.

«Isle of Dogs».. ألوان ويس أندرسون فى افتتاح «برلين»

Foto


رسالة برلين

يصعب الاعتقاد بأن هناك مخرجًا يمكنه أن ينتقل من الأفلام الحية إلى أفلام التحريك ويظل أسلوبه ظاهرًا وملموسًا مثلما يحدث مع المخرج ويس أندرسون.
للمرة الأولى فى تاريخ مهرجان برلين يكون فيلم الافتتاح فيلم تحريك، وهل هناك أفضل من فيلم تحريك لويس أندرسون ليكون هو صاحب هذا الفتح؟ هكذا عُرض فيلم «Isle of Dogs» «جزيرة الكلاب» فى افتتاح برلين فى دورته 68 كما يشارك أيضًا فى إطار المسابقة الرسمية للمهرجان.

منفى الكلاب
فى فيلم التحريك الثانى له، يختار ويس أندرسون مجددا الحيوانات لتكون أبطال العمل، ففى فيلم «Fantastic Mr. Fox» «السيد فوكس الرائع» كان البطل ثعلبا، وفى فيلمه الجديد يختار أبطال فيلمه مجموعة من الكلاب.
يبدأ الفيلم بمشاهد عن أسطورة البطل الذى أنقذ الكلاب وقطع رأس القائد الذى كان يقتلها، ثم ينتقل بنا لليابان فى المستقبل القريب فى مؤتمر صحفى يعرض فيه السياسى الفاسد كوباياشى ضرورة التخلص من كلاب المدينة لأنها مصابة بأمراض خطيرة ولم تعد آمنة للبقاء فى المدينة.
هكذا يبدأ سكان مدينة ميجاساكى فى التخلص من كلابهم بإلقائهم فى جزيرة مخصصة للنفايات تبعد عن المدينة. تتطور الأحداث عندما يقرر الفتى أتارى الذهاب إلى الجزيرة للبحث عن كلبه المفقود سبوتس، ليتحد البشر مع الكلاب مجددا وينكشف أن هناك الكثير من الأسرار فى كواليس مدينة ميجاساكى.
كتب ويس أندرسون سيناريو الفيلم كعادته، بمشاركة كل من رومان كوبولا وكونيتشى نومورا وجيسون شوارتزمان فى كتابة القصة.
قرر أندرسون أن يقسم فيلمه إلى مقدمة ثم فصول ويكتب قبل كل منها عنوان الفصل، لكن الطريف كان فى اللافتات التوضيحية التى تظهر على الشاشة، مثل أن يُكتب على الشاشة بعد مشاهد الفلاش باك «نهاية الفلاش باك»، هذه السخرية عموما هى السمة المميزة للفيلم.
الكوميديا فى الفيلم شديدة الذكاء وتأتى من حيث لا نتوقع دائما، يعزز هذا وجود عدد من الشخصيات الرئيسية فى الفيلم مما أعطى مجالا أوسع للكوميديا، ولا يفوت مؤلفو الفيلم أى فرصة لوضع المزيد من الضحكات، هكذا نجد الكوميديا موجودة فى العلاقة بين الكلاب وبعضها، وبين الكلاب وتعاملها مع أتارى عندما يأتى لزيارتهم، وحتى بين البشر وبعضهم فى بعض المشاهد، بل إن ويس أندرسون يحول مشهد عملية جراحية لنقل كلية إلى مشهد كوميدى رغم أنه يعرض الجراحة وكأنها حقيقية.
لكن الاهتمام بالقالب الكوميدى للفيلم لم يجعل صناعه يكتفون بها بل كانت هناك عناية بتفاصيل الحبكة التى تحمل أكثر من قراءة.
يمكن للأطفال الاستمتاع بالفيلم وبشخصيات الكلاب تحديدا، الكلاب دائما مادة للسعادة للكبار والصغار على حد سواء، شاهدناها فى أفلام التحريك المختلفة من قبل مثل «Bolt» و«Up» وحتى أحدث أفلام بيكسار «Coco» احتوى على كلب مرافق للبطل.
لكن سعادة الكبار بالفيلم ستكون أكبر، إذ سيمكنهم بسهولة قراءة الإشارات السياسية فى الفيلم، فكوباياتشى هو نموذج لأى سياسى مخادع لشعبه، والكلاب المشتتة والمتصارعة هى نموذج لأى قوة مهدرة بسبب عدم توحيد القيادة، إذ يرى كل كلب فى نفسه القائد، بل إن أسماءهم نفسها أسماء قيادية مثل «Chief» «رئيس» أو «King» «ملك»، وحتى وإن كانت النتيجة دائما هى اتفاقهم فى نفس الرأى، إلا أنهم يفضلون الخلاف كاختيار أول.
هكذا نجد أن سيناريو الفيلم يقدم مستويات من التلقى يندر توافرها فى معظم أفلام التحريك الأخرى حتى أفضلها مثل التى تقدمها بيكسار، خصوصا مع نجاح الفيلم بمنتهى السهولة فى كسر المتوقع دائما.

الحاضر فى كل كادر
منذ المشهد الأول يمكن اكتشاف أسلوب ويس أندرسون حاضرا، اختياره للألوان الزاهية المنظمة، واللقطات التى نشعر أنها مرسومة بالمسطرة والقلم إذ تكثر الأشكال الهندسية فى الكادرات المختلفة، مع استخدام بعض اللقطات القريبة وتوظيفها لتقديم معلومات جديدة.
يختار المخرج فى فيلم التحريك الثانى له نفس التقنية المستخدمة فى الفيلم السابق: التحريك بإيقاف الكادر أو Stop Motion، ولا تعتمد هذه التقنية على الرسوم المتحركة بل على المجسمات التى يتم تحريكها ثم تصويرها ثم وضع اللقطات بشكل متتالٍ لنشاهدها تتحرك، أى أننا حتى نشاهد شخصا يرفع ذراعه يجب تصوير المجسم فى كل لحظة ترتفع فيها الذراع حتى تصل للوضع المطلوب، ولهذا فإن هذه التقنية ليست الخيار الأسهل بالتأكيد، وتستلزم وقت عمل أطول، لكنها تبدو الأكثر مناسبة لتكنيك المخرج. ففيلم التحريك يعد ملعبا أكبر له إذ يتيح تجربة وتوظيف ألوان وتكوينات لا تتوفر فى الأفلام الحية.
يبدو لنا أن مخرج الفيلم يلهو طوال الوقت، سعيد بتحريك الشخصيات بهذا الشكل، وبتجربة أفكار جديدة ومختلفة، هذه البهجة التى لا نشاهدها بأعيننا تنعكس بالطبع على الهيئة العامة للفيلم.
هكذا نجده يبتكر فى عدة لقطات يُمكن أن تكون تقليدية جدا فى يد مخرج آخر، مثل لقطات العراك بين الكلاب وبعضها من أجل الطعام، التى تتحول معها الكلاب إلى سحابة متطايرة تشبه ما نشاهده فى القصص المصورة «الكوميكس».
يُضيف إلى تميز الشخصيات وتحريكها اختيار ويس أندرسون لمجموعة من الممثلين الذين يصعب اجتماعهم فى فيلم واحد، فجمع المخرج أصواتهم معا فى فيلمه، مثل براين كرانستون وإدوارد نورتون وسكارليت يوهانسون.
لكن رغم هذا التميز لا يمكن القول إن العمل خالٍ من الثغرات، إذ إنه اعتمد على وجود الصدف أو الحلول غير المبنية بإحكام، وإن كان الأمر لم يصل فى كل الأحوال إلى لَىِّ ذراع الدراما لإدخال حل ما بعينه.
ولا يمكن الكتابة عن الفيلم دون الإشارة إلى موسيقى ألكسندر ديسبلا المميزة، المستوحاة من البيئة اليابانية والتى أضافت الكثير للمشاهد.
فيلم «Isle of Dogs» بما يمتلئ به من بهجة هو افتتاح موفق للمهرجان، بل إنه دون مبالغة أحد أفضل أفلام المسابقة الرسمية حتى كتابة هذه السطور، ويمكن بسهولة أن ينضم لقائمة الأفلام التى لا تُمل مشاهدتها كعادة معظم أفلام أندرسون لما يقدم من جماليات خاصة به وحده فى كل كادر فى أفلامه.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات