.

وجه الشبه بين الضحية والجلّاد

Foto

الكتاب ينقسم لستة فصول وتركز بصورة مكثفة على تاريخ التعذيب، بالإضافة إلى الجوانب النفسية والاجتماعية التى تجيد الكاتبة تناولها بطريقة سلسة وممتعة.


يأتى كتاب «ذاكرة القهر» للدكتورة بسمة عبد العزيز، والصادر عن دار التنوير للنشر، ليتناول قضية التعذيب برؤية موضوعية وعلمية تساعد على وضوح الصورة ونضوج الفكر.


الكتاب ينقسم لستة فصول وتركز بصورة مكثفة على تاريخ التعذيب، بالإضافة إلى الجوانب النفسية والاجتماعية التى تجيد الكاتبة تناولها بطريقة سلسة وممتعة.


ومن أهم القضايا التى يثيرها الكتاب حوادث الاختفاء القسرى، حيث تشير الكاتبة إلى أنها فى كثير من البلدان التى تحكمها أنظمة قمعية، ومثلها حوادث الاختطاف التى تدبرها الأجهزة الأمنية، ويُذكر هنا أن الفترة التالية لثورة يناير المصرية شهدت بلاغات وشكاوى متعددة من أشخاص فقدوا ذويهم لفترات طويلة، ثم ظهر أن هؤلاء المفقودين محتجزون فى معسكرات تابعة للجيش، أو للشرطة العسكرية، أو فى أحد السجون الحربية، وفى أحيان كثيرة داخل معسكرات الأمن المركزى.

من هؤلاء مَن تم تعذيبه بضراوة وخرج مصابًا، ومنهم مَن لقى حتفه، وهناك مَن ألقى به -بعد أن استنفد التعذيب أغراضه- فى منطقة نائية، وعُثر عليه فى حالة صحية مزرية.


كما تذكر الكاتبة أن أفعالا من قبيل التعذيب حتى الموت والتمثيل بالجثث يصعب أن يأتى بها شخص بمعزل عن فكرة الانتقام، كما لا يمكننا أن نغض البصر ببساطة عن العنف المقصود الذى طالما مارسته المؤسسة الأمنية تجاه فئات يتم وصْمها بعبارة «مسجل خطر» لإجبار أفرادها على الطاعة والانصياع إلى أوامر كثيرًا ما تخالف القانون.


كما تحدث الكتاب عما يحدث مع النشطاء السياسيين وأن تعذيبهم يوصف بأنه فعل ذو دلالة عدوانية تجاه المجتمع وليس ضد شخص بعينه، أو جماعة محدَّدة، حيث تستخدم الضحية دائما للإعلان عن القوة المطلقة للنظام وقدرته اللا محدودة على البطش، وحين يفلح الجلّاد فى عزل ناشط سياسى عن محيطه وحياته الاجتماعية، وفى حرمانه من التواصل مع الزملاء والرفاق، وفى تدمير جسده وعقله، لا يكون قد تخلص من مُعَارِض فقط، بل نجح فى كسر إرادة وكرامة المجتمع بأكمله، حيث لا تنفصل ذات الضحية فى هذه الحال عن الذات الكلية للمجتمع، وفى السياق المعتاد الذى تدافع فيه الضحية عن مبدأ أو قضية ما، لا يُمسى الإيذاء أمرًا شخصيًّا بل يخرج إلى العموم، وحين تُنتَهَك الضحية وتُسحَق حقوقها بسبب مواقفها السياسية، يُعانى المجتمع الشىء نفسه.


كما أشارت الكاتبة إلى جزئيات تفصيلية عن التعذيب، أهمها التعمية الجبرية، فتذكر أن تعصيب العينين يشكّل إحدى ركائز السياق المريض الذى تجرى فيه عملية التعذيب، فالشخص الذى يتم تقييد حركته، بادئ ذى بدء، والذى يتم اختطافه فى أغلب الأحوال، يخضع إلى تعمية إجبارية تخدم بدورها مقاصد متنوعة، منها -على سبيل المثال- توفير الحماية للجلّاد بإبقائه مجهولا حيث تعجز الضحية عن الإدلاء بأوصافه فى ما بعد، ومنها أيضًا إبقاء مقار الاحتجاز سرية وآمنة، حيث لا تتمكن الضحية من تحديد المكان الذى سيقت إليه وعُذِّبت فيه. اتبعت هذه الوسيلة بشكل مكثف مع الأشخاص الذين اختطفوا أو ألقى القبض عليهم بعد ثورة يناير.

وجدير بالذكر أن أغلبهم تعرض للتعذيب فى أماكن لم يمكن التعرف عليها قط.


ويشير الكتاب لقصة طريفة وهى أن أحد الأطباء الإنجليز تعرض ذات يوم إلى محنة الاحتجاز والتعذيب، حال اتهامه بالتآمر على إليزابيث الأولى، ملكة إنجلترا، فوصف ما اختبره فى تلك المحنة متوقفًا أمام التداخل العقلى والنفسى المذهل الذى يربط الضحية إلى الجلاد، قائلاً: «صرت مثل كوب من زجاج، مفتت إلى أجزاء كثيرة وصغيرة».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات