.

قراءة فى كتاب «مثالب الولادة» للكاتب «إميل سيوران»

Foto

يطرق سيوران فى كتابه «مثالب الولادة»، بمطرقته من دون تردد أو شفقة على كل اليقينيات والمسلمات التى نخالها نهائية ونستأنس بها، لا فى الفلسفة وحدها، بل فى الأديان وفى الشعر


«الولادة، أو قل كارثة الولادة، هى مغامرة عبثية لا جدوى منها؛ لأن مصير الإنسان مرتبط بنهاية حتمية يغيب فيها وعيه ووجوده، ويكون مصيره كمصير أى كائن آخر.. إذًا لِمَ كل هذا النواح؟ فإذا كان مصير الإنسان هو الموت، ما قيمة الولادة أصلاً، هل ولد الإنسان ليموت؟».. تساؤلات يطرحها كتاب «مثالب الولادة» للكاتب «إميل سيوران» الصادر مؤخرًا عن منشورات الجمل، ترجمة «آدم فتحى».


يحدثنا «إميل سيوران» قائلاً: «ألتزم بكل كلمة فى هذا الكتاب الذى نستطيع فتحه من أى صفحة وليس من الضرورى قراءته كله»، وأما عن سبب تأليف هذا الكتاب، فيروى سيوران، بأنه دخل يومًا على أمه وارتمى على الأريكة وهو يصرخ: «لم أعد أحتمل هذه الحياة»، فردت والدته: «لو كنت علمت ذلك لأجهضتك»، يقول سيوران: «لقد أصابتنى هذه الكلمات بهلع ميتافيزيقى وبإهانة وجودية، وألهمتنى بتأليف كتاب مثالب الولادة».


يطرق سيوران فى كتابه «مثالب الولادة»، بمطرقته من دون تردد أو شفقة على كل اليقينيات والمسلمات التى نخالها نهائية ونستأنس بها، لا فى الفلسفة وحدها، بل فى الأديان وفى الشعر، فى الأدب وفى التصوف، فى الموسيقى والسينما والرسم أيضا، يكتب عن الشعراء والفلاسفة، إن ما يجعل الشعراء الرديئين أكثر رداءة، هو أنهم لا يقرؤون إلا الشعراء مثل الفلاسفة الرديئين الذين لا يقرؤون إلا الفلاسفة.


سيوران لم تفته الفرصة؛ ليعبر فى هذا الكتاب عن احتقاره لفرنسا «القذرة»، فرنسا التى لا يحب فيها سوى مقابرها الريفية التى تتيح له متعة الاستلقاء بين قبرين وقضاء ساعات فى التدخين، إنه يدق عنق الحياة ويلويه، لا نكاية فيها، بل انتصارًا لذاته، يقول: «تقدمت بما يكفى على مر السنوات فى دينين أو ثلاثة، إلا أننى تراجعت فى كل مرة على عتبة «الاعتناق»؛ خوفًا من أن أكذب على نفسى».


كما يمعن «إميل سيوران» فى السخرية من هذا الوجود ومن العدمية، وهو لا يعبر عنها بنوع من التشاؤم والسوداوية، كحال العدميين، بل هو يعبر عنها بالازدراء واللامبالاة وعدم الاكتراث بساعات الزمن، يقول: «أنا لا أفعل شيئًا، هذا متفق عليه، لكننى أنظر إلى الساعات تعبر وهذا أفضل من أن أسعى إلى تأثيثها»، فالواقع لدى سيوران هو من اختصاص اللا معقول؛ ولذلك فإنه يرفض أن يمنح شهادة ميلاد مزيفة لأى كائن، وهو مستعد لاقتراف أفظع الجرائم على أن لا يسهم فى كارثة الوجود، متمردًا على الوراثة، على الخلية الأولى عندما يكتب: «اقترفت كل الجرائم، باستثناء أن أكون أبًّا، علينا نسيان أن نولد».


يرفض سيوران فى كتابه «مثالب الولادة»، التورط فى الكذبة الكبيرة التى اسمها الوجود، فهو يرفض أى تطفل على وجوده الشخصى، ولا يتسامح مع من يفكر فى خلاصه: «بأى حق تصلون من أجلى؟ لا حاجة لى بشفيع، سأتدبر أمرى لوحدِى»، فالتواصل الحقيقى بين الكائنات لدى سيوران، لا يتم إلا عن طريق الحضور الصامت، عن طريق اللا تواصل الظاهر، عن طريق التبادل الملغز والخالى من الكلام الشبيه بالصلاة الباطنية.


على أية حال، قد نتفق مع سيوران أو نختلف معه على كثير من القضايا والمواضيع، لكن المميز حقًّا فى كتاب «مثالب الولادة»، هو تلك الرؤية التى تقلب كل الأسئلة المصيرية رأسًا على عقب، وكأنه يريد بساعتنا الوجودية أن تعود للوراء، فبدل الحديث عن الموت وعن هاجس الموت، يطرح سيوران سؤالاً أكثر جذرية من سابقه وهو: لماذا الولادة أصلاً؟ نحن هنا أمام استفزاز فى غاية المراوغة والعبث، يراد منه بلبلة وتشويش أفكارنا، لا حبًّا فى الاستفزاز وإنما رغبة فى حرف علاقتنا بالوجود، فالكارثة أو النكبة، ليست هى الموت، وإنما هى الولادة ولا شىء غير الولادة.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات