.

كيف أصبح التاريخ تشريعًا ملزمًا؟

Foto

كيف تحولت أفعال الصحابة والتابعين إلى تشريع أقوى من النص المقدس؟ كيف أصبح التطبيل والنفاق من منطلقات سياسية نصوصًا تشريعية ملزمة؟


اعتمد الفقهاء القدامى ما فعله الصحابة بعد موت النبى وكأنه تشريع، فاعتمدوا بيعة أبى بكر كنص تشريعى، فأجازوا بيعة الخمسة وبيعة الثلاثة لشخص على أساس أنها بيعة شرعية، واستغلوا تولية أبى بكر لعمر على أنه نص تشريعى ملزم فيجوز التولية من السابق للاحق ونظَّرُوا له وسموه الاستخلاف وكتبوا فيه الكتب، واعتمدوا ما فعله عمر من اختيار الستة وحصر الخلافة بينهم، واعتبروه نصًّا تشريعيًّا ملزمًا أيضًا، وبعد أن جعلوا الخلافة واجبا شرعيًّا ملزمًا، بشكله الماضوى التاريخى، ثم بعد ذلك انظروا ماذا فعلوا بسلطة الحاكم وجعلوها دينًا ملزمًا أيضًا.


وكان السؤال الأول: هل يجب عزل الحاكم للفسق أو للظلم أو للفساد؟.. متى ظهر هذا السؤال على السطح؟.. ظهر على السطح عندما ظهر خلفاء فسقة وفجرة وظلمة وفاسدون، والسؤال هنا دينى وفقهى بأبعاد سياسية؛ لأننا نتحدث هنا عن الجواز وعدم الجواز بمعناه الشرعى والدينى، لنرى التيار الأساسى من مدرسة الحديث بقيادة الحنابلة يقرر أنه لا يجب خلعه سواء أكان الفسق متعلقًا بأفعال الجوارح وهو ارتكاب المحظورات، كأخذ الأموال، وضرب الأبشار وتعطيل الحدود، أو كان متعلقًا بالاعتقاد (الباقلانى أبو بكر بن الطيب التمهيد المكتبة الشرقية 1975 ص 168) وهذا نص منقول عن أبى يعلى من رؤوس الحنابلة، ونرى الأشاعرة يقولون على لسان الباقلانى: «إن حدوث الفسق فى الإمام بعد العقد له لا يوجب خلعه، وإن كان مما لو حدث عند ابتداء العقد لبطل العقد له».  


ــ لاحظ هنا يتحدثون عن الفسق الإخلاقى والاعتقادى أيضًا؛ لأنه ظهر من الخلفاء، من قال أشعارًا فيها إساءة للنبوة نفسها عندما تحدث الخليفة يزيد بن معاوية، واصفًا يوم حروراء، بأنه يوم بيوم بدر انتقامًا لأعمامه من الأمويين فى يوم بدر، فالأمر لم يقف عند الفسق السلوكى، ولكن الاعتقادى أيضًا، والذين حصنوا منصب الخليفة شرعيًّا، هم أنفسهم من حصنوا عدم خلعه، ولو ظهر فساد خلقه وفساد اعتقاده أيضًا، وكذلك عطَّل الحدود، فما بالهم اليوم يتحدثون عن رؤساء غير شرعيين لا يطَّبِقُون شرع الله أو أنهم علمانيون، هذا ما قاله الحنابلة إمام السلفيين وما قاله الأشاعرة قبلة الأزهر، أما ما قاله النسفى وهو من الماتريدية المحسوبين على أهل السنة، يقرر فى صراحة مدهشة «أن الحاكم لا ينعزل بالفسق أى بالخروج من طاعة الله تعالى، والجور والظلم على عباد الله تعالى؛ لأنه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الراشدين» و«السلف» كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم ولا يرون الخروج عليهم.. «شرح العقائد النسفية التفتازانى ص 448».


السلف هنا يطبلون للحاكم ويجيزون فسقه وظلمه وانظروا إلى التبرير، انتشار الجور والفسق من الأئمة والأمراء بعد الراشدين، السلف هنا يقرون انتشار الفسق والجور، شهد شاهد من أهلها، وأصبح هذا مبررًا شرعيًّا للاستسلام للظلم والجور والفسق، أصبح التطبيل والنفاق تشريعًا ملزمًا، وأصبح جزءًا مما يسمى الشريعة الإسلامية، فإذا سألك أحد ما الشريعة الإسلامية، فلتقل له أعمال السلف، ومنها الاستسلام للحاكم الفاسق الجائر فاسد العقيدة الظالم الجائر الفاسد، ويتهموننا بالكفر؛ لأننا لا نقبل هذا التشريع الذى أطلقوا عليه ظلمًا وجورًا شريعة إسلامية، وما هى إلا نفاق وتطبيل لضعفاء الإرادة أخذوا ختم السلف الصالح، ربما هؤلاء سلف، ولكن أى صلاح لهم وهم يأمروننا بذلك، نحن الآن وضعنا آلية لخلع أى رئيس أو حاكم إذا رأى ثلثى البرلمان المنتخب حياده عن الطريق الصحيح، فليطرحوا استفتاءً لخلعه، أما أن تستسلم الأمة لفاسق جائر ظالم فاسد العقيدة وتقول لى السلف والشريعة الإسلامية.


المشكلة هنا التى جعلت التاريخ مقدسًا ومصدرًا لتشريع ملزم ممتد زمانًا ومكانًا، لو كان هذا الرأى ملزمًا بشكل مؤقت لكنا قبلناه على مضض، أما أن يمتد هذا الخنوع وهذا الاستسلام زمانًا ومكانًا حتى يصل إلينا وتجد من يصر على أنه التشريع الملزم فهذا هراء وعبث، وتكون سلطته النفسية على البسطاء، أنه إجماع أو أنه رأى السلف، أو أنه السنة، أو أنه الشريعة الإسلامية، بما تستدعيه تلك الكلمات من آثام على من يخالفها وثواب وجنة على من يلتزم بها، إنه العبث بالعقول وتغييب الوعى الذى يجب أن ننفضه ونفضح زيفه للأجيال القادمة، من هنا أصبح التاريخ بجانبه السياسى، وجوانبه الفقهية بفروعه التنصيصية فى العصور اللاحقة لعصر الرسالة الأول وامتدادها تفرض وصاية علينا حتى الآن وتتجاوز النص المقدس لتصنع دينًا جديدًا، تتجاوز القيم العليا للتشريع الإلهى الذى جاء لبسط الحرية بديلاً للعبودية، والعدل بديلاً للظلم والحق بديلاً للجور، ليأتى هؤلاء ليجعلوه دينًا يؤسس للظلم ويضمن له استمراره وسيطرته ليقوِّى من عضد الجائر والظالم والفاسق وفاسد العقيدة؛ بسبب بعض الضعفاء الذين أخافهم سيف المعز وأطمعهم ذهبه.


يجب أن نؤسس لحاضرنا ومستقبلنا انطلاقًا من القيم العليا للشريعة، وبعقول بشرية، نبحث عن أفضل الطرق للحرية والعدل والمساواة ونجتهد فى تجويدها مع التجربة ولا يكون التاريخ سيفًا على رقابنا يفرض علينا اجتهادات بالية للخنوع والذل والمهانة وجعلها دينًا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات