.

هل أنت مخترع نابغة وموهوب؟! مبروك عليك الـ٥٠ جنيه!

Foto

كيف أصبحت مسابقات الابتكار فى وزارة التعليم سد خانة؟ لماذا لا ترعى وزارة التعليم طلابها المبتكرين؟ كيف جذبت أمريكا خلال 20 عامًا مليونَى مخترع من العالم كله؟


اعتادت وزارة التربية والتعليم منذ سنوات تنفيذ مسابقة بين طلاب المدارس تحت اسم «المخترع الصغير»، الهدف منها تكوين جيل من المبتكرين والمخترعين يستفيد منهم المجتمع المصرى والمجتمع الإنسانى ككل، وهى خطوة إيجابية شكرًا لكل مَن أسهم فيها، ومعلوم أن الشباب المصرى يمتلك الكثير من الابتكارات والاختراعات والأفكار المبدعة، تحتاج إلى اكتشافها وتحتاج إلى ترجمتها وتحويلها إلى واقع يستفيد منه المجتمع، هؤلاء الشباب على صغر أعمارهم وعلى ضعف إمكاناتهم صنعوا الكثير من الإنجازات فى مسابقة المخترع الصغير، تلك التى ينظمها قسم الاتحادات الطلابية فى المدارس، فى هذه المسابقة يتنافس الطلاب فى كل محافظات مصر للحصول على لقب المخترع الصغير، تبدأ المنافسات فى المدارس بالمراحل التعليمية الثلاث، أى الابتدائية والإعدادية والثانوية، بأن يتقدم الطالب بأعماله (سواء أكانت ابتكارًا أم اختراعًا) إلى لجنة التقييم، وتقوم كل مدرسة بتحديد الفائز منها حسب استمارة تقييم ومحكمة من لجنة من التربية الاجتماعية وأسرة العلوم، والفائز يتم تصعيده إلى المستوى الأعلى وهو التنافس على مستوى الإدارة التعليمية التابع لها، فتقوم كل إدارة تعليمية باستقبال الطلاب الفائزين فى مدارسهم وعقد جلسات تحكيم لهم، عبر قسم التربية الاجتماعية وتوجيه العلوم فى الإدارة ومن ثَمَّ تحديد الفائزين، وبالتالى يتم تصعيد الفائزين للمستوى الأعلى وهو مستوى المحافظة التابعين لها، فيتم استقبال الطلاب والقيام بتحكيم أعمالهم من قبل توجيه عام التربية الاجتماعية وتوجيه عام العلوم، ومن ثَمَّ يتم تصعيد الفائزين للتنافس على مستوى الجمهورية، ويتم إعلان الفائزين فى حفل بسيط فى المحافظات التى فازت بعد ظهور نتيجة المسابقة بشهر على الأقل.

صحيح هى مسابقة شكلها جميل وظريف، لكن تأثيرها فى الواقع معدوم، بل ربما تؤدى إلى نتائج سلبية لم يقصدها القائمون على المسابقة، فالمعلن عن أهداف هذه المسابقة أنها لترسيخ أسلوب التفكير العلمى لدى الطلاب، ومساعدتهم على ربط المادة العلمية بالبيئة المحيطة، ورعاية وصقل الطلاب الذين تظهر عليهم بوادر النبوغ والاختراع، ومن الأهداف المكتوبة والمعلنة أن الهدف الأسمى من المسابقة هو تدريب الطلاب على أسلوب البحث العلمى فى مواجهة المشكلات، ولأن الأمور ليست بالكتابة ولا بالكلام المزوق إنما بالواقع، فإننا لا نجد أية رعاية حقيقية لهؤلاء الطلاب، لكم أن تتخيلوا كم الأطفال والشباب المصريين الذين فازوا فى هذه المسابقة على مدى الأعوام العشرة السابقة، أعداد كبيرة جدًّا من المخترعين أو على الأقل مَن لديهم الاستعداد لأن يكونوا مخترعين أو مبتكرين، فهل تمت رعاية هؤلاء؟
إذا كان هدف المسابقة المدرسية هو اكتشاف مَن لديه هذه الموهبة الخطيرة التى نحن فى أمسّ الحاجة إليها، فهل من المعقول أن تكون نهاية هذا البحث مجرد تكريم الطلاب الفائزين وحصولهم على شهادة تقدير وجائزة تقدر بخمسين جنيهًا وفى أحسن الأحوال بمئة وخمسين جنيهًا عبارة عن شهادة استثمار الفئة «ج»؟! أين احتضان هؤلاء المخترعين وتقديم الرعاية لهم؟ سواء أكانت دعمًا ماديًّا أم معنويًّا أم حتى استشارات اجتماعية ليطوروا أنفسهم؟ لماذا لا يتم التعاون بين التربية والتعليم والمراكز البحثية لرعاية هؤلاء الطلاب؟ لماذا لم يتم توجيههم ليكونوا مخترعين أو مبتكرين فى المستقبل؟ لماذا لم يتم إرشادهم إلى أنسب الطرق لحماية أفكارهم وإبداعاتهم؟ لماذا لم يتم توفير وسائل البحث والاطلاع لديهم أو تذليل الصعوبات التى تواجههم؟
يا سادة يا كرام، مصر مليئة بالشباب وغنية بالمبتكرين، فقط نحتاج إلى رؤية وقيادة تنفيذية تقوم بإعداد جيل من العلماء والباحثين فى المجالات العلمية المختلفة، ورعايته ليثمر وينتج، هؤلاء الطلبة فى حاجة إلى أن ترى اختراعاتهم النور وهم يتطلعون إلى مَن يتبناهم ويؤمن بهم، فما أقسى نظرة عدم اهتمام ولا مبالاة وعدم إيمان بقدرتهم على الإبداع، تلك التى يجدونها من المسؤولين، هؤلاء الذين يتعاملون معهم على أنهم مشروع مدرسى وخلاص! الهدف منه تسديد خانة وتنفيذ الخطة ورفع تقرير بأن كله تمام.
يا سادة يا مَن تبحثون عن عالم أفضل، ها هى بذرة المستقبل العبقرية أمامكم وتحت أعينكم، هيا ازرعوها وارعوها تثمر لكم مستقبلًا باهرًا، فهل أنتم فاعلون؟ أشك كثيرًا، فالبعض لا يريد أن ينظر، أمامنا جيل يمتلك القدرة على الابتكارات، وكل الذى يحتاجه بعض الاهتمام وتسليط الضوء على إبداعاتهم فى مختلف وسائل الإعلام، فهذا من شأنه تشكيل حافز قوى لهم لمزيد من التقدم وعدم الإحباط، هذا الجيل قادر على أن يحدث نهضة ونقلة نوعية فى شتى المجالات التكنولوجية، فقط يحتاج إلى إدارة واعية فاهمة، وإلى مسؤولين لديهم الرؤية وليسوا مجرد موظفين، للأسف وزارة التربية والتعليم ومعها كل المراكز العلمية والبحثية تتشدق برعاية الطلاب النابهين والمتفوقين والمخترعين شكليًّا، ليقدموا تقرير آخر العام بأعمالهم، والمضمون صفر ثم صفر.
لدينا فى العام الواحد أكثر من سبعة وعشرين مخترعًا ومبتكرًا فى كل مرحلة، يعنى لدينا واحد وثمانون طالبًا على مستوى الجمهورية من المراحل الثلاث، أى ثروة قومية، فلماذا لا يتم إصدار أمر بالتعاون مع وزارة البحث العلمى بأن تقوم برعاية هؤلاء بشكل منفصل؟ لماذا لا يتم تدشين مركز لرعايتهم وتوفير كل الاحتياجات لهم؟ معلوم أن المخترع هو شخص متميز لديه مؤهلات الابتكار والإبداع، وكلما كان اكتشاف المتميز فى سن مبكر كان توظيف طاقاته وتوجيهها أفضل وأفعل، فالنشء قد يكون متميزًا ولكنه لا يعلم قدرات نفسه ولا تساعده البيئة المحيطة على بروز تلك القدرات المهارية، وبالتالى فهو يضيع فى وسط الزحام، فقد يكون فى أسرة ما طفل متميز لكن الأسرة لا تدرك أن ابنها لديه طاقات إبداعية يمكن تطويرها وتنميتها ليصير الابن مبدعًا نافعًا.
ومن هنا فإن الأسرة تلعب الدور الرئيسى فى اكتشاف الطفل المتميز المؤهل لأن يكون مخترعًا يومًا ما، وعلى المجتمع أن يتوقف عن إرسال رسائل سلبية لهؤلاء اليافعين، فكثيرًا ما يسخر البعض منهم ببعض العبارات المحبطة، مثل: أنت فين والاختراع فين؟ أو ما خبرتك فى الحياة حتى تخترع؟ كل هذه العبارت يجب أن نعلم أنها تقتل الإبداع من البداية، ونحن مَن نقتلهم بأيدينا، ثم يأتى دور المدرسة لتكتشف هذا المخترع وقد تم صحيح بشكل غير منظم إلا أنه قد تم، فأين مَن يستكمل المسيرة لرعاية هؤلاء الطلاب؟!
نحن فى حاجة لبث ثقافة الاختراع والإبداع بين الأبناء الصغار، وذلك بتشجيع الأبناء على التفكر والتأمل واستنباط النتائج والتفسيرات للظواهر والشواهد، مع التهيئة النفسية للأبناء لأن يكونوا مبتكرين ومبدعين.
يجب توفير كل معينات التميز والإبداع من ألعاب وقصص مخترعين وبرامج حوسبة تثرى ملكات الإبداع لدى الأبناء، وفى حالة ملاحظة علامات التميز الإبداعى لدى أحد الطلاب أو التلاميذ فإننا سنكون بصدد شخص مرشح لأن يكون مبدعًا أو مخترعًا، وعلى ذلك فلو تم تكثيف رعايته وتوفير البيئة العلمية الإبداعية له بالتواصل مع العلماء والمؤسسات المرتبطة بمجال نبوغه، فإن ذلك قد يعزز من فرص استكمال إبداعه وبالتالى عدم ضياع الموهبة هباء، وبعد اكتشاف موهبة المخترع سيكون علينا تقديم رعاية أكبر من المدرسة وحدودها، وهى مرحلة تطوير ملكاتهم.
أدرك تمامًا أننا دولة نامية نفتقر إلى المختبرات والإمكانيات التكنولوجية لنقوم بالأبحاث المتطورة، لكن لأننا دولة نامية فليس لدينا رفاهية إهدار فرص تنمية ورعاية الموهوبين والمخترعين.
هل تعلم صديقى القارئ أن الولايات المتحدة الأمريكية فى الفترة من 1980 إلى عام 2000 حاولت استنزاف العقول البشرية من مختلف دول العالم، فحصلت على مليونَى عالم وعالمة خلال 20 سنة، وبفضل هؤلاء العلماء فرخت علماء آخرين واحتضنتهم فأصبحت تقود العالم بفضل اختراعاتهم؟
هل تعلم أن الولايات المتحدة تمتلك 60% من الاختراعات و20% تمتلكها اليابان و10% فى ألمانيا والـ10% المتبقية تتوزع على بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا والنمسا والسويد ودول عظمى أخرى؟
يا سادة يا محترمين، إن مقياس عظمة الدولة هو بمدى ما تمتلكه من اختراعات ومخترعين.. فهل ننتظر إلى أن يطهق الطلاب منها ويهاجروا إلى أمريكا؟! فهل نعى الدرس أم أن الدرس انتهى؟

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات