.

تراث الخرافات.. وخرافات التراث

Foto

لماذا يغضب البعض حين نطالب بإعادة النظر فى محتويات كتب التراث؟ لماذا الخلط بين ما هو إلهى وما هو إنسانى؟ هل أحل أبو حنيفة الزنا بأجر؟ ولماذا تقلص حجم سورة الأحزاب لأقل من ثلث حجمها الأصلى؟ هل يعقل أن يؤلف رجل واحد 2000 مجلد؟


لماذا يغضب البعض حين نطالب بإعادة النظر فى كثير مما ورد بكتب التراث التى نحمل لها تقديرا وتبجيلا كبيرين، لكن دون أن نسقط فى وهم التعصب الأعمى والقداسة الموهومة؟


ولماذا بالتحديد فى الجانب الدينى للتراث يتم الخلط بين الإنسانى والإلهى؟ بحيث يتم إضفاء القداسة على ما ليس بمقدس، وتسقط الحواجز والمسافات بين النص السماوى والفهم البشرى غير المعصوم لهذا النص.. ومن ثم تتحول قراءات السلف واستنتاجاتهم وشروحاتهم إلى خطوط حمراء لا يمكن للخلف سوى التوقف عندها وعدم تجاوزها بأى حال من الأحوال.


ثم أليس من المفترض أن نعتبر أن «التراث» هو من الإرث أو «الورث»؟ وهو ما يعنى بوضوح حق الوارث الكامل فى التصرف فى ما آل إليه من ميراث. وكما يحق له أن يأخذ منه ما يريد، يجوز له فى ذات الوقت أن يدع أو يتخلى منه عما يشاء.. وظنى أن ذلك ينسحب بالضرورة على «التراث الثقافى والفكرى» الذى هو فى طبيعته منتج بشرى، لا يستساغ بأى حال من الأحوال أن يكون قيدا فى عنق الوارث، بحيث يفرض عليه جملة واحدة، دون أن يكون له كامل الأهلية والحق فى إعادة قراءته ووعيه والأخذ منه والترك، والتعرض له بالنقد بل والنقض إذا اقتضى الأمر ذلك.


وهنا سنحاول التوقف مع بعض ما ورد فى كتب التراث، لندلل على ما ذكرنا فى تلك المقدمة، ونترك للقارئ الحكم هل من الممكن أن يستجيب عقله لمثل هذه الأفكار والطروحات التى يستميت البعض فى الدفاع عنها والتبرير لها وكأنها نصوص مقدسة وآيات مُحكمة نزلت من عند الله.


1- النكاح بأجر ليس زنا
فى كتاب المحلى لابن حزم، وتحت عنوان «مسألة: المستأجرة للزنا، أو للخدمة والمخدمة» روى الإمام ابن حزم بسنده أن «امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب فقالت يا أمير المؤمنين أقبلت أسوق غنما لى، فلقينى رجل فحفن لى حفنة من تمر ثم حفن لى حفنة من تمر ثم حفن لى حفنة من تمر ثم أصابنى، فقال عمر ما قلت؟ فأعادت، فقال: عمر ويشير بيده: مهر مهر مهر ثم تركها.


قال أبو محمد رحمه الله: قد ذهب إلى هذا أبو حنيفة ولم ير الزنا إلا ما كان عن مطارفة، وأما ما كان فيه عطاء أو استئجار فليس زنا ولا حد فيه».


ومعنى هذا الكلام أن أبا حنيفة قد أفتى بأن الرجل إذا استأجر المرأة للوطء، ولم يكن بينهما عقد نكاح، فليس ذلك بزنا، ولا حد فيه. والزنا عنده ما كان مطارفة.. وأما ما فيه عطاء فليس بزنا.


ونفس الكلام تقريبا جاء فى المبسوط للسرخسى: «رجل استأجر امرأة ليزنى بها فزنى بها فلا حد عليهما فى قول أبى حنيفة».


2- ابن الجوزى يؤلف 2000 مجلد
فى كتابه الشهير «تلبيس إبليس» يقول ابن الجوزى متحدثا عن نفسه: «كتبت بأصبعى ألفى مجلد وتاب على يدى مئة ألف وأسلم على يدى عشرون ألفا».. ونحن لا ننكر أن ابن الجوزى الذى عاش حياته فى الطور الأخير من الدولة العباسية، كان علامة عصره فى التاريخ والحديث والوعظ والجدل والكلام.

ونعلم أن الله قد كتب له طول البقاء فقد توفى سنة 597 هجرية عن عمر يناهز تسعا وتسعين سنة. لكن هل يعنى كل ذلك أن نسلم بأن الرجل قد كتب ألفى مجلد؟أعتقد أن هذا شىء يتجاوز منطق الأشياء وطبيعتها وهو مما لا تحتمله طاقة البشر أيا كان نسق الحياة التى عاشوها.

ثم أين هذه المجلدات التى تحدث عنها الرجل -إن كان بالفعل قد قال ذلك ولم يدس عليه-؟ ولماذا لم تصل إلينا كما وصلت مؤلفاته الأخرى المتداولة بسهولة ويسر بين الناس وعلى الأرصفة وتقريبا فى جميع المكتبات؟


3- سورة الأحزاب كانت تعادل سورة البقرة
فى «تفسير القرآن العظيم» المعروف بتفسير ابن كثير، وفى شرح الآية الأولى من سورة الأحزاب، نقرأ: «سورة الأحزاب وهى مدنية. قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدّثنا خلف بن هشام: حدثنا حمّاد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زرّ قال: قال لى أبى بن كعب: كأين تقرأ سورة الأحزاب؟ أو كأين تعدّها؟ قال: قلت: ثلاثا وسبعين آية، فقال: قطّ، لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة».


وفى تفسير «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبى بخصوص سورة الأحزاب، نقرأ: «مدنية فى قول جميعهم. نزلت فى المنافقين وإيذائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطعنهم فيه وفى مناكحته وغيرها. وهى ثلاث وسبعون آية.

وكانت هذه السّورة تعدل سورة البقرة. وكانت فيها آية الرجم: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم».


حسب هذا الكلام فإن سورة الأحزاب كانت تعادل سورة البقرة فى الحجم والمساحة، ولكن النسخ قد أوصلها لنا بهذا الشكل الذى هو بين أيدينا.. وكأننا نقدم بأيدينا أقوى المبررات والأدلة الدامغة لمن يقولون بتحريف القرآن وعدم قداسة النص.


ولم يتحمل الشيخ محمد الغزالى رحمه الله مثل هذا الكلام ففى كتابه «نظرات فى القرآن» بعد أن فند مُبررات من قالوا بالنسخ والناسخ والمنسوخ يقول عن «الناسخ والمنسوخ»: «فضلا على كونه فهما خاطئا فهو جرأة غريبة على الوحى وظلم لكتاب الله».


ويقول أيضا فى كتابه «تراثنا الفكرى فى ميزان الشرع والعقل»: «وهذا كلام سقيم، فإن الله لا ينزل وحيا يملأ أربعين صفحة ثم ينسخه أو يحذف منه أربعا وثلاثين ويستبقى ست صفحات وحسب» ويضيف الغزالى: «وأنبه إلى أن ما يتصل بالقرآن لا يتحمل هذه الحكايات المنكرة».


4- عمر والنهى عن تعليم الكتابة للمرأة
وهى حقيقة مشهورة تسير فى ذات السياق المعادى للمرأة، أشار إليها ابن تيمية فى «مجموع الفتاوى» فى سياق شرحه لحديث: « إنا أمة أمية…».


وفى نفس المصدر المشار إليه سابقا، يواصل الغزالى دحضه لهذه الخرافة: «كما ذكر بعضهم أن عمر كان ينهى عن تعليم النساء الخط، وهذا أثر منكر وقد كانت ابنته حفصة رضى الله عنها كاتبة فلم علمها أو تركها تتعلم الخط إذا كان هذا لا يسوغ؟ ولم يبق إلا أن يقول أحمق: تعلمت الكتابة فى الجاهلية فلما جاء الإسلام نهى عن ذلك لأن الأمية جزء من غاياته ورسالاته!!».


5- المرأة نعجة أو شاة أو بقرة أو ناقة لأن الكل مركوب
تأمل ما جاء فى تفسير القرطبى فى آية «إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزنى فى الخطاب».


قوله تعالى: إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة أى قال الملك الذى تكلم عن أوريا إن هذا أخى أى: على دينى، وأشار إلى المدعى عليه. وقيل: أخى أى: صاحبى.

له تسع وتسعون نعجة.. . قال النحاس. والعرب تكنى عن المرأة بالنعجة والشاة، لما هى عليه من السكون والمعجزة وضعف الجانب.

وقد يكنى عنها بالبقرة والحجرة والناقة؛ لأن الكل مركوب.


وهذا من أحسن التعريض حيث كنى بالنعاج عن النساء.


هذا بالضبط ما جاء فى تفسير القرطبى!


6- حديث خلق آدم على صورة الرحمن
أخرج البخارى ومسلم عن أبى هريرة: «خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك، نفر من الملائكة، جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله».


الإشكالية الكبرى فى هذا الحديث هى فى تحديد الضمير فى «على صورته» عائد على من؟
يقول ابن تيمية: «لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع فى أن الضمير فى الحديث عائد إلى الله تعالى».


ومعنى هذا الكلام أن صورة آدم هى على صورة الله!


وحول هذا الحديث يقول شيخنا الغزالى فى «تراثنا الفكرى»: «وأمامى كتاب جيد الطبع ردئ المعانى عنوانه (عقيدة أهل الإيمان فى خلق آدم على صورة الرحمن)، لقد تساءلت: فما معنى قوله تعالى: (ليس كمثله شىء) إذا كان آدم على صورة ربه؟!.. ولو سمحنا لهذا الفكر أن ينتعش وتتسع مباحثه فسيقضى على الإسلام فى أنحاء العالم ويتعرض لهزائم ماحقة».


ويصل الغزالى إلى النقطة المهمة والحاسمة فى مثل تلك القضايا ليقول: «وإنما دفع إليها ما يحشده البعض من آثار موهمة لا صلة لها بالعقائد -ولو صحت- لأن العقائد مبناها على النصوص القطعية المتواترة».


وهكذا يعلنها الغزالى صراحة أن الأمور الاعتقادية لا تبنى إلا على اليقين حيث آيات القرآن الكريم قطعية الثبوت والدلالة وكذلك الأحاديث المتواترة، وليس على أحاديث الآحاد التى لا تفيد إلا الظن العلمى. وهو الموضوع الشائك والحساس الذى سنتناوله بالتفصيل فى كتابات قادمة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات