.

حيرة المفسرين من الطبرى إلى الشعراوى فى «حجاب» العذراء مريم!

Foto

ما الذى دفع المفسرين إلى افتراض أن الحيض كان سبب عزلة مريم عن أهلها وقول أحدهم إنها بحثت عن خلوة لتفلى رأسها؟ كيف تنسف حيرة المفسرين من الطبرى إلى الشعراوى أمام إشارات الآيات القرآنية كل معنى للعلم السلفى المتوارث؟


«وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا. فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا» سورة مريم: 16 و17.

 

المتأمل فى الآيتَين الكريمتَين من سورة مريم اللتين تقدمان المراحل التمهيدية لبشارتها بولادة المسيح عليه السلام، يستطيع أن يتلمس بعض الغموض البادى فى عمومية وتجريد الإشارة إلى الـ«المكان الشرقى» ثم إلى الـ«حجاب» فيهما. هذه السمة من الغموض التى تستفز العقل بالشغف تقوده للبحث بين التفاسير القديمة والمحدثة عن دليل يقيد هذه العمومية ويجسم هذا التجريد ويكشف معنى الإشارة المتضمن فى الآيتين. وهذا البحث بين ركام التفاسير عن معنى الإشارة الدقيق يقود إلى نتائج ربما لا تخطر على بال الباحث عنها منذ البداية.
 

ليس غموض الإشارة القرآنية هو ما يتبدد بالبحث وحده، ولكن يتبدد معه كذلك كل مفهوم عن «العلم» بالمعنى السلفى والأصولى الموروث، هذا «العلم» المنتقل الراكد المستقر، العلم الذى لا يتطور أبدًا ويرفض إسهام منهجيات العقل وأدوات البحث العلمية الحديثة، العلم الذى لا يجد ضالته فى غير الروايات والأخبار والمأثورات السلفية المأخوذة عبر النقل والعنعنة عن الأقدمين، وهى مأثورات وأخبار لا تنطوى على أى لون من القداسة فى نظر مقدسيها غير أقدميتها، ولو كانت أقدميتها هذه لا تعنى غير أنها اجتهادات تقادمت، وأنها انبنت على معارف وأدوات بحث تقادمت أيضًا، مما يؤكد أن كل اجتهاد أحدث منها لابد أن يزيد من جهة الدقة والرسوخ والشمول والاقتراب مع الحقائق عليها، لأنه بحكم حداثته يستطيع أن يستفيد منها بالإضافة إلى استفادته من التراكم المعرفى فى كل المجالات، ومن الطفرات التى حققتها مناهج العلوم وأدوات البحث المختلفة على كل الأصعدة.
 

ولنضع أيدينا على هاتين النتيجتَين فى نفس الوقت أطلب من القارئ أن يمنح السطور القادمة بعض الصبر الذى يمكِّن من استعراض جلّ ما توصل إليه المفسرون الأوائل والمحدثون بخصوص فك شفرة الإشارة فى الآيتين، بدءًا من أقدم التفاسير المتاحة وهو تفسير «جامع البيان عن تأويل آى القرآن» للطبرى، وانتهاءً بأحدثها، مثل تفسير «فى ظلال القرآن» لسيد قطب أو التفسير الشفاهى للشيخ الشعراوى.
 

على وتيرته المعهودة ينقل الطبرى «224- 310هـ» عدة تفاسير متفاوتة للآيتين، فيقول بخصوص المكان الشرقى نقلًا عن «السدى»: «خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها فى شرقى المحراب»! وهو تفسير يكاد يكون أكثر غموضًا مما يسعى لتفسيره، إذ لا يوضح العلاقة بين حيض أصاب العذراء مريم التى نذرتها أُمها لخدمة محراب بيت المقدس أو هيكل أورشيلم وبين انتقالها إلى الجانب الشرقى منه، وإن كان ذلك يعنى أن هذا الجانب أقل قداسة أو أكثر ملاءمة للظرف العارض مثالًا!
 

نفس الوضع يتخذه التفسير التالى المنقول عن ابن عباس، إضافة إلى ما ينطوى إليه من ادعاء غريب، إذ يأتى فيه: (إنى لأعلم خلق الله لأى شىء اتخذت النصارى المشرق قبلة لقول الله: «انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا»، فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة)! مع أن الواضح من النص القرآنى أن المكان الشرقى ليس مكان ولادة المسيح، إنما هو مكان تلقِّى بشارة ولادته، بالإضافة إلى المعروف من أن شعيرة الصلاة فى المسيحية لا تتضمن مفهومًا محددًا ومقدسًا وملزمًا للقبلة شأن شعيرة الصلاة فى اليهودية والإسلام. ولابد أن الخبر الذى ينقله الطبرى عن «قتادة» حاول تجنب هذه التضاربات عندما اختار للمكان الشرقى معنى لا جغرافيًّا، فقال: «شاسعًا متنحيًا»، لكن يظهر أنه يقع فى إشكالية أعقد هى أن مفهوم «الشرقى» لا يتضمن معنيى الشسوع والتنحى من قريب أو بعيد.
 

الأكثر إشكالية وغموضًا بعد ذلك أن يعتبر ابن عباس أن المكان الشرقى هو نفسه «الحجاب»! ويقول: «إنها –مريم- صارت بمكان يلى المشرق، لأن الله أظلها بالشمس وجعل لها منها حجابًا»! وليس فى وسع خيال بطبيعة الحال أن يستوعب مهما انقدح كيف يمكن أن تتحول الشمس من مصدر نور إلى منطقة ظل، ولا من دائرة كشف إلى حجاب كما يُقال هنا!
لا يقدم «معالم التنزيل» وهو تفسير المحدّث الشافعى «الفراء البغوى» «433- 516هـ» الذى يلى تفسير الطبرى بنحو مئتى عام ما يزيد عما قدّمه الأخير باستثناء المزيد من التفاصيل المحيرة، إذ ينقل عن عكرمة قوله: «إن مريم كانت تكون فى المسجد فإذا حاضت تحوَّلت إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينما هى تغتسل من المحيض قد تجردت إذ عرض لها جبريل..»، كما ينقل عن «مقاتل» قوله: «وراء جبل».

 

وبعد مئتى عام أخرى تقريبًا لا يزيد «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير «701- 774هـ» عن ذلك باستثناء ما ينقله من قول نوف البكالى: «اتخذت لها منزلًا تتعبد فيه فالله أعلم»!
 

ولا يزيد «التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب» للرازى «544- 606هـ» عن سابقه ولاحقه غير إضافة تفاصيل مستغربة وخرافية كذلك، فيقول عن مريم: «إنها كان لها فى منزل زوج أختها زكريا محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها فتمنت على الله أن تجد خلوة فى الجبل لتفلى رأسها (!!) فانفرج السقف لها فخرجت إلى المفازة فجلست فى المشرقة وراء الجبل فأتاها الملك».
 

فى ما يبدو «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبى «600- 671هـ» هو الأكثر زهدًا فى مثل هذه التفاصيل المروّعة عندما يختصر اختلاف التفاسير فى أكثرها معقولية، فيقول: «واختلف الناس لِمَ انتبذت، فقال السدى: انتبذت لتطهر من حيض أو نفاس، وقال غيره: لتعبد الله وهذا حسن، ذلك أن مريم كانت وقفًا على سدانة المعبد وخدمته والعبادة فيه فتنحت من الناس لذلك».
 

وعندما نصل إلى التفاسير المحدثة ابتداءً بتفسير «روح المعانى والسبع المثانى» لأبى الثناء الآلوسى «1803- 1854م»، نعثر على نفس الحشد المتوارث من التفسيرات، بالإضافة إلى روح الولع بالتفاصيل، كقوله: «وقد قدمنا عن البعض أنهم كانوا فى زمن عيسى يستقبلون بيت المقدس وأنهم ما استقبلوا الشرق إلا بعد رفعه عليه السلام، زاعمين أنه ظهر لبعض كبارهم فأمره بذلك، ويجوز أن يكون اختاره الله لها لأنه مطلع الأنوار، وقد علم سبحانه أنه حان ظهور النور العيسوى منها فناسب أن يكون ظهور النور المعنوى فى جهة ظهور النور الحسى وهو كما ترى». ولا يجد تفسير «فى ظلال القرآن» لسيد قطب «1906- 1966م» أمامه غير ترجيح فرضية احتجاب مريم لشأن أنثوى، ويربط بحسه الدرامى بين عمومية وتجريد المعنى فى إشارة الآية وبين فرضية الحيض، يقول: «فهذا هو المشهد الأول: فتاة عذراء قديسة، وهبتها أمها وهى فى بطنها لخدمة المعبد لا يعرف عنها أحد إلا الطهر والعفة حتى لتنسب إلى هارون أبى سدنة المعبد الإسرائيلى المتطهرين ولا يعرف عن أسرتها إلا الطيبة والصلاح من قديم.

 

هاهى ذى تخلو إلى نفسها لشأن من شؤونها التى تقتضى التوارى من أهلها والاحتجاب عن أنظارهم. ولا يحدد السياق هذا الشأن ربما لأنه شأن خاص جدًّا من خصوصيات الفتاة».
ويكاد التفسير الوعظى والشفاهى للشيخ الشعراوى «1911- 1998م» أن يلمس سؤالًا صحيحًا يقترن بتجريد وعمومية الإشارة القرآنية، إذ يقول: «كل مكان يصح أن يكون شرقيًّا ويصح أن يكون غربيًّا، كل مكان فيه شرق وفيه غرب، كل مكان شرقى وغربى بالنسبة لمكان آخر، يبقى لازم نشوف شرقيًّا بالنسبة لإيه؟»، لكنه يجيب بسرعة: «شرق بيت المقدس للتفرغ للعبادة ولخدمة هذا المقدس».

 

والإجابة التى تبدو مفتوحة لا تحدد بدقة إن كان شرق بيت المقدس المدينة أو شرق بيت المقدس المعبد، وهو ما يتناقض مع النسبية المكانية المدققة التى بدأ بها سؤاله ولا يضيف إليها شيئًا ملموسًا، ثم يبدو بعد ذلك متأثرًا بتفسير الآلوسى فى تفرقته بين النور المادى والنور المعنوى، دون أن يقدم تفسيرًا للحجاب أكثر من مرادفه اللغوى المباشر.
 

الآن بعد هذا الاستعراض للتفاسير الكثيرة فى تعرضها للآيتين يمكن القول باطمئنان إنها لو لم تكن راكمت مزيدًا من الحيرة حول الإشارة القرآنية فى الآيتَين الكريمتَين، فإنها لم تزدهما إيضاحًا بأية درجة ولا تفسيرًا بأى معنى. إيضاح يقترب -ولو لبعض الشىء- من التوضحة المباشرة الساطعة التى يمكن أن يستمدها باحث اليوم من مقارنة بسيطة بين الآيتين القرآنيتين وبين نص من إنجيل يعقوب، وهو نص يأتى فيه: «وعُقد اجتماع للكهنة وقالوا: (لنصنع حجابًا أو بساطًا لهيكل الرب). فقال رئيس الكهنة: أحضروا لى عذارى سبط داود اللواتى بلا عيب. وبحث المستشارون ووجدوا سبعًا من تلك العذارى. ورأى رئيس الكهنة أمامه مريم التى كانت من سبط داود وكانت بلا عيب أمام الله. فقال: اختاروا لى بالقرعة من تغزل خيط ذهب ونارىّ وكتان رفيع وحرير وبرتقالى محمر وقرمزى. وحصلت مريم بالقرعة على الأُرجوان الخالص والقرمز، وإذ تسلمتهما ذهبت إلى بيتها.

 

وأخذت مريم تغزل وقد تسلمت الأرجوان والقرمز».
 

والنص يوضح ببساطة موقع المكان الشرقى الذى انتبذته مريم فى بيتها، والسبب الذى دعاها إلى ذلك، وكان هو «الحجاب» الذى اتخذته من دون أهلها، لتنكب على تطريزه.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات