.

الزواج والطلاق شعيرة دينية أم نسق اجتماعى؟

Foto

هل الزواج على يد المأذون وفى المسجد منع تزايد أعداد المطلقات؟


كل المسلمين يعتبرون الزواج شعيرة شبه دينية ويجب أن تتم على يد مأذون شرعى، ولديهم هاجس من أنه إذا تم على يد قاضٍ أو موظف الشهر العقارى فإن هذا الزواج باطل، والعلاقة الناشئة عنه زنى، نعوذ بالله منه، رغم أن المتدبر لأمر الزواج والطلاق يجد أنه عقد اجتماعى بين طرفين، وأن الله أمر نبيه أن ينظم هذه العلاقة الإنسانية بالإشهار لتنظيم النسَب حفاظًا على المجتمع وعلى تماسكه، فقد كان الزواج قبل الرسول مربكًا ومحيرًا، فقد كانت أنواع الزواج قائمة على العلاقة الجنسية فحسب، أما ما ينتج عن هذه العلاقة فمتروك للرجل، يعترف به أو لا يعترف.

 

ولعل قصة سيدنا عمرو بن العاص باعتراف العاص به ابنًا، وقصة زياد بن أبيه، الذى ألحقه معاوية إلى أبيه سفيان، تكشفان الوضع المزرى قبل الإسلام، والرسول، صلى الله عليه وسلم، وجد أنه من المناسب تنظيم هذه الفوضى الاجتماعية، وكانت المجتمعات العربية التى دخلت الإسلام لا تعترف بقانون يُسَن عليها إلا عندما يعلمون أنه وحى من الله، فكان لابد من أن يكون التشريع قرآنيًّا ليستقيم هؤلاء البدو الذين شهد عليهم القرآن بالغلظة والقسوة، فجاءت جملة الآيات القرآنية التى تحتم تقديم مهور للزوجات، وتحتم موافقة الزوجة أولًا، ثم موافقة ولى أمرها، وتجبر الزوج على الإنفاق على أسرته، وكذلك نظم الطلاق، فجعلته بشهود وليس بمزاج الرجل، وجعلته مرتين فقط منعًا لتلاعب الصحابة، فالقصة تقول إن أحد الصحابة قرر أن يعذب امرأته بأن يطلقها وقبل انقضاء العدة يستعيدها، وهكذا دواليك، حتى تفنى وهى فى انتظار الطلاق أو العودة، فنزلت الآيات التى تحرم هذا الفعل وتحدد الطلاق بمرتين والثالثة تجعل المرأة محرمة تحريمًا مؤقتًا ولها أن تتزوج غيره، وكثير من تشريعات هذه المرحلة كانت بهدف ترسيخ معانى الأسرة باعتبارها أصغر نواة للمجتمع، المجتمع الجديد الذى كان يحلم به النبى، صلى الله عليه وسلم.

 

وفعلًا تماسك المجتمع وأصبحت الأسرة هى أصغر وحدة اجتماعية فى المجتمع، لها قواعد وأصول، إلى أن قبض الرسول، صلى الله عليه وسلم، ورحل إلى الرفيق الأعلى، وترك المسلمين ينظمون شؤون حياتهم بأنفسهم، ومنها الشؤون الاجتماعية، فتغير الإشهار إلى التوثيق، وتحوَّل التوثيق الأهلى إلى توثيق حكومى عبر الشهر العقارى، كما تغير شكل العقد ووُضعت صورة لكل من الزوجة والزوج، ولم يعد الشهود يذهبون إلى الزوجة فى مكان عرسها ليسألوها هل هى موافقة على الزواج أم لا، بل أصبح يسمع منها مباشرةً، وتمضى وتبصم أمامه.

 

أما الشهود فأصبح دورهم الشهادة على الواقعة ككل وليس على قبول الزوجة من عدمه. كل هذا تنظيم اجتماعى وليس شعيرة إسلامية مباشرة إلا فى مضمونها الأعلى، بمعنى أن كل عادة يمكن أن تكون عبادة إذا جعلتها لوجه الله، لكن العادة الاجتماعية تظل عادة اجتماعية لا يمكن أن تتحول إلى شعيرة دينية أبدًا، وهذا ما غفل عنه المجتمع بمُنظّريه ومُفكريه بإصرارهم على إلباس الزواج والطلاق لباس الدين، وأن تستمد أحكام الزواج والطلاق من أقوال الفقهاء، وأن يتولى كتابة عقد الزواج شيخ مأذون، ما يعرقل مسيرة النظر فى القواعد الاجتماعية التى قام عليها الزواج أو الطلاق، والإصرار على جعله شريعة يغل أيدينا عن الاختيارات التى تناسب المجتمع وتنظم هذه العلاقة وما ينتج عنها، وبالتالى تزداد حالات الطلاق، ويزداد وجَع المجتمع.

 

إن المطلقات لم يشفع لهن أنهن تزوجن على مذهب الإمام الأكبر أبى حنيفة النعمان وعلى سُنة الحبيب محمد، هن تعرضن للطلاق لأن الحياة الاجتماعية لم تسمح باستمرار هذه الأسرة، لم يستمع الزوج ولا الزوجة للأحاديث التى تنهى عن الطلاق؛ مثل «إن أبغض الحلال إلى الله الطلاق». وهذا يعنى أن الدين لم يجعل الشباب يتزوج ولم يمنع الشباب من الطلاق، فلمَ الإصرار على جعله شعيرة دينية؟ ضعوه فى مكانه الطبيعى حتى يسهل التعامل معه بسَن القوانين المناسبة له، فالوضع متأزم فعلًا، مصر تحتل المرتبة الأولى بين دول العالم فى الطلاق، وحسب دراسة سابقة لمركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية، فقد زادت نسبة الطلاق بين عامَى 1995 و2013 إلى 145%، إذ تحدث 240 حالة طلاق يوميًّا بمعدل حالة طلاق كل 6 دقائق، والنسبة ارتفعت فى السنوات الأخيرة ووصلت إلى حالة كل دقيقتين و40 ثانية بعد أن كانت حالة طلاق كل أربع دقائق، وبالتالى ارتفع عدد المطلقات فى مصر إلى أن وصل إلى ملايين المطلقات، ووصل عدد القضايا التى تطالب الزوج فيها بالطلاق إلى 14 مليون قضية طلاق تشهدها المحاكم المصرية سنويا.

 

تخيلوا! 13 مليون قضية طلاق! أى أن 28 مليون فرد فى المجتمع (ربع المجتمع)، وأغلبهم من الشباب، كلهم منهكو القوى الذهنية والمالية ما بين تغيير إقامات وتهرُّب من محضرين، وما بين رشاوٍ فى أروقة المحاكم وشجار عند التلاقى أمام باب المحكمة. كل هذا استنزاف للمجتمع أم للدين؟! كل هذا يؤثر فى أركان الدين أم فى الخلية الأولى والنسق الأساسى للمجتمع؟ ألا يدعونا كل هذا إلى التحرك الفعلى والحقيقى لإصلاح المجتمع وإصلاح قوانينه التى تنظم هذه العلاقة؟! فى إحصائية لمركز البحوث الاجتماعية حددت الأسباب الرئيسية للطلاق بناءً على تلك القضايا، وهى: إفشاء أسرار المنزل، تدخل الأهل والأصدقاء فى تفاصيل الحياة الزوجية، انعدام المسؤولية، عدم الوعى بين الزوجين، سوء الاختيار وعدم تقديرهما قدسية الزواج، غياب الصراحة بينهما، التطور التكنولوجى واكتشاف الكثير من أنواع الخيانة الزوجية، صغر سن الأزواج، عدم الإنجاب، العنف، الإدمان، الندية والمبارزة بين الزوجين والصراع على السيطرة واتباع فخ الذوبان فى الآخر، عدم القدرة على الإنفاق. وكما نلاحظ كلها أسباب مجتمعية؛ لهذا يجب أن نكف عن دراسة الزواج والطلاق من منطلَقات فقهية، بل يجب أن تكون الدراسة من منطلقات اجتماعية، وتتم توعية المجتمع بأضرار الزواج قبل التأكد من الوصول إلى الرشد الاجتماعى، والرشد الاجتماعى هو تحمُّل المسؤولية والقدرة على تخطى العقبات، وعلينا أن نكف عن حث الشباب على الزواج المبكر تحت مزاعم تحصين الفرج، فالواقع يقول إن الزواج المبكر يؤدى إلى الطلاق، فلا فرج تم تحصينه ولا أسرة أقيمت، ولا مال حُفظ، ولا شعيرة دينية تمت، بل شجار وخلافات واتهامات بالباطل وشهادة زور وإيصالات أمانة مضروبة، فأين الدين من هذا؟ إن جعل الزواج والطلاق شعيرة دينية أنهك قوى المجتمع. أفيقوا أيها الناس.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات