.

يا أصحاب المعالى والدبلوماسية.. افتحوا السماوات المصرية التونسية

Foto

هل تسوِّى مصر أوضاع الإقامات المخالفة للسودانيين والأفارقة عمومًا؟ ما مصير اللجنة المصرية- التونسية برئاسة رؤساء وزارات البلدين؟


الباب اللى يجيلك منه ريح سدّه واستريح.. ربما هو مثل شعبى عربى شهير، لكنه واقع حال النظام المصرى الذى يسعى قدر الإمكان لإحكام السيطرة على رقعته الجغرافية، ومنع نفاذ أى أنفاس غريبة تتسلل عبر الحدود.

 

فلا أسباب تُذكر فى خطاب وزارة السياحة المصرية الذى أشعرت به السفارة التونسية بالقاهرة ومفاده فرض إجراءات جديدة على السياح المغاربة (تونس، المغرب، الجزائر) القادمين عن طريق وكالات السفر، ولعل أبرزها إرفاق وثيقة بكشف حساب بنكى يحتوى على مبلغ مالى قيمته 2000 دولار، إضافة إلى شهادة صادرة عن مكان العمل تفيد وظيفة كل زائر.
 

هذه الإجراءات الجديدة التى جاءت لتشدد عملية الحصول على تأشيرة من قِبَل السياح المغاربة، أثارت حفيظة رواد التواصل الاجتماعى لهذه البلدان، وأشعلت غضبهم، تجسدت فى منشورات مكثفة، ذهب البعض فيها لدعوة بلدانهم إلى معاملة السياح المصريين بالمثل و«معاقبة» القاهرة كما فعلت هى بهم.

 

خوف غير مبرر من السياح المغاربة
لا أحد يستطيع منع دولة ما من اتخاذ أى إجراءات أمنية تراها هى وأجهزتها التنفيذية مناسبة، لحماية استقرارها الوطنى وسلامة أراضيها، لكن السؤال الذى يطرح نفسه فى هذا السياق: هل يشكل فعلًا السياح المغاربة تهديدًا على أمن الدولة المصرية؟

 

فمن المستغرب جدًّا أن تغض وزارة الداخلية المصرية البصر عن البنغال والسوريين والصوماليين والسودانيين، وغيرهم من جنسيات إفريقية مختلفة الموجودين على الأراضى المصرية دون إقامات فعالة!
 

هؤلاء الذين يعج بهم يوميًّا مجمع التحرير، لتسوية وضعية إقامتهم منتهية الصلاحية، قاصدين مصلحة الجوازات والهجرة والجنسية، آملين فى الحصول على وثيقة رسمية تمكنهم من البقاء وتمنحهم الحق فى مزاولة عيشهم على الأراضى المصرية بطريقة قانونية.
 

إلا أنهم رغم خرقهم الواضح للقانون، لا يزالون يعيشون فى مصر دون مضايقة أمنية أو تحت أى ضغوط تُذكر لإجبارهم على الرحيل حتى ليوم واحد إلى بلادهم ثم العودة من جديد.
 

أصحاب الجوازات المذكورة يعملون دون قيود أو رسوم تميزهم عن المصريين فى شتى المهن الحرة على الأراضى المصرية، منهم كثيرون غير مسجلة عقودهم بوزارة القوى العاملة المصرية.
ناهيك بالعاطلين منهم عن العمل والذين تقطعت بهم السبل ويعيشون على المساعدات الخيرية من جمعيات المجتمع المدنى.

 

ما الذى تخشاه السلطات المصرية حقًّا من المغاربة؟
بالعودة إلى الأسباب المعلنة التى دفعت السلطات المصرية إلى إقرار الإجراءات المشددة المذكورة، نجد بعض التصريحات الإعلامية لمسؤولة مصرية، امتنعت عن ذكر اسمها، ونقلت عن لسانها المواقع الإخبارية تصريحًا يفيد أن «هناك عددًا من التونسيين الذين دخلوا الأراضى المصرية عبر وكالات أسفار ولم يعودوا إلى بلادهم».

 

فهل يُعقل أن تتخذ دولة مثل هذه الإجراءات المشددة بسبب حدوث حالات فردية قد تجاوزت القانون وتعممها على مواطنى دول أخرى؟ وإن كان السبب الحقيقى وراء هذه الإجراءات هو مواطنون تونسيون لماذا «يُعاقب» مواطنو الجزائر والمغرب ويوضع الجميع فى سلة واحدة؟!
ربما لو أعلنت السلطات المصرية أن الأسباب الحقيقية وراء هذه الإجراءات هو تفشِّى بعض الأوبئة على الأراضى التونسية كالكوليرا وجنون البقر، وإن كانت الأرقام الموجودة لدى السلطات التونسية لا تتطلب الفزع الشديد، لكان الأمر مقبولًا وأقرب إلى التصديق..

 

أو تتحجج بتصدر التونسيين قائمة المقاتلين فى صفوف «داعش» وانتشار خبر عودتهم من بؤر التوتر إلى بلادهم، وأنها تخشى تسللهم إلى أراضيها عبر القنوات السياحية. هنا لا أحد يقدر على لوم «الشقيقة الكبرى» على أخذها أى تدابير أمنية تراها مناسبة لها ولحفاظها على استقرارها. لا سيما أن الأخيرة لم تتعافَ بعد من تتالى الضربات الإرهابية، وهى التى يؤكد إعلامها وممثلو أجهزتها الأمنية والعسكرية، بشكل شبه يومى، أنها تخوض «حرب القرن ضد الإرهاب» فى سيناء وغيرها.
 

وهنا مربط الفرس، كيف كان على الدبلوماسية المصرية تبرير ما لا يُبرر؟! فلو كان الخطاب الذى توجهت به وزارة السياحة المصرية إلى السفارة التونسية بالقاهرة قد شمل التونسيين فقط، فكان هيبقى «شكلها وحش»..
 

لذلك شاء «الدهاء المصرى» أن يقحم الجزائر والمغرب فى هذا «الحصار»، حتى لا تظهر الصورة قاتمة، وأن مصر تستهدف تونس بالأساس، وأن مواطنيها دون غيرهم، مَن يمثلون مصدر إزعاج.
تفكير يعتبره البعض جد منطقيًّا، ويجوز فى السياسة الدولية البحث عن مخارج مريحة حتى لا تحدث أزمات دبلوماسية حقيقية بين الدول، لكن من الغريب هو أن تُقدم مصر على هذه الخطوة وتخلق أزمات دبلوماسية هى فى غنى عنها مع الجزائر والمغرب. فلا أسباب حقيقية تُذكر تجعلها تشدد إجراءات الدخول على مواطنى هذه الدول. وكان من مصلحة السلطات المصرية أن تتأنَّى قبل اتخاذ القرار وأن تحسبه جيدًا من كل الجوانب.

 

علاقات تاريخية رهينة قرارات غير محسوبة
ورغم كل ما ذكرناه، فإن العلاقات المصرية- التونسية تبقى متينة وضاربة الجذور فى الأرض وعبر التاريخ، وإن هبَّت عليها من فترة إلى أخرى رياح عاتية، يكون مصدرها عادة نَفَس سياسى جديد، تتحكم فى قراراته لعبة مصالح إقليمية ودولية.

 

فلطالما لم يتأخر البلدان عن شد أزرهما فى المحافل العربية والدولية، وكانت تونس دائمًا معاضدة لمصر فى كل مواقفها تجاه القضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية ومحاربة الإرهاب والتطرف وغيرها.
 

لكن هل يكفى التوافق الدبلوماسى الخارجى، أم أن الدول تتقدم ببناء اقتصادات قوية دعامتها التعاون والتبادل التجارى القوى؟ لا سيما وما ينطبق على حالة تونس ومصر من قرب تاريخى وجغرافى، يسمح لكلتيهما بفتح الباب على مصراعيه، لتنفيذ مشرعات عدة لصالح شعبيهما.
ونتساءل فى هذا السياق عن مصير اللجنة العليا المشتركة التونسية- المصرية التى ترأسها رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، ورئيس الوزراء المصرى السابق شريف إسماعيل، خلال شهر نوفمبر 2017، والتى تضم ممثلين عن وزارات البلدين فى كل من: الخارجية، والاستثمار والتعاون الدولى، والتجارة والصناعة، والزراعة واستصلاح الأراضى، والنقل.

 

كيف سترد السلطات التونسية إذن على القرارات الموجهة إلى مواطنيها من نظيرتها المصرية، لا سيما أنها وقعت اتفاقيات تعاون تشمل كل المجالات المذكورة، علاوة على تباحث البلدين فى إنشاء خط ملاحى منتظم بينهما؟
 

من الغريب أن يغيب التنسيق والتشاور بين البلدين قبيل اتخاذ قرارات كالتى فعلتها السلطات المصرية، وما نخلص إليه من استنتاج هنا هو أن كل الاتفاقيات الاقتصادية واللقاءات السياسية رفيعة المستوى التى تجمع ممثلى البلدين يبقى فحواها مجرد حبر على ورق.. وأن أناشيد أواصر الأخوة وأشقاء «البنوة» التى لطالما تغنى بها سياسيو البلدين هى مجرد شعارات رنانة يهتف بها أصحابها فقط، أمام الأضواء وعدسات الكاميرات، آملين فى «كادر» دبلوماسى أنيق يضاف إلى الأرشيف العربى المشترك، مشوه الملامح منذ عقود..
 



خولة بوكريم

 

صحفية تونسية وباحثة فى الشؤون الإفريقية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات