.

الدستور ليس مقدسًا.. لكن المساس به يهدر ضمانات المستقبل

Foto

هل تقتصر التعديلات الدستورية المطروحة على صلاحيات الرئيس والبرلمان وإعادة مجلس الشورى؟ لماذا يمثل تعديل الدستور فى ظل الأجواء السياسية والمجتمعية الحالية نوعًا من العبث باستقرار الوطن وإهدارًا لحق المجتمع؟


بعد فترة من الهدوء المشوب بالترقب المفتوح على مختلف الاحتمالات، فى ما يتعلق بالتوجه نحو تعديل الدستور المصرى خلال فترة الرئاسة الثانية للرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى، جاءت تصريحات عدد من أعضاء مجلس النواب مؤخرا حول وجود اتجاه لطرح تعديلات دستورية خلال شهر يناير المقبل، لتؤكد أن الملف لا يزال مفتوحا وأن الحديث عن تعديل الدستور ليس محض أوهام من بعض المعارضين.
 
الأمر بدأ مجددا، بعد فترة طويلة من الصمت، منذ إعلان الرئيس المصرى لرفضه مقترحات تعديل الدستور وذلك قبل إجراء الانتخابات الرئاسية الماضية، من خلال تصريحات لأحد البرلمانيين خلال برنامج تليفزيونى يقدمه أسبوعيا على إحدى القنوات، حول نية الحكومة تقديم مقترح بتعديل دستورى خلال يناير المقبل، ومع أن المادة 226 تحدد أن من له حق التقدم بتعديلات دستورية مقصور على رئيس الجمهورية أو أعضاء مجلس النواب، فإن الإشارة للحكومة هنا ربما يكون مقصودا بها الرئاسة أو السلطة.. ورغم أنه لم تكن هناك تصريحات رسمية أو من مصادر مسؤولة طوال الشهور الماضية، فإن ذلك الملف ظل محل تساؤل بين مؤيد ومعارض، فى ظل تصريحات بين الحين والآخر من أعضاء بمجلس النواب، أو من رؤساء تحرير وكتاب صحفيين تتحدث عن ضرورة تعديل الدستور.
 
ومع عدم وجود تأكيد أو نفى رسمى لما تم إعلانه مؤخرا، فإن ما نشر حول تقديم مشروع تعديل للدستور، ورغم أنه لم يتطرق لما يتعلق بالحديث عن فترة الرئاسة، وإنما عن تعديلات فى المادتين 146 و147 فى ما يتعلق بصلاحيات الرئيس ومجلس النواب فى تشكيل الحكومة، وعن إعادة مجلس الشورى تحت مسمى مجلس الشيوخ بعد أن تم إلغاؤه، وكذلك انتخاب رئيس ووكيل مجلس النواب كل سنة مثل انتخابات اللجان النوعية بالبرلمان، فضلا عن حديث حول احتمالات إعادة وزارة الإعلام.
 
هذه التعديلات المطروحة كلها سبق الحديث عنها بالفعل، لكن هناك مواد أخرى أيضا سوف تكون مطروحة دون شك فى حال إقدام السلطة على خطوة التقدم رسميا بمشروع تعديل للدستور، بالذات فى ما يتعلق بمدة فترة الرئيس، فى ظل ترجيح التوجه لمدها إلى 6 سنوات بدلا من 4 سنوات، مع الإبقاء على النص بأن تكون لمرتين بحد أقصى، ومع فتح الباب أيضا لإمكانية معاودة الترشح مرة أخرى بعد وجود رئيس لاحق بعد نهاية الفترتين، وهو ما يمنعه نص الدستور الحالى أيضا الذى يحظر الترشح لأكثر من فترتين حتى بعد وجود رؤساء لاحقين وفقا لتفسير المادة 140 ومناقشات ومضابط لجنة صياغة الدستور التى وضعت النص الذى يحدد أنه (لا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة) دون أن تقيد ذلك بأن تكون مرة واحدة متصلة.
 
وسواء كان ما طرح مؤخرا دقيقا أو اجتهادا شخصيا أو بالونة اختبار جديدة لقياس موقف الرأى العام من قضية طرح تعديل الدستور فى الفترة المقبلة، فإن ما يبدو مرجحا أن هناك قرارا سياسيا قد تم حسمه بفتح ذلك الملف بالفعل، وما يبدو أكثر منطقية هو أن يتم ذلك خلال فترة مجلس النواب الحالى وقبل نهايتها وإجراء انتخابات جديدة له يفترض أن تجرى فى 2020، وفى ظل عدم وجود معلومات مؤكدة أو تصريحات رسمية، فإن طرح احتمال تقديم حزمة التعديلات الدستورية المقترحة رسميا فى يناير المقبل يبدو له وجاهة، فهو من ناحية يأتى فى وقت تكاد تختفى فيه المعارضة السياسية فى ظل المناخ الحالى وحملات الملاحقات والتضييق وتوجيه الاتهامات لكل من يجرؤ على المعارضة، وفى ظل الهيمنة الكاملة على وسائل الإعلام بمختلف أشكالها، كما يأتى الأمر فى ظل تركيبة برلمانية سيكون مضمونها تمرير التعديلات المطلوبة من خلالها.. وبالإضافة إلى ذلك كله فإن الوضع الإقليمى والدولى قد يسمح بمثل هذا السيناريو، حتى وإن كانت بعض الأطراف غير راضية عنه، وإن كان الأمر يبدو معلقا بدرجة كبيرة على مستقبل الإدارة الأمريكية الحالية واحتمالات بقاء ترامب والتجديد له فى انتخابات لاحقة أم تهديد استكمال فترته الأولى فى حال سيطرة الحزب الديمقراطى على الكونجرس فى انتخابات التجديد النصفى الشهر المقبل.. وبالتالى فإن توقيت شهر يناير سوف يكون قد اتضح معه تركيبة الكونجرس الجديدة، وبما قد يدعم أو يهدد فرص بقاء ومن ثم استمرار ترامب، وأيضا فإنه يأتى استباقا لانتظار استمراره لفترة رئاسة ثانية من عدمه.. ويبدو الموقف الأمريكى تحديدا من هذا الملف عاملا بالغ الأهمية فى التأثير على قرار فتح ملف تعديل الدستور من عدمه، خصوصا فى ظل ما يتردد عن أنه كان أحد أهم أسباب التراجع عنه قبل الانتخابات الرئاسية الماضية.
 
على أى حال وسواء كان طرح الأمر فى يناير أو بعد ذلك، فما يبدو مرجحا فى ظل ما يعلن بين الحين والآخر من تصريحات، وينشر من مقالات وكتابات، أن التوجه نحو تعديل الدستور يبدو أمرا محسوما، لكن التوقيت وطبيعة المواد التى سيتم تعديلها يبدو أنها ستظل أمرا خاضعا للتفاعلات والتوازنات والحسابات حتى آخر لحظة، ورغم أن الدستور بالتأكيد ليس نصا مقدسا لا يمكن الاقتراب منه، وأن تعديله مسألة طبيعية وواردة، فإن الخلاف هنا مع الطريقة والتوقيت، فطرح تعديل الدستور يبدو عنوانا يخفى وراءه الكثير من تفاصيل المزيد من إحكام قبضة السلطة على المجتمع، وإهدار ما تبقى من منجزات ولو كانت مجرد نصوص لا تطبق فعليا وعمليا ولا يجرى الالتزام بها من مكاسب الشعب المصرى من خروجه فى يناير ويونيو، وأقلها ضمان وجود نص ملزم بالتداول السلمى للسلطة كل فترة محددة بأربع سنوات وبحد أقصى دورتين، ورغم كل ما يجرى من تحايل وتجرؤ على الكثير من نصوص الدستور، فإنه تبقى هناك على الأقل ضمانات ولو نظريا ضمن نصوصه لحقوق هذا الشعب المشروعة وتصلح ولو مستقبلا للبناء والتأسيس عليها.. ثم إن الحديث عن تعديل الدستور، حتى وإن خضع لشروط النص الدستورى، فى ظل أداء سلطوى عاصف بالمعارضة، وفى ظل تركيبة برلمانية لا يمكن اعتبارها تعبيرا عن طيف سياسى واجتماعى متنوع فعلا، وفى ظل هيمنة شبه كاملة على وسائل الإعلام والتعبير عن الرأى، يحول مسألة تعديل الدستور من موقف عليه توافق مجتمعى كما يفترض أن يكون إلى مجرد إجراءات شكلية لإنفاذ إرادة ورغبة السلطة.
 
بالتالى فإن الموقف هنا ليس رفضا لفكرة تعديل الدستور فى المطلق، وإنما رفض لطرحها فى هذه الأجواء وبهذه الطريقة وفى ظل مرور سنوات قليلة للغاية على بدء العمل به وعدم الالتزام بكثير من مواده لاختبارها بشكل جاد، فضلا عن كون المطروح من تعديلات كله يصب فى خانة العودة لما سبق وليس التقدم للأمام نحو مزيد من الحريات والحقوق والضمانات الدستورية لهما، ومن هنا يبدو الحديث عن ضرورة البدء مبكرا فى تشكيل جبهة وطنية واسعة والاستعداد لتأهيل موقف شعبى واسع لرفض ذلك السيناريو يبدو أمرا ملحا، لا من باب المكايدة ولا المناكفة السياسية، وإنما من باب الحفاظ على حد أدنى من الضمانات الدستورية لعموم المصريين، ومن باب رفض المزيد من تغول السلطة على حقوق المجتمع، ومن باب الأمل والرهان على مستقبل يفتح أبوابه للمصريين فى تغيير سلمى ديمقراطى نحو الأفضل بطرق دستورية، ومن باب التمسك بأن مطالب وأهداف ثورة يناير التى كانت وستظل الفعل الشعبى الأنبل فى التاريخ المعاصر لذلك البلد لم تكن محض أوهام أو خيالات ولا علاجا خاطئا لتوصيف خاطئ ولا مؤامرة خارجية على أمن الوطن، بقدر ما هى أهداف مشروعة لشعب يستحق الحياة فى وطن حر عادل كريم، دون أن ينظر لذلك على أنه تهديد لاستقرار الدولة أو سبب للعبث فى أمنها، حتى وإن لعبت أطراف مثل تلك الأدوار استغلالا لزخم الحدث وتفاعلاته، بل على أن التقدم نحو تحقيق هذه الأهداف والمطالب لا التنكر لها هو الطريق الوحيد الصحيح لضمان مستقبل هذا الوطن والحفاظ على استقرار هذه الدولة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات