.

ما تحتاج إليه الفتيات المصريات فى يومهن العالمى



Foto

متى تترجم الدولة شعارات تمكين المرأة إلى واقع؟ 
كيف تتغير ثقافة «اكسر للبنت ضلع يطلع لها 24»؟
من المسؤول عن تعديل فتاوى امتهان المرأة؟ هل تعلمنا شيئًا من تصريحات أم كلثوم عن المسلة المصرية فى باريس؟



احتفل العالم فى الحادى عشر من أكتوبر بـ«اليوم العالمى للفتاة»، وهو اليوم الذى أقامته منظمة الأمم المتحدة فى عام 2012، لتسليط الضوء على التحديات التى تواجه الفتيات فى مختلف أنحاء العالم.

 


مصر كان لها نصيب من الاحتفال، وزيرة التضامن الاجتماعى، غادة والى، قررت التنازل عن منصبها ليوم واحد فقط لصالح الفتاة مى صلاح، صاحبة الـ23 عامًا، الأمر الجديد على ثقافتنا، والذى ينم عن نية الدولة تدعيم المرأة وتمكينها.
وعلى أرض الواقع، الأعمال ليست بالنيات، فما فعلته وزيرة التضامن الاجتماعى أمر جيد ومحمود، ولكن التخوف الأكبر يأتى من اقتصار الحدَث على الاحتفال بيوم الفتاة، فتتحول الرسالة إلى مجرد «show».
فالفتاة المصرية تواجه تحديات ليست بالهيّنة، والمجتمع -بكل أسف- تأثر بالتيارات الوهابية والسلفية التى ظهرت فى سبعينيات القرن الماضى، وحوّلت الفتاة من «شريكة فى المجتمع» لها طموحها الخاص وقيمتها المتميزة، إلى كائن مثير للشهوة، لا يحق لها الضحك أو السفر وحيدة، أو قضاء ليلة فى أحد الفنادق دون ولى أمر.

 

فى اليوم العالمى للفتاة يجب تقديم كل التحية والتقدير للفتاة المصرية، الأخت والصديقة والمُعلمة والعالمة والرياضية، هؤلاء المتمردات على قوالب الجهل، اللاتى صُدّرت صورة خاطئة عنهن، وزُعم كذبًا أنهن أقل قدرة على العمل والإبداع والإنجاز، بينما مُنح الرجل حق القوامة وفرض الرأى والكلمة.
 

الفتاة تواجه فى المجتمعات المتأخرة العديد من المعتقدات الثقافية الخاطئة؛ فعلى سبيل المثال، المقولة الشعبية «اكسر للبنت ضلع يطلع لها 24»، التى تنم عن جهل فاضح، فبعض أولياء الأمور منحوا أنفسهم سلطة التعدى الجسدى على الفتاة بالضرب من أجل ضمان حسن السير والسلوك والتربية، وهذا هو الجهل بعينه، فكل أساليب العنف الجسدى لن تولّد لدى الفتاة سوى العقَد النفسية، وربما السلوكية؛ ما يجعلها خطرًا على المجتمع، ومشروع ربة أسرة غير متزنة أيضًا، قد تلجأ إلى نفس أساليب القهر التى شبَّت عليها.
 

فى الذكرى السادسة للاحتفال بـ«اليوم العالمى للفتاة»، لا تزال إحصائيات منظمة الأمم المتحدة تشير إلى وفاة فتاة كل عشر دقائق فى مختلف ربوع العالم؛ بسبب ممارسات العنف والاضطهاد بحقهن. وبتأمل بيانات الأمم المتحدة نجد أن إفريقيا ودول العالم الثالث تمثل التهديد الأكبر لحق الفتاة فى الحياة الحرة الكريمة.
 

على سبيل المثال؛ أثبتت التقارير أن 700 مليون فتاة تم تزويجهن وهن دون الـ18 عامًا، بينهن 125 مليون فتاة فى القارة السمراء فقط، بالإضافة إلى أنه يوميًّا تلد 20 ألف فتاة تحت سن الـ18 عامًا مولودًا، ما يهدد حالتها الصحية ويهدد مستقبل المولود الذى سيجد أمًّا لم تحظَ بنصيبها العادل من العمل والعلم والتربية.
 

ولأن امتهان الفتاة أمر ينم عن الجهل المتأصل فى العقول، يقول الصحفى البريطانى شون كوجلان، فى تقريره عبر شبكة «بى. بى. سى»: «بينما تتفوق الفتيات فى كثير من الأحوال على الصبيان فى مجالات التعليم بالدول الغربية الغنية، تتخلف الفتيات فى الكثير من الدول الفقيرة، وخصوصًا فى الدول الإفريقية جنوبَى الصحراء الكبرى، عن أقرانهن، بل وقد يخسرن فرصة التعلم أساسًا».
وفى نفس الصدد نشرت مؤسسة «One» المعنية بالتنمية تقريرًا يشير إلى أصعب 10 دول تحظى فيها الفتيات بفرص التعليم، وكان 9 من بينها فى إفريقيا، وهى «النيجر- تشاد- مالى- إفريقيا الوسطى- جنوب السودان- ليبريا- غينيا- بوركينا فاسو- إثيوبيا»، بالإضافة إلى أفغانستان، ما يؤكد أن الانقسامات والصراعات الداخلية تؤثر سلبًا فى حقوق الإنسان والفتاة، ولكن ما عذر الدول المفترض أنها مستقرة وبها معالم ثقافية وحضارات عديدة ممتدة منذ آلاف السنين؟!
 

الفتاة المصرية فى أمَس الحاجة إلى مناخ آمن يحترم آدميتها ويلبى طموحاتها، مناخ لا يمتهنها إنسانيًّا، ولا يقيدها بقيود التعصب الدينى، ولا يمارس ذكوريته الفاضحة عليها، فهى ليست فى حاجة إلى منصب شرَفى لمدة يوم واحد، ولا تصريحات المسؤولين المعسولة عن ضرورة تمكينها وتقديرها، لكنها فى حاجة إلى ترجمة كل ذلك على هيئة صحوة شاملة فى مجال حقوق الإنسان والتعليم والتشريع، صحوة تضمن للمرأة مكانتها، وتحقق لها غاياتها، وتحميها من كل متطرف أو جاهل.
 

الفتاة المصرية هى مشروع رمز لا يُرهب بل ينتفض ويتحرك للدفاع عن الوطن، ويقف فى وجه الديكتاتورية والاستبداد والظلم، وتضحى بكل ما تملك من أجل مستقبل أفضل لأبنائها، وطوابير السيدات فى الانتخابات والاستفتاءات خير شاهد على ذلك، فالمرأة المصرية رسمت بمشاركتها فى الثورة والاستحقاقات الدستورية بعدها مشهدًا عظيمًا يليق بعظمة حفيدة حتشبسوت.
 

الفتاة المصرية هى درع دبلوماسى يدافع عن مصر فى كل المجالات، ويرسم للوطن أفضل صورة؛ فعلى سبيل المثال، المصرية العظيمة «أم كلثوم» أجرت حوارًا مع الإعلامية سلوى حجازى بباريس بعدما أنهت حفلها كامل العدد، وكان كالآتى:
 

سلوى حجازى: إيه اللى عجبك فى باريس وتتمنى يتحقق فى بلدك، وإيه اللى موجود فى بلدك وحاسة إن حتى باريس معندهاش زيه؟
 

ارتسمت ملامح الاعتزاز على وجه كوكب الشرق وهى ترد على المذيعة دون أن تتخلى عن ابتسامتها الممزوجة بالدهاء الدبلوماسى، قائلةً: «عاوزة تقولى إيه، إن إحنا ناخد منهم حاجة؟ أو هما ياخدوا مننا حاجة؟ إحنا تقاليدنا حلوة جدا مش عاوزين حاجة ومابنقلدش حد، وماحبش أبدًا أى إنسان يقلد حد تانى، إحنا لينا تقاليدنا ولنا حاجتنا الخاصة الجميلة اللى طبعًا إحنا بنعتز بيها، أنا ماحبش إن بلدى تقلد بلد تانية أبدًا».
 

وعندما سألتها المذيعة: إيه أكتر مكان عجبك كل ما تيجى باريس تحبى تفوتى عليه؟
ردت أم كلثوم بنفس الفخر والثبات الدبلوماسى: «المسلة المصرية، علشان بتاعتنا، علشان جزء من بلادنا».

 

أم كلثوم فى هذا الحوار ضربت مثالًا للفخر والاعتزاز، وقدّمت صورة رائعة لمصر الفن والحضارة، بل رفضت حتى أن تُبدى انبهارًا بدولة أخرى أمام الكاميرات. إنها المرأة المصرية يا سادة.
 

فى اليوم العالمى للفتاة يجب الاهتمام بالتشريعات التى تحفظ لها حقها فى حياة كريمة عادلة، وتكفل لها الحق فى كل الوظائف والمناصب، وتحصنها من العنف الجسدى أو النفسى، خصوصًا مع العلم أنه، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة، 46% من اللاتى سبق لهن الزواج تعرضن للعنف الجسدى على يد الأزواج، و32% من اللاتى سبق لهن الزواج تعرضن للعنف النفسى، و12% يتعرضن للعنف الجنسى من الأزواج، و11% أُجبرن على الزواج دون الأخذ برأيهن، و40% من الإناث فى العينة العُمرية ما بين 18 و64 عامًا تزوجن قبل بلوغهن الـ18 عامًا، و18% تعرضن للعنف الجسدى والجنسى فى الفئة العمرية قبل 18 عامًا، و17% تعرضن للعنف النفسى من العائلة، و2% تعرضن لما سمّته الأمم المتحدة «العنف الجنسى من الإخوة أو الآباء».
 

فى اليوم العالمى للفتاة يجب تكرار التنديد بظاهرة ختان الإناث وما لها من تأثير سلبى فى صحة الفتاة نفسيًّا وجسديًّا، ولا يجب الاكتفاء بحملات التوعية والملصقات الدعائية، فلابد من شن حملات أمنية على أوكار العمليات المشبوهة، ولا مفر من تطبيق القانون بقوة على كل مَن يتورط فى أى أذى جسدى أو نفسى للفتيات.
 

كما يجب دَق ناقوس خطر سرطان الثدى، الذى يهدد واحدة من كل 8 سيدات أو فتيات، ولكن اكتشافه المبكر يزيد من فرص علاجه والتغلب عليه؛ لذلك يجب متابعة الفحوصات الشهرية المنزلية والطبية تدعيمًا لصحة المرأة، ومن ثم صحة المجتمع ككل.
 

وسط كل أنفاق الظلام، المجد للفتيات اللاتى تمردن على الجهل، ورفضن القهر أو التقليل من شأنهن، وأثبتن أنهن لسن أقل شأنًا من الرجال، المجد للفتيات اللاتى آمنَّ بأنفسهن فآمن العالم بهن، المجد لمن رفضن لعن الظلام وأشعلن شمعة للتنوير.
المجد للسبّاحة المصرية فريدة عثمان، وبطلات المنتخب الوطنى للإسكواش، خصوصًا البطلة نور الشربينى، التى فازت ببطولة لقب العالم  للإسكواش العام الماضى وكانت أول مصرية تحصل على هذا اللقب، بل ولم تبالِ بالهجوم السفيه الذى شنه بعض المتعصبين عليها؛ بسبب الزى الرياضى القصير، هؤلاء الذين حرّكتهم شهواتهم ونظروا إلى زيها وتجاهلوا كأس البطولة الذى حملته بين يديها.
شكرًا لنماذج متعددة من اللاتى رفضن التنازل عن طموحهن؛ مثل البطلة الأوليمبية سارة سمير، والطالبة ياسمين يحيى، التى كرمتها وكالة ناسا بإطلاق اسمها على الحزام الرئيسى لأحد الكويكبات المكتشفة مؤخرًا تقديرًا لجهودها العلمية التى بذلتها لصالح علوم الأرض والبيئة، بالإضافة إلى العديد من الأسماء اللامعة المبشرة بمستقبل مصرى مشرق، وهن «المطربة ياسمين العلوانى- لاعبة الكاراتيه جيانا فاروق- لاعبة التايكوندو هداية ملاك- المخرجة

 

ساندرا نشأت- المخرجة كاملة أبو ذكرى- المطربة مروة ناجى، وغيرهن».
 

فى النهاية، المرأة المصرية هى صمام أمان المجتمع وعموده الفقرى وطاقته الإيجابية، هى مدبرة ميزانية المنزل رغم غلاء الأسعار وزيادة الاحتياجات، وهى المتمردة والطامحة والمتطلعة إلى غد أفضل. حافظوا على قيمة المرأة حتى يسلَم المجتمع. كل الاحترام والتقدير للفتاة المصرية فى يوم الفتاة العالمى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات