الأحاديث التى تقطع بمعرفة الرسول نهاية العالم.. كاذبة

Foto

إنما هم أرادوا أن يبرِّئوا مَن زعم على الرسول هذا القول، لماذا لا يمكن أن يقول الرسول هذا الكلام؟! فالساعة تعنى آخر يوم،


القرآن الكريم يخبرنا عن الساعة وعن آخر الزمان فى إشارات سريعة، وترك تحديدها حتى لا يركن الإنسان أو يكسل، لكن العقل البشرى الذى ورث الإسلام صعب عليه أن يكون اليوم الآخر مبهمًا، ولم يفهم الجيل التالى للصحابة الحكمة من جعل الآخرة واليوم الآخر، أى نهاية العالم، من الأمور الغيبية نؤمن بحدوثها وقتما يريد المولى عز وجل، ولا نعرف توقيتها، فقرروا أن يضيفوا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما لا يمكن أن يقوله، زعموا أن الرسول حدَّد نهاية الكون بقرابة مئة عام من وجوده! ولعل العربى القديم كان يرى المئة عام كأنها لحظة لن تأتى أبدًا! وللأسف هذه الأحاديث موجودة فى كتب الصحاح، مثل حديث أنس رضى الله عنه: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَتَى السَّاعَةُ قَائِمَةٌ؟ قَالَ: وَيْلَكَ! وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا إِلَّا أَنِّى أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ، قَالَ: إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. فَقُلْنَا: وَنَحْنُ كَذَلِكَ، قَالَ: نَعَمْ، فَفَرِحْنَا يَوْمَئِذٍ فَرَحًا شَدِيدًا، فَمَرَّ غُلَامٌ لِلْمُغِيرَةِ، وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِى، فَقَالَ: إِنْ أُخِّرَ هَذَا فَلَنْ يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»، وهذا حديث صحيح فى البخارى ومسلم، لكن الواقع يكذبه، لمخالفته القطعية للواقع، لأن ذلك الغلام لو عمَّر مئة سنة بعد ذلك الحديث، فقد وقع تكذيب هذا الخبر بعدم قيام الساعة بعد شيخوخته، بل بعد موته، والواقع يقول إن الغلام مات وشبع موتًا ولم تقُم القيامة، إن موت الغلام دون أن تقوم الساعة كان كافيًا لأن يظهر للعقلاء أن هذا الخبر كاذب.
لنفترض أن النبى، صلى الله عليه وسلم، قال هذا الكلام فى آخر سنة قبل حجة الوداع، يعنى قبل موته، صلى الله عليه وسلم، بأشهر فقط، يعنى فى السنة العاشرة من الهجرة، فستكون سنة «110» هى آخر سنة يتبين فيها كذب هذا الخبر، البخارى ومسلم صححا هذا الحديث بعد مرور هذا الأمد بنحو مئة وأربعين سنة، أى عندما صحح البخارى ومسلم هذا الحديث كان قد مر على ظهور كذبه أكثر من قرن، ومع ذلك صححاه! وليس هذا فقط، بل صححه جمع من أهل الحديث، ورووه فى كتبهم، وقبلهم رواه أئمة التابعين وأتباع التابعين، رغم مخالفته القطعية للواقع! ورغم وضوح كذبه للأعمى! فما الذى يدفعهم إلى إيراده فى كتب الأحاديث؟! إن ما أوردوه من خبر لا لبس فيه، وهو تحديد الرسول موعد قيام الساعة، وكل محاولاتهم لأن يزوّروا مخرجًا للبخارى هى فاشلة، فالرجال كانوا يسألون عن الساعة، أى يوم القيام، أى نهاية العالم، وهم يدعون أن الرسول بكل وضوح وجلاء حدَّد الساعة بعمر الغلام وليس هذا فقط بل قبل أن يهرم، والعقل يقول إنه يستحيل أن يقدم الرسول على هذا الفعل أبدًا، ولم يكتفوا بتلك الجريرة بل قالوا إن الإمام البخارى والإمام مسلم ذكرا حديثًا آخر، ومن كلام هشام بن عروة بن الزبير «ت 145هـ» يفسر موضوع «الساعة فى الحديث السابق»، بأنه لم يقصد الساعة يوم القيامة ونهاية العالم، بل يقصد موت هؤلاء الأعراب الذين يسألونه! وذلك فى حديث عائشة، رضى الله عنها، قالت:«كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْأَعْرَابِ جُفَاةً يَأْتُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْأَلُونَهُ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ، فَيَقُولُ: إِنْ يَعِشْ هَذَا، لَا يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ، حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ». قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِى مَوْتَهُمْ! وهذه محاول يائسة، لم تكن لتبرئة الرسول الكريم، فهو حتمًا لم يقُل هذا الكلام المتناقض مع القرآن الكريم، إنما هم أرادوا أن يبرِّئوا مَن زعم على الرسول هذا القول، لماذا لا يمكن أن يقول الرسول هذا الكلام؟! فالساعة تعنى آخر يوم، وهذا نجده فى القرآن الكريم عندما عرض ما كانوا يقولون عن الساعة «ما ندرى ما الساعة» أى لا نعرف ما القيامة، «إن نظن إلا ظنًّا وما نحن بمستيقنين»، وفى هذا قال تعالى: «وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ» «الجاثية ٣٢»، فالله يقول أيضًا فى كتابه الكريم: «فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ» «محمد ١٨»، أى أن الساعة (يوم القيامة أو نهاية العالم) سوف تجيئهم فجأة لا يشعرون بمجيئها، ولا يمكن تفسير الساعة هنا بموعد موت الإنسان، فما كان لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يُعلِم أحدًا بأنه سيموت فى وقت كذا، لأن هذا يتعارض مع القرآن الكريم أيضًا: «إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» «لقمان 34»، والطبرى كان أكثر وضوحًا فقال فى تفسيره: «إن الذى يعلم الساعة ومتى المطر وما تحمله الأرحام وما الذى سيكسبه الإنسان ويوم القيام ووقت وفاة الإنسان وفى أى أرض، ذلك كله هو الله دون أحد سواه، إنه ذو علم بكلّ شىء، لا يخفى عليه شىء، خبير بما هو كائن، وما قد كان»، لهذا أجزم أن الرسول لم يقُل هذه الأحاديث، لا أخبر بنهاية العالم ولا أخبر الأعراب بنهاية أعمارهم، المشكلة أننا نجد حديثًا آخر يتحدث عن هذا المعنى، ففى الصحيحين من حديث عبد اللهِ بْنَ عُمَرَ، رضى الله عنهما، قَال: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، صَلَاةَ الْعِشَاءِ، فِى آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَال: أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ»، هل كان لدى الأوائل هوس الأعراب الذين كانوا يسألون الرسول بإلحاح عن الساعة فكان يجيبهم بأنه علمها عن الله! فشق عليهم أن لا يعلم الرسول متى الساعة؟ أليس هذا أمرًا عجيبًا بأن تكون إجابات الرسول فى القرآن الكريم منطقية ومفعمة بالإيمان بالله وأن تكون الإجابات فى الأحاديث ساذجة يبطلها ويكشفها الواقع؟! والأعجب أن تنبرى فئة من المؤمنين للدفاع عن الإجابات الخطأ ويجعلوها من الإعجاز البلاغى للرسول، أثبت هذا رب العزة فى كتابه فقال تعالى: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا. فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا. إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا» «النازعات ٤٢- ٤٥» وإجابة الرسول التى تقطر علمًا وتواضعًا وإثبات أن الله لا يكشف عن وقت الساعة إلا لوقت القيامة وفى هذا قال تعالى: «قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ» «الأعراف»، لكنّ جامعى الأحاديث وشراحها، لا يشغل بالهم مدى تأثير هذا على إيمان الناس، ولا يشغل بالهم أن هذا يسىء إلى الرسول، ولا يشغل بالهم أنهم أسسوا لثقافة التبرير ولىّ أعناق الحقائق، ولا يشغل بالهم أن هذا التناقض وتلك الحيل جعلت المسلم المعاصر أمام أمرَين، إما أن يترك الإسلام بالكلية وإما أن يتعايش مع التراث بازدواجية، وكلاهما مر، الحل أيها الناس هو القطيعة المعرفية مع كل حبر ورد إلينا وبداخله تناقض أو ثبُت كذبه، والبقاء على النصوص المحكمة عقلًا.. والله أعلى وأعلم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات