.

التجارب السريرية.. مشروع قانون أُعِد ليُرفض

Foto

لماذا لم تتم الاستعانة بالباحثين والعلماء فى إعداد قانون التجارب السريرية؟ لماذا انفردت لجنة الصحة بتحضير القانون؟


فى الجلسة العامة لمجلس النواب بتاريخ 14 مايو 2018، أعلن البرلمان إحالة مشروع قانون تنظيم البحوث الإكلينيكية والطبية والمعروف إعلاميًّا بـ«التجارب السريرية» إلى رئيس الجمهورية، تمهيدًا للتصديق عليه واعتماده، ومن ثَمَّ نشره فى الجريدة الرسمية وتطبيقه.

 

وقبيل الانتهاء من المشروع، زاد الجدل حوله بين مؤيد ومعارض، ولكن أغلب أعضاء مجلس النواب، وتحديدًا لجنة الصحة، ظهروا فى تصريحات إعلامية عبر الشاشات والصحف يؤكدون أن مشروع القانون لا يجعل المصريين «فئران تجارب» وينظم عملية البحث العلمى.
 

وكالعادة، ظل مجلس النواب متشبثًا برأيه ونظرته وتحليله، رغم وجود العديد من علامات التعجب والاستفهام التى أُثيرت حول مشروع القانون ولم تجد لها أى تفسير، مثل انفراد لجنة الصحة فى مجلس النواب بمناقشة المشروع وتقديمه، وعدم إحالته إلى لجنة البحث العلمى، رغم كونه قانونًا لتنظيم عملية البحث العلمى، ثم إن لجنة الصحة يجب أن تهتم بالرقابة والتشريع فى ما يخص المستشفيات والأطباء، ولكن صناعة العقاقير وتجربتها على المرضى هذا أمر بحثى بالأساس.
 

كما أن مجلس النواب صمّ آذانه عن كل أصوات النقد والتحذير التى لم تخل من قامات علمية، أمثال الدكتور محمد غنيم، رائد زراعة الكلى فى مصر وعضو مجلس العلماء الاستشارى التابع لرئاسة الجمهورية.
 

وكعادة المجلس لم يهتم بالأصوات المعارضة حتى داخله، فالنائب سمير غطّاس عضو لجنة التعليم والبحث العلمى، حذَّر من مشروع القانون فى أثناء التحضير له، قائلًا فى تصريحات صحفية فى شهر أبريل الماضى، إن اللجنة العامة ستوافق على المشروع وتمرره إلى الرئيس عبد الفتاح السيسى دون ثمة مراجعة أو تحليل، واصفًا إياه بـ«الكارثة المرتقبة».
 

كل ما سبق أمور تكشف عن عدم التنسيق الداخلى بين أعضاء مجلس النواب، فضلًا عن خلل فى آلية تداول مشروع القانون ومناقشته، بالإضافة إلى غياب طرحه للحوار المجتمعى مع الأساتذة والعلماء المختصين فى هذا الصدد.
 

لم يكن غريبًا على أعضاء مجلس النواب تجاهل النقد والتشبث أكثر بموقفهم، فالمجلس أرسل مشروع القانون إلى رئيس الجمهورية رغم الانتقادات والتحذيرات، ولكن الغريب حقًّا هو احتفاء رئيس مجلس النواب بقرار الرئيس عبد الفتاح السيسى برد القانون مجددًا إلى البرلمان، من أجل تعديله وإعطائه حقَّه الكامل فى المناقشة والتداول.
 

الدكتور علِى عبد العال، أشاد خلال الجلسة العامة، يوم الثلاثاء الماضى، باعتراض الرئيس، قائلًا: «حسنًا فعل الرئيس بأن استخدم حقَّه الدستورى فى الاعتراض على مشروع القانون، وأعتقد أن الباحثين والأكاديميين فى القاعة ممتنون للرئيس للاعتراض، حتى يأتى القانون متوافقًا مع الدستور، ونشكر الرئيس لاستخدام الحق فى إعادته للمجلس»!
 

رئيس البرلمان لم يكتفِ بما سبق، بل زاد من الشعر بيتًا وقرر إحالة المبادئ محل الاعتراض إلى اللجنة العامة للمجلس فور تشكيلها، لدراسة الأمر واتباع الإجراءات المقررة فى اللائحة بهذا الشأن، مضيفًا: «كلى ثقة فى أن اللجنة العامة ستولِى الأسباب التى وردت فى خطاب الرئيس العناية التامة، من أجل إخراج القانون متوافقًا مع الدستور وَفقًا لأحدث المعايير الحاكمة للأبحاث العلمية»!
 

حقًّا شىء غريب.. طيب يا دكتور عبد العال ما مشروع القانون كان فى إيدك، وكل الأوساط العلمية حذرتك منه، حتى الخبراء الدستوريين أشاروا إلى عوار بالمشروع، ولكنك تمسكت بالمشروع على حاله البائس.
 

الرئيس عبد الفتاح السيسى مارس حقَّه الدستورى فى الاعتراض على مشروع القانون ورفض التصديق عليه، ولكن لماذا تحوَّل الموضوع من حق دستورى مشروع ومطلوب بل وواجب على الرئيس إلى إنجاز جديد يحاول المجلس والإعلام تصديره إلى المواطنين؟! هل ممارسة الرئيس حقَّه المؤسسى أمر غريب على الدولة؟! وهل ملاحظات الرئيس التى وجهها إلى مجلس النواب كانت مستجدة؟!
 

أتمنى أن يرسِّينا أعضاء مجلس النواب على بر.. هل مشروع القانون كان جيدًا ويحمى المواطن ويوفِّر مناخًا ملائمًا للبحث العلمى مثلما زعموا من قبل؟ أم أنه يعانى قصورًا وتخبطًا وبه مواطن نقص كثيرة تحتاج إلى النقاش والتعديل مثلما قال الرئيس؟ 
فى الواقع ورغم الفوائد العديدة التى تعود من وراء «التجارب السريرية»، فقد أضحت الجهود المبذولة فى مجالها عرضة للانتقاد، بدعوى أن بعض شركات الأدوية العالمية تستغل المرضى فى دول العالم النامى حينما تُجرى اختباراتها للمعالجات والأدوية الجديدة المنقذة للحياة فى الأقاليم التى يعيش فيها هؤلاء، خصوصًا دراسة فيروس نقص المناعة HIV المسبب لمرض الإيدز وفيروس الالتهاب الكبدى الوبائى المعروف باسم «سى»، ولكنها تحول، بعدئذ، بينهم وبين الحصول على هذه الأدوية باهظة التكلفة بالنسبة إلى غالبية المرضى الذين يتعذر عليهم شراؤها على نفقتهم الخاصة.
مصر تحتل المركز الثانى بعد جنوب إفريقيا فى قائمة أكثر الدول الإفريقية استضافة للتجارب السريرية للعقاقير تحت رعاية الشركات المنتجة متعددة الجنسيات، حيث يجد الكثير من المصريين صعوبة فى الحصول على العلاج الأساسى، مما يؤدى إلى لجوء بعض المرضى إلى المشاركة فى هذه التجارب على الرغم من احتمالية استغلالهم فيها بغرض الحصول على العلاج المجانى، حتى إن كانت نتائج هذا العلاج غير معروفة.

 

منظمة برن السويسرية (Bern Declaration) وهى منظمة دولية معنية بالحفاظ على دراسات التجارب السريرية، فى العام الماضى أصدرت تقريرًا بعنوان: «تجارب بئر السلم»، قالت فيه إن اثنتَين من الشركات السويسرية العاملة فى مصر تجريان تجارب سريرية فى مجال أدوية سرطان حديثة تستخدم فى مصر، مؤكدة أن هذه التجارب بها انتهاك كبير لميثاق «هلسنكى» ومواثيق حقوق الإنسان، فى إشارة إلى خطر قائم فى مستشفيات حكومية وأخرى خاصة فى مصر.
 

وفى بيان رسمى لها، أكدت شركة الأدوية السويسرية أن واحدة من كل ثلاثة أدوية تم اختبارها فى مصر لم تتم الموافقة عليها، فى حين تم تسجيل 57 اختبارًا للأدوية الدولية الفعالة هناك، وأكثر من نصفها يتعلق بالمخدرات المضادة للسرطان، ما يتعارض مع متطلبات إعلان «هلسنكى» الذى يقضى بإجراء تجارب سريرية فقط فى الدول التى يودع فيها طلب تسجيل.
 

وللأسف، التجارب السريرية التى أجريت فى مصر من قِبَل الشركات متعددة الجنسيات، لم تحترم القواعد الأخلاقية الدولية التى تدعو إلى تعزيز الضوابط، ولذلك دعت منظمة «برن» السلطات المصرية إلى اعتماد قانون وطنى وآليات رقابة قوية، وها نحن بعد أكثر من عام على هذا التقرير السلبى نتخبط فى سَن تشريع ينظم عمليات البحث العلمى داخل مصر.
الدستور كان حاسمًا فى هذه القضية، وجاءت المادة رقم 60 لتنص على أن «جسم الإنسان له حرمة، أى اعتداء، هتك عرض أو تشويه، يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون، يمنع الاتجار بالأعضاء، ولا يمكن إجراء أى تجربة طبية أو علمية فى هذا الشأن دون توثيق الموافقة الحرة للموضوع وَفقًا للمبادئ المعمول بها فى المجال الطبى على النحو الذى ينظمه القانون».
وعن مدى تحقيق مشروع القانون المرفوض من قِبَل الرئيس المعايير الأخلاقية التى تضمن حقوق المرضى، قامت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بتقييم مدى تحقيقه لتوصياتها السابقة الصادرة فى دراسة بعنوان: «أسئلة أخلاقية حول التجارب السريرية على الدواء فى مصر: تحديات محلية وتمويل من الشركات المنتجة»، وتوصلت إلى أنه نجح فى تحقيق 75% من التوصيات الأساسية.

 

إذن لا غنى عن البحث العلمى بشكل عام و«التجارب السريرية» بشكل خاص، ولكن ما فعله مجلس النواب لم يكن تحديد معايير أو ضبط العملية البحثية، فعلى سبيل المثال مشروع القانون كان لا يسمح بإرسال عينات مصرية إلى الخارج فى ظل عدم وجود الإمكانات المطلوبة والأجهزة اللازمة للتحليل والبحث داخل مصر.
 

ومما لا شك فيه أن بعض العينات تحتاج إلى السفر للخارج، لتحليلها، فأمريكا نفسها وبعض دول أوروبا ترسل عينات إلى الخارج، لتحليلها، ولكن مجلس النواب خشى على الجينات المصرية من العبث، متجاهلًا كون ملايين المصريين يقيمون بالخارج ويمكن لأية جهة بحثية الوصول إلى جيناتهم وتحليلها والعبث بها إن أرادت.. لكننا للأسف أصبحنا عبيدًا لنظرية المؤامرة، التى حوّلناها إلى «شماعة» نعلق عليها فشلنا فى شتى المجالات.
كما تجاهل مشروع القانون تمثيلًا عادلًا للباحثين وممثلى وزارة التعليم العالى والبحث العلمى، فملاحظات الرئيس أيضًا تطرقت إلى المادة (8) فى شأن تشكيل المجلس الأعلى للبحوث الطبية والإكلينيكية، حيث يلاحظ أن عدد الممثلين للجامعات المصرية والمراكز والمعاهد والهيئات البحثية التابعة لوزارة التعليم العالى والبحث العلمى أربعة فقط من أصل خمسة عشر، مع العلم أن 97% من الأبحاث الطبية الإكلينيكية تجرى فى الجامعات والمراكز والمعاهد والهيئات البحثية التابعة لوزارة التعليم العالى والبحث العلمى!
 

فى النهاية.. ما بُنى على باطل فهو باطل أيضًا، ومشروع قانون التجارب السريرية بُنى على أباطيل، ففى البداية احتكرته لجنة الصحة فى مجلس النواب ولم تستمع إلى انتقادات العلماء والمختصين، وحتى نقابة الأطباء، ثم اعتمدته الجلسة العامة بالأغلبية القانونية التى يبدو أنها لم تدرك فداحة القانون وأهميته وآثاره المنتظرة على المستقبل العلمى بالكامل. وأخيرًا تغيَّرت كل الأصوات عندما رفض الرئيس القانون وكأن هذا المشروع كان من صنع أناس آخرين غير هؤلاء الأعضاء!


يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات