.

ماذا بعد القبض على هشام عشماوى أخطر إرهابى مصرى؟!

Foto

هل لا يوجد إرهابيون ينتمون إلى الأزهر كما أكد فضيلة شيخ الأزهر؟ كيف انتقل هشام عشماوى من ضابط عمليات خاصة بالجيش إلى أخطر إرهابى على الإطلاق؟


 

ظل ضابط الصاعقة المصرى المفصول، الرائد هشام محمد عشماوى (39 سنة)، طوال السنوات الماضية، أخطر إرهابى على الإطلاق، والمطلوب رقم «1» فى مصر، حتى إنه كان يوصف دائما لدى أجهزة الأمن والاستخبارات الليبية والمصرية بـ«الصيد الثمين» و«الشبح»؛ نظرا لخطورته الشديدة، واحترافيته الكبيرة، ومهاراته المتراكمة فى القتال والتدريب والتخفى وحفظ دروب الصحراء، التى اكتسبها من خلال عمله السابق كأحد أمهر ضباط العمليات الخاصة فى القوات المسلحة المصرية، الأمر الذى جعله أخطر إرهابى شهدته البلاد على الإطلاق؛ إذ قام بالتخطيط والتنفيذ لعشرات العمليات الإرهابية التى وقعت فى مصر منذ العام 2013 تحديدا، وهو العام نفسه الذى بدأت فيه أنظار وتحريات أجهزة الأمن والاستخبارات تنتبه إليه وإلى ما يمثله اسمه من خطورة، خصوصا بعد تنامى موجات العمليات الإرهابية التى استُشهد فيها مدنيون وعسكريون أبرياء، فى أعقاب فض اعتصام رابعة العدوية، وكانت البداية باغتيال المرحوم هشام بركات، النائب العام السابق، ما حدا بالأجهزة الأمنية إلى الالتفات بجدية إلى ذلك الإرهابى الأخطر فى تاريخ مصر!

 

 
وفى ضربة نوعية عظيمة، نفذتها قوات الجيش الوطنى الليبى، بقيادة المشير خليفة حفتر، فجر يوم الإثنين التاسع من أكتوبر الحالى، أُلقى القبض على الإرهابى الأخطر هشام عشماوى، زعيم جماعة «المرابطين»، أحد أفرُع تنظيم القاعدة، بمدينة درنة الساحلية (شرق ليبيا)، فى مكان جبلى فى حى المغار بمدينة (درنة)، كان يختبئ فيه مع مجموعة من مساعديه الإرهابيين، لعل أبرزهم على الإطلاق الإرهابى الليبى «مرعى زغبية» (58 سنة)، أحد أهم المطلوبين عالميا، وأحد أبرز قادة تنظيم القاعدة منذ الحرب الأفغانية السوفييتية، لتنتهى بذلك أسطورة رجل لطالما شغل بأفعاله الإجرامية، وخططه الشيطانية، الأجهزة الأمنية فى مصر والمنطقة، وبالتأكيد فإن السلطات المصرية تنتظر تسليمه رسميا من السلطات الليبية، التى تستجوبه الآن، فى محاولة منها لاستنطاقه بأكبر قدر من المعلومات.
 
لكن السؤال الهام الذى يلح علينا هو: كيف انتقل هشام عشماوى من ضابط صاعقة محترف إلى أخطر إرهابى؟ وما ظروف نشأته؟ وهذا السؤال المركب تنبع أهميته من ناحية وجوب معرفة حياة ذلك الإرهابى قبل أن ينقلب فكريا ونفسيا، انقلابا دراماتيكيا يصلح لأن يكون مادة سينمائية أو درامية ثرية، تجتذب المشاهد، وتلفت انتباهه كثيرا، إذ انتقال هذا الشخص من كونه أحد أمهر ضباط العمليات الخاصة المصرية، ليكون أخطر إرهابى تشهده البلاد منذ فترة طويلة، إنما ينبغى أن يُدرس نفسيا واجتماعيا وثقافيا، فالتحول الكبير الذى شهدته حياة هشام عشماوى يفرض نفسه بشدة كمادة ثرية تهدف بالأساس إلى تلافى تكرار حالته، حتى لا نشهد فى المستقبل أشخاصا مثل عشماوى أو قريبين منه.
 
تخرج عشماوى فى الكلية الحربية لينضم بعدها إلى سلاح المشاة، ومنه انتقل إلى القوات الخاصة (الصاعقة) فى عام 1996، فيلفت انتباه قادته لما كان يتمتع به من كفاءات، الأمر الذى عجل بإدراج اسمه للمشاركة فى بعثة عسكرية للولايات المتحدة، وقد أمضى فى سيناء خدمة عسكرية دامت لأربع سنوات متتالية، حتى أخذت الشبهات تحيطه خصوصا بعد أن ألمحت التقارير المخابراتية أنه يتبنى أفكارا متشددة، ظهر ذلك عندما وبخ خطيب أحد مساجد معسكرات التدريب بعد أن أخطأ فى تلاوة القرآن، فكانت هذه الواقعة سببا كافيا لوضعه تحت المراقبة، وتطورت الأمور بعد ذلك فيُنقل عام 2000 إلى أعمال إدارية، ومع ذلك فلم تكن الكتيبات الدينية ذات الأفكار التكفيرية الجهادية تفارقه، حتى أحيل فى النهاية إلى محاكمة عسكرية قضت بفصله فى العام 2011، ليبدأ عشماوى فصلا جديدا من فصول حياته، فبعد أن انخرط فكريا/ نظريا فى أفكار التطرف والتشدد والتكفير، ينخرط عمليا/ تنفيذيا فى أعمال الإرهاب، ليظهر اسمه، صراحة، خصوصا بعد إذ انفصل عام 2014 عن «أنصار بيت المقدس» بعد مبايعته «داعش» -الذى كان يسيطر على مساحات واسعة فى سوريا والعراق آنذاك- وتحويل اسمه الى تنظيم «ولاية سيناء»، ليظهر بعد ذلك عام 2015 فى رسالة صوتية بثها موقع (سايت) لمراقبة مواقع الجماعات الإسلامية المسلحة، على الإنترنت، معلنا تأليف تنظيم يحمل أفكار القاعدة (المرابطون)، مهاجما الرئيس عبد الفتاح السيسى والقوات المسلحة المصرية، مؤكدا أن الجهاد ضد الدولة فرض عين!
 
ما يعنينا هو تحول هذا الشخص من قائد عسكرى إلى إرهابى دولى، وباختصار غير مخل فإن تحوله هذا كان بسبب اعتناق الأفكار التكفيرية، التى عصفت به على الرغم من أنه من بيئة راقية، ولم يعانِ فى يوم من الأيام فقرا أو عوزا أو هشاشة اجتماعية، فبمجرد اختراق الأفكار التكفيرية المتشددة رأسه، حدث هذا الانقلاب الكبير فى ذهنه، فاستحال من رائد فى القوات الخاصة إلى إرهابى كبير، ما يعنى أن مبررات تحولاته الفكرية لما يزل قائما، فمما لا شك فيه أن هذه التحولات عندما تشتد وطأتها، وتستحكم أدلتها، فإنها تجعل من الإنسان كائنا لا إنسانيا، يحيا فى الماضى وأدواته، لا يفكر ولا يعقل ولا يرحم ولا يقيم للحياة كلها وزنا، وهو ما حدث لعشماوى، فالتحولات الفكرية التى تعرض لها خلال سنوات قليلة جديرة بأن تبحثها أجهزة الدولة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا وتعليميا، وليس أمنيا فقط، وهو أمر جد خطير، ولعلنا لا ننسى أن عبود الزمر، وخالد الإسلامبولى، وغيرهما ممن خططا ونفذا جريمة اغتيال الرئيس الأسبق محمد أنور السادات فى أكتوبر 1981 كانا ينتميان أيضا إلى القوات المسلحة، ومن قبلهما ضباط تنظيم الفنية العسكرية الإرهابى عام 1974، ما يعنى أن تسلل واختراق الأفكار التكفيرية المتشددة لا يُعصم منه أحد، ولو كان ضابطا بالقوات المسلحة، لأن الأفكار عندما تجد طريقها مأمونا مذللا، فإنها تتمدد وتسيطر، ما دامت المواجهة معدومة، وما دام العقل مغيبا، الأمر الذى يجعلنا لا نضمن إفراز الواقع المصرى عناصر إرهابية جديدة!
 
ليس صعبا معرفة أسباب التحول الكبير فى فكر وحياة عشماوى، ولكن المعلومات الأمنية تؤكد أنه فصل من الجيش بسبب النزعة الدينية التى التزمها، وأنه تعرف بعد تركه المؤسسة العسكرية على مجموعة «جهادية تكفيرية» فى أحد مساجد المطرية فتأثر بأفكارها وشكل أول خلية عسكرية تحت مسمى «تنظيم أنصار بيت المقدس» فى ضاحية مدينة نصر الراقية بالقاهرة، قبل أن ينتقل للمشاركة فى الحرب بسوريا، أى أن البداية دائما تكون من الفكرة النظرية التى تستحيل إلى واقع عملى، وهو ما ينبغى الالتفات إليه، وتوجيه الإمكانيات كافة لمواجهته، فأى إرهاب يسبقه أفكار، وما دام مستنقع الأفكار الإرهابية لم يجف، فإننا لا نضمن اختفاء الإرهاب ولو ظللنا نحاربه بالسلاح ألف عام!
 
وأخيرا، فهل تأكيدات حضرة مولانا شيخ الأزهر الأخيرة بعدم وجود إرهابى واحد من خريجى الأزهر حقيقية؟ بالطبع لا؛ فقد خطط ونفذ إرهابيون كثيرون جرائمهم وكان معظمهم من الدارسين فى الأزهر أو المتخرجين فيه، كما هى الحال عند مفتى جماعة الجهاد الإرهابية، الشيخ عمر عبد الرحمن، وسالم رحال، وعبد الله عزام، وأبى ربيعة المصرى، وغيرهم، وكلهم من خريجى جامعة الأزهر، فضلا عن أن أغلب الإرهابيين الحاليين ينتمون إلى الأزهر إما كطلاب أو أساتذة، كما هى الحال فى خلية اغتيال المرحوم هشام بركات، النائب العام السابق، وعناصر حركة «حسم»، بخلاف انتماء غالبية جماعة الإخوان الإرهابية إلى مؤسسة الأزهر، ما يعنى أن كلام حضرة مولانا الإمام يجانبه الصواب، جملة وتفصيلا!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات