.

افتح بوابات خيالك وأغلق التليفزيون

Foto

إذا كنتم غير قادرين على استيعاب موقف انهيار كاتب وشعوره بكل هذا الكم من اليأس والإحباط، بصرف النظر عن أفورة جيمس جويس فى الأسطورة الشهيرة


تروى الأسطورة أن أحد أصدقاء الكاتب الكبير «جيمس جويس» ذهب لزيارته فوجده محطمًا وحزينًا ويائسًا ومنكفئًا على مكتبه، فسأله الصديق: «جيمس، مالك يا معلم»؟! فهز «جويس» رأسه وهو لا يزال منكفئًا على المكتب وقال: «يعنى حيبقى مالى، الكتابة طبعًا، وهو أنا ورايا غيرها».

فسأله الصديق: «إنت كتبت كام كلمة النهاردة»؟! فأجابه «جويس»: «سبعة، كتبت سبع كلمات».

فأجابه الصديق: «حلوين يا معلم.. إنت حتنهب». فرفع «جويس» رأسه من على المكتب أخيرًا وهو يقول: «المشكلة إنى مش عارف أرتبهم الترتيب اللائق بيهم لتكوين جملة كاملة وجميلة». ثم ترك رأسه لتنهار على المكتب مرة أخرى!


إذا كنتم غير قادرين على استيعاب موقف انهيار كاتب وشعوره بكل هذا الكم من اليأس والإحباط، بصرف النظر عن أفورة جيمس جويس فى الأسطورة الشهيرة التى ذكرتها فى بداية الكلام والتى أوردها ستيفن كينج فى كتابه الجميل عن الكتابة، بسبب مراوغة الكلمات له، أو بسبب «بلوكَّة» فى دماغه، إذن فأنتم لا تعرفون بحق قيمة وغلاوة الكتابة عند الكاتب، حيث إن المشكلة الوحيدة فى مهنة الكتابة أنها فى الأصل ليست مهنة بقدر ما هى نمط حياة، وأنها بمجرد تمكنها من تلاببيب خلايا مخ الكاتب من دول تتحول إلى حياة كاملة، حياة قد تتحول فى حال كتابة شىء جميل يرضى عنه الكاتب إلى جنة، بينما قد تتحول فى حال كتابة شىء سيئ أو فى حال قفلة الدماغ وعدم انسياب الكتابة منها بسلاسة ويسر واستمتاع إلى جحيم، جحيم قد تصل ببعض الكُتَّاب إلى عدم الرغبة فى الحياة من منطلق أنه «طالما ماباكتبش.. أعيش ليه»؟!


كان هذا فى ما يخص الكاتب الذى منحه الله موهبة الكتابة وبالفعل استجاب لمنحة السماء وكتب، أما بقى فى ما يخص الكاتب الذى منحه الله موهبة الكتابة فقرر أن يستجيب لها، ولكن بعد متابعة آخر أخبار المساء وبعد التقليب بين برامج التوك شو المسائية للاستماع إلى كل تلك الهرطشة وكل ذلك الكلام المُعَاد وكل هذا الرغى واللت والعجن وكل هذا الانهيار لكل المعايير الخاصة بأنه «مين اللى المفروض يتكلم فى إيه ومين اللى المفروض مايتكلمش فى إيه.. كلٌّ على حسب اختصاصه ودماغه».

ثم بعد متابعة شوية مشاهد متفرقة من المسلسل ده على السيت كوم ده على الفيلم ده، المشكلة الحقيقية أنه بعد كل تلك الهرطشة التليفزيونية التى تعرضت لها خلايا الدماغ لن يصبح العقل قادرًا على كتابة شىء جميل يذهب بصاحبه إلى جنة الرضا عن النفس، فأى خيال ينتظره الكاتب من دول وقد أغلق كل بوابات الخيال أمام خلايا مخه بعد أن اكتفى بمتابعة الواقع القبيح من خلال التليفزيون؟! هذا بالإضافة طبعًا إلى أن الكتابة بحاجة إلى القراءة المستمرة والدؤوبة والشغوفة، إلا أن الوقت الذى كان ينبغى لك منحه للقراءة ها أنت قد منحته بكامل إرادتك الحرة للتليفزيون.

إذن، خلِّ التليفزيون ينفعك.


الموضوع أبسط من البساطة، فالتليفزيون جميل ويعرض أحيانًا حاجات جميلة، إلا أن القراءة يلزمها وقت كافٍ، وفى هذا الصدد ينبغى أن تعلم أنك إذا لم تشعر من تلقاء نفسك أنك طالما كنت كاتبًا فإنه ينبغى لك القيام بفعلين رئيسيين فى تلك الحياة، أن تقرأ وأن تكتب، إذا لم تشعر بذلك بنفسك فلا أحد يستطيع إشعارك به، وإذا لم تحاول اقتناص أوقات للقراءة وسط تلك الحياة العبثية التى نعيشها، ثم زدت الطين بلة وأضعت الوقت الذى تمكنت من اقتناصه أمام التليفزيون، عندها لا ينبغى أن تلوم أحدًا سوى نفسك.


عايز تكتب؟! اقرا. عايز تقرا؟! إطفى التليفزيون واقرا.. بس كده.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات