.

الأخبـار الكـاذبة مـن روسـيا أو مـن أمـريكا

Foto

كيف أصبح دور المعلومات المضللة فى الحملات الانتخابية؟ وكيف أصبح بثُّها ونشرها ومدى تأثيرها جزءًا من النقاش الوطنى؟


 
ترجمة: أميرة جبر عن «فورين بوليسى»
 
 
فى عام ١٩٣٤، خاض الصحفى الاستقصائى والروائى أبتون سينكلاير، الانتخابات على منصب حاكم كاليفورنيا كجزء من «الحركة من أجل القضاء على الفقر فى كاليفورنيا» (EPIC). وكان قد اقترح أجندة تقدمية ساحقة تضمنت استحداث معاشات وزيادة فى الدخل وضرائب عقارية على أثرياء الولاية، وكذلك خلق شبكة تعاونيات تُديرها الدولة لتوظيف العاطلين. وخوفًا من العناصر الاشتراكية فى أجندته، ضخّ قادة الأعمال والاتحادات التجارية ملايين الدولارات، دعمًا للحاكم القائم فرانك ميريام.
 
واستخدمت هذه الأموال الخارجية لنشر الأكاذيب والمعلومات المضللة من خلال المنشورات وفقرات فى الإذاعة وضربات فى الجرائد، فضلًا عن اختراع إعلامى جديد هو إعلانات هجومية حزبية متنكرة فى شكل نشرات أخبار تُعرض قبيل الأفلام السينمائية فى دور عرض كاليفورنيا.
وشملت اللقطات ممثلين يتظاهرون بأنهم مواطنون عاديون، ويرددون جملًا معدّة مسبقًا تضمنت أكاذيب عن حركة القضاء على الفقر وسينكلاير. وتبين أن هذا النوع من الأخبار الكاذبة شديد التأثير، فقد فاز ميريام على منافسه بسهولة.
 
وحتى قبل التصويت، كتب سينكلاير إلى الكونجرس، مطالبًا بتحقيق فى ما وصفه بـ«البروباجندا الكاذبة»، مضيفًا: «وسواء كنت أو لم تكن متعاطفًا مع برنامج، فهذا أمر جانبى»، متابعًا بأنه إذا كانت صناعة السينما «تستخدم للتأثير على الناخبين عن حق فقد تستخدم للتأثير عليهم دون وجه حق». ولم يُجر أى تحقيق، وأصبحت حملات التأثير والتضليل جزءًا طبيعيًّا ومحتملًا من الانتخابات الأمريكية.
 
وعلى نحو مناسب، أصبح دور المعلومات المضللة فى الحملات الانتخابية وكيفية بثّها ونشرها ومدى تأثيرها على الناخبين جزءًا من النقاش الوطنى منذ الانتخابات الرئاسية عام ٢٠١٦. وأكثر الجناة الذين تم تحديدهم بشكل عام هذه المرة هم روسيا وإيران والصين. وقد وثَّق بشكل كامل كل من مجتمع الاستخبارات الأمريكى ولجنتَى الاستخبارات بمجلسَى النواب والشيوخ والمحقق الخاص روبرت مولر، الجهود الموجهة من روسيا لتقويض الانتخابات خفيةً.
 
وفى الوقت نفسه، فى أغسطس، وصفت شركة «فاير آى» للأمن السيبرانى، تفصيلًا (بدرجة معتدلة من الثقة) استخدامًا إيرانيًّا لشبكات التواصل الاجتماعى «لنشر سرديات سياسية متماشية مع المصالح الإيرانية». وبناءً على تقرير «فاير آى»، قام «فيسبوك» بحذف ٦٥٢ صفحة ومجموعة وحسابًا مرتبطة نتيجة «سلوك زائف منسق».
 
وأخيرًا، متحدثًا أمام مجلس الأمن الأسبوع الماضى، زعم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بـ«أننا وجدنا أن الصين تحاول التدخل فى انتخابات عام ٢٠١٨ المرتقبة فى نوفمبر ضد إدارتى». وعندما ضغط عليه من أجل دليل فى وقت لاحق من اليوم، قال: «لدينا أدلة، ستخرج»، مضيفًا، بشكل مثير للحيرة، عن الرئيس الصينى شى جين بينج: «إنه صديقى».
 
وعندما يغوص المرء فى تلك الادعاءات، تبرز قلة الدقة فى تحديد بالضبط ما الأنشطة المقلقة، وبالتالى التى ينبغى حظرها. وبالطبع، هناك خلط بين الأهداف الظاهرية للخصوم وأفعالهم المزعومة.
 
على سبيل المثال، يحذر تقييم مجتمع الاستخبارات الأمريكى من «رغبة روسية فى تقويض النظام الديمقراطى الليبرالى الذى تقوده الولايات المتحدة» وكأن ذلك، فى حد ذاته، جريمة. وهذا أشبه إلى قول إنه ينبغى قانونًا إسكات قائد أمريكى إذا بدا أنه يدعم نفس الهدف من خلال الافتراء على حلفائنا الأمنيين وتطبيق سياسات تجارية حمائية وتأجيج الوطنية والإشارة علنًا بحب القادة المستبدين.
 
وعلى نحو مماثل، حدَّد تقرير لجنة استخبارات مجلس النواب أنه منذ عام ٢٠١٥ «تسعى موسكو لزرع الفتنة فى المجتمع الأمريكى وتقويض إيماننا بالعملية الديمقراطية». وقد حقق الأمريكيون أنفسهم الهدف الأول، وقد سعى وراء الهدف الثانى العملاء السياسيون الغامضون قبل وقت طويل من الاعتماد واسع النطاق على شبكات التواصل الاجتماعى.
 
وأخيرًا فى أغسطس، صرَّح «فيسبوك» بأنه حظر حسابات يزعم أنها ممولة من إيران «لأننا نريد أن يستطيع الناس أن يثقوا فى الاتصالات التى يقومون بها على (فيسبوك)». ومن الجدير أن نسأل ما إذا كان مَن كتبوا التصريح قد سبق لهم فعلًا قضاء أى وقت على «فيسبوك» أو «إنستجرام».
 
إن استخدام الإنترنت كأداة لأهداف سياسية ومجتمعية خبيثة -وفى بعض الأحيان إيجابية- هو موضوع كتاب ممتاز جديد بعنوان «شبه حرب.. تسليح شبكات التواصل الاجتماعى» لخبيرَى الدفاع بى. وى. سينجر وإميرسون تى. بروكينج. إنه كتاب مبنى على بحث عميق يجعلك متلهفًا لكل صفحة تالية. كما أنه منذر بما فيه ببساطة من فهرسة للكراهية والأكاذيب وبروباجندا الدول ومراقبة الحكومات التى تجعلها «الإنترنت» ممكنة. ومع ذلك، يكتب المؤلفان، أنه نظرًا إلى سرعة الكشف عن القصص المقلقة والكتابة عنها ونسيانها، يصعب إدراك تداعيات الإنترنت على حرياتنا المدنية وأمننا الشخصى وأنظمة حكمنا وحتى أمننا القومى وسياستنا الخارجية.
 
وفى مجالَى الأمن القومى والسياسة الخارجية، يقدم الكتاب زعمه الأبعد فى مداه وهو أن الاستخدام الاستراتيجى للإنترنت، وبالأخص شبكات التواصل الاجتماعى، بالفعل أشبه إلى الحرب.
 
وبالتالى، هى ساحة المعركة الأساسية فى العالم، وجميعنا عن قصد أو دون قصد مقاتلون وأهداف. وقد تزعج هذه الفرضية أولئك من بيننا الذين نشؤوا يدرسون الحرب الحركية وتوازن القوى المادى، ولكن المعلومات المتاحة عبر الإنترنت مهمة للغاية. والدليل هو أن القادة السياسيين والعسكريين دائمًا ما يحاولون وينجحون فى استخدام مثل هذه المعلومات -على نطاق وبدرجة غير مسبوقين فى التاريخ- لتحقيق تأثيرات داخل بلاد. ولم يعد من الممكن لهؤلاء القادة الانفصال عن المحاولات الموجهة من الخارج للتأثير على شعوبهم، فإما يشكلون الرؤية أو سيشكلها آخرون.
 
وكيفية تفسير المرء لمثل هذه الجهود يعتمد على المصدر ونية الرسالة وقدرة المرء على تحمُّل النفاق. وكما أظهر دوف إتش ليفين، وهو الآن أستاذ مساعد بجامعة هونج كونج، ببياناته التى تعقبت تدخُّل القوى الكبرى فى الانتخابات الأجنبية من ١٩٤٦ إلى ٢٠٠٠، تلاعب الاتحاد السوفييتى/ روسيا والولايات المتحدة -بشكل خفى فى الأساس- فى ١١٧ من أصل ٩٣٨ عملية انتخابية، حيث قامت واشنطن بـ٨١ تدخلًا، وهو أكثر من ضعف ما قامت به موسكو، وهو ٣٦. وبكل تأكيد، تعتنق جميع القوى الكبرى مبادئ عالمية تخترقها بالممارسة، وبطبيعة الحال يمتد ذلك إلى التدخل فى الشؤون المحلية لدول أخرى.
 
غير أن مَن يُعد مخرفًا متطرفًا لشخص ما هو قائل الحقيقة الشجاع لشخص آخر، تمام كنشر شخص ما معلومات صحيحة، الذى قد يعتبره شخص آخر تسليحًا لها. والأمر الذى اختار الأمريكيون تجاهله على مدى العشرين شهرًا الماضية هو لماذا تبنى الشعب بقوة ثم نشر المعلومات الخاطئة المزعومة، الصين أو إيران أو روسيا. لقد اختار الساسة والمحللون لوم انقسامات الولايات المتحدة على خصومها، ولكن هذا مثله مثل محاولة الحد من الاستعمال غير الشرعى للمخدرات بالتركيز فقط على الدول الأجنبية، حيث تنتج المخدرات (مع نسيان بالطبع أن الكثير من المخدرات تنتج داخليًّا). وتنمو الشهية للمعلومات الانتقائية أو المنحازة أو الحزبية، وستستمر فى النمو نتيجة الاتجاهات الواضحة بين الشعب الأمريكى فى ما يتعلق بمحو الأمية المعلوماتية والتفكير النقدى والحزبية. والبلاد لا تستطيع مجرد أن تتمنى التخلص من انحيازاتها التأكيدية.
 
وبعد فترة قصيرة من خسارته فى الانتخابات، نشر سينكلاير كتابًا سرد فيه، تفصيلًا، الهجمات على حملته ورفض وسائل الإعلام نشر أى من ردوده التوضيحية المعلوماتية. وفى إشارة محددة لرؤساء تحرير الصحف الذين رفضوا إدراك أو نشر تفاصيل خطته لمعاشات السن المتقدم، كتب جملته التى لا تُنسى: «اعتد القول لجمهورنا: (من الصعب أن تجعل رجلًا يفهم شيئًا إذا كان راتبه يعتمد على عدم فهمه شيئًا!)». وسواء أكان لأسباب أيديولوجية أم قبلية أم حزبية أم مالية أم أى أسباب أخرى، ربما يكون الأمريكيون ببساطة غير مهتمين بفهم ونقد حقًّا المعلومات التى يتلقونها عبر هواتفهم وحواسبهم فى كل من حياتهم اليومية وقبيل الانتخابات النصفية المرتقبة. ولذلك، سيظلون على نحو متزايد أهدافًا لـ«أشباه الحروب» من قِبَل المعتدين الأجنبيين والمحليين.
 
 
ميكا زينكو
زميل المعهد الملكى للشؤون الدولية «تشاتام هاوس»، ومؤلف كتابَى «بين التهديدات والحرب.. العمليات الأمريكية المنفصلة فى عالم ما بعد الحرب الباردة» (٢٠١٠) «الفريق الأحمر.. كيف تنجح من خلال التفكير كالعدو» (٢٠١٥).

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات