.

التونسيون يتساءلون: أين العدالة؟ ورب البيت الجمهورى يرد: لا أصلى الثلاث

Foto


منذُ اندلاع الثورة التونسية فى 17 ديسمبر 2010، والتونسيون يحلمون ببلد جديد، تسوده المساواة بين جميع المواطنين وتكون العدالة فيه ميزانًا غير مختل، يوضع فيه الجميع سواسية أمام القانون، متمتعين بما لهم، منفذين لما عليهم. فبعد أن كسرت ثورتهم حاجز الصمت داخل رقعتها الجغرافية، ومع انتشار عدواها فى أرجاء العالم العربى، لا يزال التونسيون إلى اليوم واقفين على عتبة العدالة المقفلة أبوابها، طامعين فى معرفة أجوبة للعديد من الأسئلة من قبيل:

 

مَن قتل شكرى؟ مَن قتل الإبراهمى؟ أين نذير وسفيان؟ مَن سهَّل عملية تسفير الشباب للقتال فى سوريا؟ مَن أطلق الرصاص على المتظاهرين خلال الثورة؟ مَن أعطى الأوامر لاستخدام الرصاص الحى؟ أين أموال بن علِى المهربة؟ ماذا قدم (الفاسدون) حتى تكافئهم رئاسة الجمهورية بمشروع (للمصالحة الوطنية) وتجعلهم أنظف من (الصينى) بعد غسيله؟ ما مصادر تمويل بعض وسائل الإعلام فى تونس؟
مَن ومَن وكيف ولماذا، هذه عينة عن غياب العدالة فى هذا البلد، الذى تغنَّى العالم بثورته السلمية..
مسار العدالة فى تونس الذى يجرُ إلى حد اللحظة أذيال الخيبة، رغم علو صوت (الفاعلين) بالشعارات، فلم ينفكوا يحدثونا عن (المساواة) و(العدالة الانتقالية) وعن (تجربتنا الفريدة فى الانتقال الديمقراطى)، و(محاكاتنا) لمَن سبقونا فى بناء دولهم بعد انتقال سلمى للسلطة. لذلك نسعى فى هذا المقال إلى طرح بعض الأسباب التى تعتبر حائلا دون تحقيق العدالة بشكل عام فى ظل الوضع الرهن الذى تعيشه تونس.

 

هيئات دستورية مفرغة من صلاحيتها
حتى لا نتهم فى هذا المقال بالتشاؤم والانحياز، علينا أن نخبرك عزيزى القارئ العربى، بما لدينا من غنائم تندرج تحت سقف تحقيق العدالة، هيئة (للحقيقة والكرامة) وأخرى (لمكافحة الفساد) وثالثة (لحقوق الإنسان والحريات الأساسية) ورابعة (لمناهضة التعذيب) وخامسة (لحماية المعطيات الشخصية).
خمسُ هيئات دستورية لم يكتمل مسار إرساء بعضها إلى حد اليوم، تقومُ فلسلفة وجودها بالأساس على تحقيق العدالة، وما تتضمنه وجوب منح للحقوق لكل الناس دون تمييز ومحاربة الفاسدين والمتجاوزين والمنتهكين للقانون، وتقديمهم للعدالة، ودفع ما عليهم من واجبات معنوية ومادية لمواطنيهم أو دولتهم على حد السواء.

 

إن الهيئات الدستورية التى تم إحداثها بعد الثورة تقوم فلسفة تأسيسها أساسًا، على دعم الديمقراطية، كما أن على مؤسسات الدولة احترام حدود الصلاحيات الموكلة إليها بالدستور وتيسير عملها. لكن فى تونس الأمر يختلف، فلم تستوعب السلطة التنفيذية فلسفتها المتمثلة فى افتكاك جزء من صلاحياتها الواسعة لصالح هذه  الهيئات، حتى تقوم بدورها فى تحقيق العدل والمساواة ومراقبة مدى تطبيق القوانين ومساعدة الأجهزة التنفيذية فى بعض مهامها.

 

فلطالما اشتكى بعض رؤساء هذه الهيئات من الرغبة الجامحة التى تسكن السلطة الحالية فى الإجهاز عن مسارها وتعطيلها والضغط عليها، عبر خنقها ماديا ومعنويا، وتأخير إجراءات تقنينها، ومحاربتها بمشاريع قوانين تساعد على إفراغها من صلاحياتها، وتحجيم دورها فى التعديل والإصلاح، مستغلة فى ذلك كتلها البرلمانية ونفوذها (التصويتى) مثل ما حصل مع هيئة الحقيقة والكرامة فى مارس 2018، والتصويت لصالح إنهاء مهامها، إلا أن الهيئة رغم كل ذلك واصلت عملها فى مايو 2018، متحدية بذلك قرار البرلمان التونسى.

 

غياب إرادة سياسية لتحقيق العدالة
حين تولى الباجى قائد السبسى السلطة فى 2014، لم يكن يخطر ببال التونسيين آن ذاك، أن  الذى ذرف الدموع أمام الكاميرات (حزنًا) و(حسرة)، على (قفة الزوالى) ونقصد هنا تدهور المقدرة الشرائية للمواطنين، أن يكون  همهُ الوحيد تقديم مشروع (للمصالحة الوطنية) مع مَن تسببوا فعلا فى عجز التونسيين عن العيش بطريقة كريمة بعد الثورة، ومع الفاسدين من المرتشين وناهبى أموال الشعب والمتورطين فى شبهات غسيل أموال وصفقات مشبوهة بالمليارات وغيرها من الجرائم فى حق الشعب التونسى.

 

كيف تبحرُ سفينة العدالة فى أمان والربانُ يسعى إلى إرسائها فى جزيرة مهجورة بحجة نسيان الماضى والبحث عن أفق جديد؟ فقد فعل السبسى كل ما فى وسعه حتى يضمن الأمان (لركاب الدرجة الأولى)، وليذهب البقية إلى الجحيم.. فلم يكتف بمشروع مصالحته الشهير مع الفاسدين وحارب مسار تطبيق القانون وتحقيق قيم العدالة والديمقراطية قولًا وفعلًا، صائحًا ذات تصريح شهير: (إن الهيئات الدستورية قد تغولت، وباتت تهددُ تماسك الدولة).
 

رب البيت الجمهورى إذن لا يصلى الثلاث، فلا يقيمُ العدالة ولا يضبط النظام ولا يُطبقُ المساواة.. إلا فى الميراث.

 

تكالب مسعور على رئاسيات 2019
فى ظل الوضع الراهن وما يمسى بـ(السياحة البرلمانية) واندماج أحزاب فى أخرى، رغم فقدانها نفوذها وحظوتها الجماهيرية، بات المشهد السياسى التونسى المركب على المستوى الشكلى أكثر وضوحًا من ناحية المضمون.

 

فقد بدأت التحالفات الخاصة بالانتخابات الرئاسية فى 2019 تتشكلُ، وتظهر خلفياتها وأهدافها. لذلك فمن غير المنطقى أن تهتم غالبية الأحزاب السياسية فى تونس، بكشف الحقيقة فى قضية اغتيال الشهيدين شكرى بالعيد ومحمد البراهمى مثلًا، فلربما تظهرُ حقائق مدوية، قادرة على قلب كل الموازين وإعادة خلط الأوراق، وزعزعة عرش عديد من القوى السياسية المتربعة على القاعدة الجماهرية الأوسع.

 

هذه القضية التى وجدت الجبهة الشعبية فيها وحيدة دون عضد سياسى، رغم الدعم المستمر للمجتمع المدنى بأعرق أطيافه، لن يأت من ورائها سوى (وجع القلب) لبعض الأطراف السياسية كحركة النهضة مثلا، التى تنكر وجود تنظيم سرى خاص، يديره بعض قادتها لإنجاز عمليات ذات خصوصية حسب ما أفادت به لجنة الدفاع.

 

كيف للعدالة أن تجد طريقًا معبدًا وسط هذا (التعفن) السياسى؟ كيف لا والنهضة إن ثبتت التهم الموجهة ضدها لن يكون لها مكان فى السباق الرئاسى، فعن أى مصداقية نتحدث والحركة متهمة فى قضيتى اغتيال؟ ما الذى يبرئ ساحتها وهى المسؤولة أخلاقيًّا وسياسيًّا عما حصل للشهيدين، تبعًا لوجودها فى السلطة لتلك الفترة، وهيجان قواعدها ضد تصريحات الشهيدين فى ذلك الوقت وصمتها تجاه الدعوات لقتلهما وإسكاتهما بسبب مواقفهما السياسية المعادية لها.

 

فى ظل التجاذبات السياسية لا ضامن لاستقلالية القضاء
ظاهرة سياسية جديدة نشأت فى تونس منذ 2014 على شكل (استبداد توافقى)، هذا المولود المشوه الذى تمخض عن (حبل ود) مزيف بين حركة النهضة وحركة نداء تونس. فبات هذا (التوافق) باستبداده، يسير أجهزة الدولة ويتحكم فى مفاصلها، بطريقة تصل لبعض الأحيان لحدود العشوائية وتجعلك تظن أنك تعيش فى ظل (عصابة حاكمة).

 

العدالة من جديد تغيب فى ظل هذا الوضع المتردى، فعديد من الملفات التى تعهد بها القضاء، والمتعلقة بتورط بعض رجال السياسة والمال فى قضايا فساد وغيرها، نجدها تتحرك (بقدرة قادر) بعصا سحرية فى أى وقت تشاء، انتقامًا من خصوم وإن أجرموا واستغلالًا لنفوذ ينافى جوهر القانون وقيم العدالة.

 

فلم يتوارَ رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، فى مايو 2017، عن استغلال قانون الطوارئ للقبض على المدعو شفيق جراية، رجل الأعمال الذى تحوم حوله شبهات فساد، والمقرب من حركة نداء تونس ورئيسها المعنوى الباجى قائد السبسى..

 

لا ندافعُ هنا عن متهم ولا نبرئ ذمته، ذلك الذى قال متبجحًا (لقد اشتريت كل الصحفيين فى تونس) بل ننقدُ استغلالًا خاطئًا للسلطة والنفوذ، بعد اختطاف الرجل ووضعه قيد الإقامة الجبرية، وإن كان مطلوبًا للعدالة، فالعدالة تطلب المساواة بين جميع المواطنين فى الحقوق والواجبات، ولا معنى من تصفية حسابات سياسية مع خصوم عبر أجهزة الدولة..

 

ونذكر فى هذا السياق أيضَا المدعو برهان بسيس، المكلف بالشؤون السياسية فى حركة نداء تونس، المتهم بـ(استغلال موظف عمومى لصفته بهدف تحقيق فائدة لا وجه لها لنفسه والإضرار بالإدارة وذلك فى ما يعرف بقضية (صوتيتال) والذى لم يتمتع بحقه فى الاعتراض عن الحكم الاستئنافى وفق القانون التونسى، والقبض عليه فى نفس يوم صدور الحكم وهو فى حالة سراح..

 

ناهيك بالتعاطى مع قضية الشهيدين شكرى بالعيد ومحمد البراهمى الذى يرى مراقبون أنه قد اتسم بـ(المماطلة والتسويف)، كما أن  لجوء النيابة العمومية بالقطب إلى فتح بحث تحقيقى على أساس الفصل 31 من مجلة الإجراءات الجزائية، هو مغالطة إجرائية وتلاعب قانونى، ويسعى إلى طمس الحقيقة ومنع الدفاع من تقديم ما له من مؤيدات حسب لجنة الدفاع عن الشهيدين.

 

من المؤكد أن إقحام أجهزة الدولة لا سيما القضاء فى التجاذبات السياسية سيؤدى حتمًا إلى خراب عملية الانتقال الديمقراطى التى تسعى تونس لإرسائها منذ 2011. لذلك بات من الضرورى على السلطة التنفيذية أن تعى حدود صلاحياتها وأن لا تتخطاها، وتترك السلطة القضائية تقوم بدورها دون ضغوطات أو توجيه مهما كان حجم المتورطين، فهم مواطنون تونسيون، من حقهم التمتع بكل أركان المحاكمة العادلة مهما كان جرمهم.

 

إن مسار العدالة فى تونس، لم يلح من طيفه سوى شعارات رنانة عن الحرية والديمقراطية، وأصوات عالية لأولئك الذين وهبوا حياتهم دفاعًا عن قضايا ما زالوا يؤمنون بعدالتها رغم قلة سالكى طريقها، رافعين صوتهم فى وجه شكل جديد من (الاستبداد التوافقى) الذى انقطع حبله وبات الكل يلعب فى ركن لوحده.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات