوبى خصوصًا، بأن استقالة ديسالين جاءت لتعبر عن انتصار لجبهة «التجراى» التى تبدو أكثر تشددًا تجاه التعامل مع المعارضة والمجموعات العرقية والإثنية الأخرى، خصوصًا بعد أن استمرت الاحتجاجات رغم قيام ديسالين بالإفراج عن عدد كبير من المعتقلين السياسيين، وتعيين نواب له، وفى ظل كون جبهة التجراى تمثل مجموعة عرقية لا يزيد عددها على 7% من سكان إثيوبيا، ومع ذلك فهى الأكثر سيطرة وهيمنة على شؤون الحكم والاقتصاد، وهو ما كان سببًا جوهريًّا فى اندلاع الاحتجاجات على مدار السنوات الثلاث الماضية، كما أن البعض الآخر ينظر لإعلان حالة الطوارئ مجددًا باعتباره خطوة فى اتجاه التصعيد وفرض السيطرة الأمنية، لا بحثًا عن الحلول السياسية مع المعارضة. أما التوجه الآخر فهو أن يميل الائتلاف الحاكم للقبول ببعض مطالب المعارضة والتوافق على رئيس وزراء جديد محل قبول من مجموعات الأوروما والأمهرة وغيرها، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة فى إثيوبيا.
اسم رئيس الوزراء المقبل -إذن- وما سيعبر عنه من تفاعلات سياسية داخل إثيوبيا سيكون له تأثير بالتأكيد فى مسار المفاوضات، ليس فقط من حيث موقفه من العلاقات مع مصر ومدى التزامه بالوصول إلى تفاهمات حول سد النهضة، ولكن كذلك أولوياته وإذا كانت ستركز فقط على حسم وإنهاء الاضطرابات الداخلية، أم ستمتد للاستمرار فى نفس مسار العلاقات الخارجية الإثيوبية، كما أن ذلك كله وما سيؤدى إليه على الصعيد الداخلى الإثيوبى، ستكون له بالتأكيد آثار على تلك المفاوضات، فاستمرار الاحتجاجات إذا لم يتم التوصل لحلول سياسية قد يكون عامل ضغط أكبر يمكن لمصر أن تستفيد منه فى حلحلة الموقف الإثيوبى المتعنّت إذا استمر كذلك.
وإذا كان الموقف المصرى المبدئى قد أكد احترامه للشأن الداخلى الإثيوبى، وتفهمه لأسباب تأجيل الاجتماع الذى كان مقررًا الأسبوع المقبل، فإن استمرار متابعة التطورات الداخلية فى إثيوبيا، للاستعداد لكل السيناريوهات المحتملة والإعداد لكيفية التعامل مع القادم لإدارة الحكومة الإثيوبية، واستمرار التمسك بضرورة أن لا يؤدى الوضع الداخلى فى إثيوبيا إلى توقف طويل لمسار المفاوضات التى كان قد تم الاتفاق على البدء فيها مؤخرًا.. يبدو من أهم مهام الخارجية المصرية خلال الأيام والأسابيع القليلة المقبلة، كما أن السعى للتواصل المستمر والمنتظم مع السودان فى التوقيت الراهن تحديدًا يبدو أمرًا بالغ الأهمية، بعد الاجتماع الذى انعقد فى القاهرة بين وزيرَى الخارجية ومديرى المخابرات للبلدين، وهو ما يجب البناء عليه، رغم ما جرى بعد هذا الاجتماع من الإطاحة بمدير المخابرات السودانى، وعودة سلفه الذى كان قد أُقيل فى عام 2009. ورغم أن السبب لا يبدو معروفًا حتى الآن، وإن كان له علاقة بملف العلاقات مع مصر وتطورها الأخير، أم لأسباب داخلية فى السودان. كما تبدو هناك فرصة للاستفادة من العلاقات السودانية الإثيوبية القوية، التى عبّر عنها تصريح المتحدث باسم الخارجية السودانية حول مساندة بلاده بكل صلابة لإثيوبيا، فى فهم خريطة التفاعلات المقبلة، والتعامل معها، والتقارب مع السودان يبدو بالغ الأهمية الآن أكثر من ذى قبل، وبخاصة تحسبًا لاحتمال أن يأتى إلى رأس الحكومة الإثيوبية شخصية أو قوى لا تلتزم بالإطار الذى اتفق عليه بين الدول الثلاث، وربما هذه اللحظة التى تنشغل فيها إثيوبيا بشؤونها الداخلية أكثر من غيرها، تكون لحظة مناسبة تمامًا لاستعادة مساحة واسعة من تقارب المواقف المصرية السودانية، على الأقل فى ما يتعلق بملف سد النهضة، حتى وإن استمرت غيره من الخلافات فى ملفات أخرى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات