.

مأساة أن تصبح إنسانًا فى عالم الوحوش

Foto

كان عقل الأب ياناروس لا يزال يحاول فهم ما يحدث على الكوكب بصفة عامة من هرطشة كونية وما يحدث على أرض اليونان بصفة خاصة من حرب أهلية


«الليل يحل فتبدأ المذبحة الليلية، العصافير والفئران والديدان وبنات آوى وكل الأشياء الحية تقفز بعضها على البعض الآخر إما لتقتله أو لتزاوجه.. يا إلهى، كم هو غريب ذلك العالم الذى خلقته؟! أنا لا أفهم».


كان عقل الأب ياناروس لا يزال يحاول فهم ما يحدث على الكوكب بصفة عامة من هرطشة كونية وما يحدث على أرض اليونان بصفة خاصة من حرب أهلية، وبعد طول تفكير وبعد الكثير والكثير من الجثث من كلا الجانبين كان قد استقر على ما سوف يفعله لإنهاء تلك المأساة الإنسانية، قرر الصعود إلى الجبل والاتفاق مع المتمردين على مساعدتهم فى دخول البلدة بسلام، شريطة ألا يُراق دم، أى دم، وعلى الجبل قابل المتمردين وقائدهم كابتن دراكوس، ابنه.


جلس الأب ياناروس يتحدث مع ابنه وهو يطيل النظر إلى ملامحه المتوحشة ونظراته الشرسة، «يا بنى، أنا الأب ياناروس أركع أمامك لأتوسل إليك، انزل القرية غدًا مساء ليلة سبت النور، سأسلم لك مفاتيحها، وسنحتفل معًا بالقيامة وسنتبادل قبلات السلام لكن لا تقتل أحدًا؟! هل سمعت؟! أعتق القرية، احترم حياة سكانها وشرفهم وممتلكاتهم».


وفى اليوم الموعود تجمع سكان القرية أمام عتبة الكنيسة بعد أن أخبرهم الأب ياناروس بما اتفق عليه مع المتمردين «وأثار هذا التجمع الجديد انتباه الغربان، فحطت على الصخور تشحذ مناقيرها، كانت تتخيل فى رؤوسها الصغيرة الخبيثة أن هذا الجمع سيتمخض عن عدد من الجيف، ذلك أن ما يسميه الناس كفاحًا مقدسًا، تسميه الغربان وليمة مقدسة، وما نسميه نحن بطلاً، تسميه الغربان قطعة ممزقة من اللحم».


هبط المتمردون من الجبال إلى القرية، استقبلهم الأب ياناروس وأهل القرية، إلا أن الأمور للأسف لم تسر كما خطط لها، فبعد أن طلب من الكابتن دراكوس ابنه وقائد المتمردين أن يلقى كلمة سلام للجموع فى هذه الساعه الرهيبة، رفع الكابتن يده قائلاً بغطرسة واحتقار: عودوا إلى منازلكم، هيا، اجروا.


زمجر الأب ياناروس: «هل هذه هى كلمة السلام التى تقولها يا كابتن؟ هل هذا هو الصلح الذى وعدتنى به؟!».


ما لم يكن يعلمه الأب ياناروس أن الحرب تحول البشر إلى وحوش، أو كما يقول «ليونيداس» أحد الجنود فى الجيش الوطنى فى مذكراته التى وجدوها مطمورة بدمائه بعد قتله فى إحدى المعارك: «فى أول الأمر حاولت رغم أنفى أن أسلك كما لو كنت متوحشًا، فكانت النتيجة أن أصبحت متوحشًا بالفعل، وبدأت أقتحم الأبواب وأجذب النسوة من شعورهن وأدوس على الأطفال الصغار».


لم يكن الأب ياناروس يصدق نفسه، هل تلك هى الحرية والعدالة التى يتشدق بها هؤلاء الشيوعيون المتمردون؟! هل تلك هى كلمة الشرف فى عرفهم؟!


خاطبه الكابتن: «اسمع يا أبانا، لو تركنا كل الناس أحرارًا فسوف نضيع، سيختفى الشعب، وتظهر الحثالة، لا تتعجل الأمور إذن، الحرية ستأتى فى وقتها وهى تأتى دائمًا فى النهاية وليس الآن».


زمجرت البنادق، وسقطت الجثث على بلاط الكنيسة، وجرّ الأب ياناروس نفسه فى هدوء وسط الجثث، تناول عصاه وخرج من الكنيسة ووقف وسط الفناء، وصاح: «يا إخوتى، لا تصدقوا الحمر ولا تصدقوا السود، ولكن تصالحوا أنتم، وإن كان لابد لكل قرية من مجنون، سأصبح أنا هذا المجنون، مجنون اليونان الذى يسير ليحذر الناس من تصديق الوحوش»، ورفع الأب ياناروس يده مودعًا ابنه: «إلى اللقاء أيها السفاح».


تابعه الجنود بقيادة ابنه وهو يبتعد بين الصخور متدحرجًا نحو السهل متوهجًا كأنه عملاق عجوز، تدخل أحد الضباط: «كابتن، هل لأنه أبوك لن نقتله؟! ألم تسمعه؟ إنه يريد أن يكون حرًّا!»، فرفع الكابتن يده قائلاً بصوت مخنوق: «اقتلوه».


 صاح أحد الضباط: «يا أب ياناروس، انتظر»..


استدار العجوز، وتوهجت الشمس فى وجهه وركز الضابط البندقية على كتفه، وأصابت الرصاصة الأب ياناروس فى جبهته بالضبط ففتح ذراعيه دون أن يطلق صيحة، وسقط على ظهره فوق قطع الحجارة.


العالم بأكمله غابة مفتوحة تقطنها الوحوش، فلتحاولوا التعايش مع تلك الحقيقة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات