.

توماس فريدمان يكتب: دونالد ترامب × الغابة

Foto

لماذا أمريكا ترامب مستعدة لتجاهل أى انتهاكات لحقوق الإنسان؟ كيف يضغط ترامب ليستخرج آخر قطرة من الجمارك على اللبن من كل حليف وخصم؟


 

ترجمة: أميرة جبر عن «نيويورك تايمز»

 

عندما تحدث دونالد ترامب بالأمم المتحدة يوم ٢٥ سبتمبر وأثار قهقهة الدبلوماسيين بين الحضور لتفاخره، أصر على أنهم لم يكونوا يضحكون عليه بل كانوا يضحكون معه. لم أكن هناك، وعليه لا أستطيع تحديد ما كانوا فعلًا يقومون به خارجيًّا، إلا أننى متأكد أنهم داخليًّا كانوا يبكون.

 

كانوا يبكون على أن أمريكا التى عرفوها واحترموها على مدى الـ٧٠ عامًا الماضية -والتى أصبحوا يعتمدون بل وفى بعض الأحيان يستغلون سخاءها ونظامها الأمنى- قد غادرت المبنى.
وقد استبدلت بها أمريكا دونالد ترامب التى تختلف فى مسألتَين أساسيتَين.

 

أولًا، لا ترى أمريكا ترامب نفسها كدافعة وحامية للنظام العالمى الليبرالى الذى جاء بسلام ورخاء وديمقراطية أكثر للمزيد من أرجاء العالم على مدى الـ٧٠ عامًا من أى وقت آخر فى التاريخ، متحديًا بذلك النظام الطبيعى للأمور المتمثل فى صراع الغاب الدائم والحمائية وحكم الرجال الأقوياء.
 

ثانيًا، لا تخشى أمريكا ترامب الانخراط فى الممارسة الفظّة للقوة ضد أى عدو أو صديق، من أجل اكتساب ميزة اقتصادية أو جيوسياسية -أيًّا كان حجمها- وفى الوقت نفسه أمريكا ترامب مستعدة لتجاهل أى انتهاكات لحقوق الإنسان أو قتل من قِبَل أية دولة تعد ودودة مع ترامب بشكل شخصى أو لا تهمه جيوسياسيًّا.
 

لكن انتظروا، هل لترامب وجهة نظر؟ العلاقات الدولية ليست ناديًا اجتماعيًّا، هل فى الواقع تخدم أمريكا أفضل بقيادة الدفة من قِبَل متنمر غير أخلاقى كاذب، شخص يضغط ليستخرج آخر قطرة من الجمارك على اللبن من كل حليف وخصم، ويدفع فى مواجهة الصين ويضرب بظهر كفّه المؤسسات «المتعولمة» متعددة الأطراف؟ وكما أعلن ترامب: «أنا رئيس الولايات المتحدة، لست رئيس العالم». إذن غادروا حديقة منزلى بحق الجحيم!
 

والمسألة كلها تعتمد على المدى الذى سيذهب إليه ترامب بالأمر، فهل سيكون ابتعادًا بسيطًا عن أسلوب جميع الرؤساء الأمريكيين الآخرين فى حقبة ما بعد الحرب -الذين كان يفهم كل منهم أنه كانت لدينا مصلحة عامة فى أن نكون المشرفين بشكل عام على نظام عالمى يدَمَقْرَط- أم سيكون تحولًا جذريًّا؟ لا أعلم حتى الآن، ولكن إذا نظرت حولك ستجد أن كثيرين يتعاملون وكأن القطة قد غابت، وعليه يستطيع الفئران الخروج للعب.
 

على سبيل المثال؛ وَفقًا لتقارير تركية، أرسلت السعودية طائرتَين خاصتَين إلى إسطنبول، الأسبوع الماضى، على متنهما فريق اغتيال، وبكل وقاحة اختطفوا أو قتلوا الصحفى السعودى الوسَطى جمال خاشقجى، الذى كان قد مرَّ على القنصلية السعودية لاستلام بعض الأوراق المطلوبة ليتزوج من جديد، وما كان نظام ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان ليجرؤ على أن يفعل ذلك إذا كان يعتقد أن ترامب سيكترث. وحتى الآن لم يكترث ترامب، إلا أن التاريخ سيكترث، وستظل الوصمة على عهد «إم. بى. إس» باقية.
 

فى الوقت نفسه شعر فلاديمير بوتين بثقة كبيرة بشأن تسميم جواسيس سابقين يعيشون فى بريطانيا. وماذا عن ذلك الصحفى الروسى الذى حدث أنه ألقى بنفسه من الشرفة؟ وماذا عن إلقاء الصين القبض على المواطن الصينى مينج هونجواى، رئيس المنظمة الشرطية العالمية «إنتربول»، فى أثناء قيامه بزيارة إلى موطنه؟ والآن يُجرَى معه تحقيق حول الفساد.
 

ثم هناك الاحتجاجات فى العاصمة البلغارية صوفيا على اعتقال صحفيَّين، أحدهما بلغارى والآخر رومانى، وقد «ألقى القبض عليهما بينما كانا يحاولان تصوير حرق الأفراد الذين كانا يحققان فى شأنهم لوثائق متعلقة بسوء استغلال موارد الاتحاد الأوروبى»، وَفقًا لموقع «Balkan Insight».
 

ولا تفاتحونى فى موضوع مراسلَى «رويترز» فى ماينمار، اللذين حُكم عليهما لتوهما بالسجن ٧ سنوات لـ«تحقيقهما فى شأن قتل قرويين من أقلية الروهينجا المسلمة من قِبَل قوات الأمن والمدنيين»، حسبما أفادت «رويترز».
 

ولا تستطيع الولايات المتحدة دائمًا أن تجعل العالم أفضل، ولكننا نستطيع بما نقوله ونفعله أن نجعل القادة الأجانب يتوقفون ويفكرون فى شأن التعامل بأسوأ ما فيهم.
 

إذن، لا.. ترامب ليس لديه وجهة نظر، يوضح روبرت كاجان ذلك فى كتابه القاطع الجديد المكتوب بأناقة حول دور أمريكا الفريد فى العالم تحت عنوان «الغابة تنمو مجددًا».
 

وكما شرح كاجان فى مقابلة، فإن أطروحته الرئيسية هى أنك إذا نظرت إلى المدى الواسع للتاريخ الإنسانى ستجد أن «الديمقراطية هى أندَر أنظمة الحكم»؛ وهذا لأنه على مدى غالبية التاريخ اصطدمت القوى الكبرى دائمًا، وكان أغلب الناس فقراء دائمًا «ولكننا نعيش على مدى الـ٧٠ عامًا الماضية وأكثر، فى أكبر كم من الرخاء عرفه العالم، وشهدنا الازدهار الأوسع للديمقراطية وأطوَل فترة سلام قوى عظمى عُرفت على الإطلاق».
 

ويرى كاجان أن الأعمدة الأساسية لهذا النظام العالمى الليبرالى كانت تحول ألمانيا واليابان من ديكتاتوريات عدوانية إلى ديمقراطيات مسالمة، وبناء نظام تجارة عالمى ودعمه بأعراف ومبادئ أمريكية محددة فى التجارة والجيوسياسة، تعززها البحرية الأمريكية والقوات الجوية والجيش.
 

وأضاف: «لم نفعل كل هذا من فرط الكرم، أو لأن رجال الدولة ما بعد الحرب العالمية الثانية قالوا (رباه، كيف نجعل العالم مكانًا أفضل؟)»، متابعًا: «فى الواقع، جاء الأمر من سؤالهم: (كيف نمنع العالم من العودة إلى نوع الحرب العالمية التى نجونا لتوّنا منها؟)»، لم يكن هذا عملًا خيريًّا بالنسبة إليهم، بل كان مصلحة ذاتية باردة ومحسوبة، فقد كانوا يعلمون أن أى نظام يخلقونه سيأتى بعائد مئات الأضعاف لأكبر اقتصاد فى العالم.
 

وفى قول آخر، يرى كاجان أن هذا النظام العالمى الليبرالى «ليس نتيجة التطور الإنسانى»، وكأن الإنسان بطريقة ما قد تعلم أن يكون أكثر سلمية مع أخيه الإنسان، بل طوّر لأن أقوى أمة على وجه الكرة الأرضية، الولايات المتحدة الأمريكية «كانت قد وُلدت من رحم مبادئ تنويرية»، وبعد جرها إلى حربَين عالميتَين فى القرن العشرين قررت استخدام قوتها لنشر تلك المبادئ والحفاظ عليها، ليس فى كل مكان وبشكل دائم، لكن فى العديد من الأماكن والكثير من الأحيان.
 

وعندما أقول «القوة» لا أعنى فقط القوة العسكرية، بل أعنى أيضًا تجميع القوة، فعندما ينشر أهم كيان بيئى فى الأمم المتحدة تقريرًا -كما فعل لتوّه- يقول إن الاضطراب الذى سيحل بالجو ومستويات المحيطات والزراعة والنظم البيئية سيكون أكبر كثيرًا مما يدركه الناس، إلا إذا اتخذنا خطوات كبرى لتخفيف تغيُّر المناخ ويتجاهله الرئيس، نفشل فى مهمتنا لإضفاء الاستقرار على النظام العالمى الليبرالى، ونمهد الطريق للفوضى.
 

ويقول كاجان: «يعلم كل بستانى أن قوى الطبيعة دائمًا ما تحاول اجتياح بستانه بالنباتات المتسلقة والحشائش، وإنه لَصراع دائم أن تتصدى للغابة». والأمر نفسه فى الجيوسياسة، فنحن دائمًا نميل نحو القبلية والاستبداد وصراع القوى الكبرى. تلك هى الغابة التى تحاول العودة دائمًا، والمبادئ الأمريكية المدعومة بالقوة الأمريكية هى التى كانت تمنع ذلك.
 

إذن عندما يقول ترامب إننا سنعتنى فقط بأنفسنا، فهذا يُظهر جهله بكل من السياسة والاقتصاد. يضيف كاجان أن ترامب يسعى وراء «حلم أمريكى عظيم»، وهو ليس حلمًا بأن نصبح «انعزاليين» ونكون على ما يرام، بل هو حلم بأن نصبح «غير مسؤولين» ونكون على ما يرام، وسيتعرض العالم لتهديد أكبر كثيرًا من قلة فرض أمريكا للنظام مقارنةً بكثرة فرضها له.
 

واختتم كاجان قائلًا: «سيكون ربيعًا للبلطجية»، والدلائل على ذلك تتضاعف الآن.

 

 

...

 

توماس فريدمان
صحفى وكاتب أمريكى، فاز بجائزة «بوليتزر» ٣ مرات عن تغطيته من لبنان عام ١٩٨٣، وتغطيته من إسرائيل عام ١٩٨٨، وللتعليق عام ٢٠٠٢. يكتب عمودًا متخصصًا فى الشؤون الخارجية بجريدة «نيويورك تايمز» كل أحد وأربعاء.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات