.

تيلرسون فى الشرق الأوسط رسول بلا رسالة

Foto

هل تقلَّص الدور الأمريكى فى مصر والأردن؟ كيف استعان الأمريكان بالروس لوقف الحرب بعد سقوط الطائرة الإسرائيلية؟


ترجمة: أميرة جبر

نقلًا عن موقع قناة «سى إن إن» الأمريكية فى ١٥ فبراير ٢٠١٨

إذا كان الرئيس دونالد ترامب عازمًا على معاقبة وزير خارجيته ركس تيلرسون، فقد وجد الطريقة المثلى.

فتيلرسون الآن فى جولة فى شرق أوسط أكثر انقسامًا وفتكًا وخطورة مما كان منذ عقود، إذ تحتدم الحروب فى سوريا واليمن ومصر، ويلوح بنحو مظلم فى الأفق احتمال مجموعة مذهلة من الحروب الأخرى، صغيرة ومتوسطة وكبيرة، إقليمية وعالمية. وكل هذا فى وقت تخسر الولايات المتحدة الغارقة فى التفاصيل قليلة الأهمية فيه قبضتها.
وقد وقعت مهمة فرز كل هذا على عاتق مسؤول بترول تنفيذى بلا خبرة دبلوماسية يقود وزارة خارجية تنزف موظفين ذوى خبرة، وعلى عاتق زوج ابنة الرئيس ذى الـ٣٧ عامًا جاريد كوشنر، المبتدئ سياسيًّا الضليع فى عالم عقارات مانهاتن الغامض، وغيره القليل.
وجولة تيلرسون عبر الشرق الأوسط تأخذه إلى مصر والكويت والأردن ولبنان وتركيا، وإذا كان هناك أى شك حول تقلُّص التأثير الأمريكى فى المنطقة، فهذه الجولة العاصفة قد جعلته واضحًا تمامًا.

مصر
أكدت محطته الأولى مصر، الثمار المشكوك فيها للرومانسية الأخوية (bromance) بين المشير الذى تحول إلى رئيس، عبد الفتاح السيسى، والرئيس ترامب. وقد فاز مضيف تيلرسون فى انتخابات رئاسية بنسبة ٩٧٪ عام ٢٠١٤، وقريبًا سيترشح مجددًا فى انتخابات أخرى. وتمتم تيلرسون بضع كلمات عن إجراء انتخابات حرة ونزيهة فى أثناء وجوده فى القاهرة، ولكن سرعان ما أيَّد هجوم مصر الأحدث على المتمردين الإسلاميين فى سيناء والصحراء الغربية.
وفى الوقت الذى تتراجع فيه حرية الصحافة والحريات المدنية بشكل كبير فى مصر، أوضح تيلرسون أن أولوية إدارة ترامب هى الحرب على الإرهاب التى أوشكت على عامها الـ١٨، والتى يبدو أنه لا نهاية لها.

الكويت
وجاء بعد ذلك الكويت، حيث حضر تيلرسون قمة إقليمية حول إعادة إعمار العراق بعد هزيمة «داعش»، إذ تقدر بغداد أن تتكلف إعادة الإعمار ٨٨ مليار دولار، وقد تمكن المشاركون من جمع أكثر من ٣٠ مليار دولار فى صيغة تعهدات.
أما الولايات المتحدة، فاستدعاءً لعبارة من إدارة أوباما، ستقود من المؤخرة بتقديم ٣ مليارات دولار كحد ائتمانى.
وانتهز تيلرسون الفرصة ليسهم برأيه فى الخلاف المستمر بين قطر من ناحية وتحالف الدول العربية بقيادة السعودية من ناحية أخرى. وتتهم الكتلة التى تقودها السعودية قطر بدعم الإرهاب ونشر الخراب عبر المنطقة، وفى الصيف الماضى فرضت حصارًا عليها. وسرعان ما انحازت إيران وتركيا إلى القطريين، بينما أرسلت الولايات المتحدة وابلًا من الإشارات المختلطة، إذ غرَّد الرئيس ترامب بأن القطريين يمولون الإرهاب فى الوقت الذى تبقى الولايات المتحدة وتخطط لتوسيع قاعدتها الجوية خارج العاصمة الدوحة مباشرةً، وهى أكبر منشأة عسكرية أمريكية فى العالم العربى. وحاول تيلرسون وفشل فى الصيف الماضى للتوسط فى الخلاف، وفرصه فى النجاح هذه المرة ليست أفضل.

الأردن
ثم يطير الوزير إلى عمان بالأردن، حيث يلتقى الملك عبد الله الثانى الذى لا يزال مستاءً من قرار الرئيس ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل. وسيكون على تيلرسون، الذى أفادت التقارير أنه عارض الخطوة، امتصاص الأمر، فملف إسرائيل وفلسطين بين أيدى كوشنر غير الثابتة.
ولطالما كانت الأردن حليفًا مخلصًا للولايات المتحدة، ولكنه تحالف يأتى الآن بكلفة سياسية عالية، خصوصًا بين غالبية الأردنيين الذين يتتبعون جذورهم لفلسطين التاريخية. وفى الأيام التالية لإعلان القدس سمحت السلطات الأردنية بتظاهرات كبيرة وصاخبة على أمل أن واشنطن قد تسمع، ولكنَّ أحدًا لم ينصت.
أما بالنسبة إلى الفلسطينيين فقد أوضحوا، على الأقل للمسؤولين فى رام الله، أنهم يئسوا بشكل كبير من أن تلعب الولايات المتحدة دور الوسيط الأمين. وقد طار الرئيس الفلسطينى محمود عباس يوم الإثنين إلى موسكو على أمل أنه ربما يدخل الرئيس فلاديمير بوتين لملء الفراغ الذى تركته إدارة أمريكية ينظر إليها كالأكثر دعمًا لإسرائيل فى التاريخ.

لبنان
سيقوم تيلرسون بعد ذلك بالرحلة القصيرة إلى بيروت يوم الخميس، وكجزء من محاولة إدارة ترامب لمواجهة تأثير إيران المتنامى فى الشرق الأوسط من المتوقع أن يحث رئيس الوزراء اللبنانى سعد الحريرى، على إبعاد نفسه عن حزب الله، الحليف اللبنانى الرئيسى لإيران. ولكن حزب الله جزء من حكومة الحريرى التحالفية، فقد لعب دورًا حاسمًا فى سحق جيوب «داعش» جنبًا إلى جنب مع الجيش اللبنانى المدعوم من الولايات المتحدة. وشئنا أم أبينا فكثير من اللبنانيين عبر الطيف السياسى والطائفى ينسبون إلى حزب الله ضمان أن لا يحصل «داعش» أبدًا على موطئ قدم هناك مرة أخرى. إن دفع حزب الله خارج المعادلات السياسية الحساسة فى لبنان يهدد بنوع عدم الاستقرار الذى يفضل أغلب اللبنانيين عدم التعرض له.
وفى نادرة خاصة كنت أجلس ذات ليلة مؤخرًا فى بار ببيروت الغربية مع مجموعة مختلطة من المسيحيين والمسلمين، وسألتنى امرأة مسيحية «ما رأيك فى نصر الله؟» فى إشارة إلى سكرتير عام حزب الله حسن نصر الله، ثم صرخت «أحبه!»، قبل أن أتمكن من الإجابة، ورفعت كأس الويسكى الخاصة بها كتحية.
وقد سلَّط الضوء على دور نصر الله فى تهدئة ماء السياسة اللبنانية المتقلب فى نوفمبر الماضى عندما استقال الحريرى فجأة تحت ما يعتقد كثيرون أنه ضغط من السعودية، فهى غاضبة من دور حزب الله فى حكومة الحريرى، ويعتقد السعوديون أن إيران تتلاعب بالسياسة اللبنانية من خلال حزب الله. وقد أدلى نصر الله بسلسلة من الخطابات التليفزيونية خلال الأيام المتوترة التى أعقبت استقالة الحريرى، داعيًا للهدوء. وينسب الكثير من اللبنانيين لموقف نصر الله منع شقاق ضخم فى لبنان، وربما حتى تفادى اندلاع العنف.
إن لبنان مكان معقد، فهل يدرك تيلرسون ومديره ذلك؟

تركيا
ومحطته الأخيرة، والأصعب بالتأكيد، هى تركيا، فالرئيس رجب طيب أردوغان غاضب من الدعم الأمريكى للمقاتلين الأكراد فى الحرب ضد «داعش» فى سوريا، إذ ترى تركيا الأكراد هناك كفرع لحزب العمال الكردستانى الذى يشن حربًا انفصالية ضد الدولة التركية منذ عام ١٩٨٤.
وقد شنَّت تركيا هجومًا ضد هؤلاء المقاتلين الأكراد، وكثير منهم مسلحون ومدربون من قبَل الولايات المتحدة، يوم ٢٠ يناير فى عفرين، وهى منطقة كردية فى سوريا على طول الحدود مع تركيا. والولايات المتحدة وتركيا كلتاهما عضو فى حلف شمال الأطلسى (الناتو)، ولكن تحالفهما فى حالة يرثى لها.. حقًّا يقترب من لحظاته الأخيرة.
وقال وزير الخارجية التركى مولود جاويش أوغلو، يوم الإثنين: «إن الروابط مع الولايات المتحدة فى نقطة شديدة الدقة»، متابعًا: «إما سنصلح هذه العلاقات وإما ستنكسر تمامًا، فلا يوجد خيار آخر هنا».
وعلى الرغم من عدم وجود سوريا فى برنامج رحلته، فإنها بشكل كبير فى قلب المخاوف الإقليمية، فقد شهدت الأيام الـ١٠ الماضية إسقاط الثوار السوريين لطائرة عسكرية روسية. وقتلت القوات الأمريكية والكردية فى سوريا ما يصل إلى ١٠٠ من القوات السورية المؤيدة للحكومة، من بينهم عدد من العناصر الروسية العاملة بشركة أمن روسية خاصة، فى شرق البلاد. كما تم إسقاط طائرة إيرانية دون طيار فوق إسرائيل، وأسقط الدفاع الجوى السورى طائرة إسرائيلية من طراز «إف ١٦».
لم يتورط قط هذا الكم من القوات المختلفة والمتعارضة فى هذا الكم من النشاط العسكرى فى مثل هذه المساحة الجغرافية المحدودة.
إن احتمال مواجهة كارثية تتورَّط فيها قوى عظمى عالمية وإقليمية ضخم، ومن اللافت للنظر غياب الدور الأمريكى فى كل هذا، فبعد واقعة الطائرة الإيرانية دون طيار وإسقاط الطائرة الإسرائيلية من طراز «إف ١٦» والضربات الجوية الإسرائيلية على الأهداف السورية والإيرانية التى تلَت ذلك، غابت الولايات المتحدة دون طلب إجازة، إذ كان بإمكانها أن تتحدث مع الإسرائيليين ولكن لا تتحدث مع السوريين أو الإيرانيين، بل كان الروس هم المتصلين بجميع الأطراف المتورطة، هم مَن تدخلوا وتجنبوا الحرب.
ووَفقًا للجريدة الإسرائيلية اليومية «هآرتس»، فقد تحدث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، عبر الهاتف، بينما استعدت إسرائيل لهجوم مضاد ضخم، وحذر بوتين نتنياهو من تصعيد العداوات، واستجاب نتنياهو. وكان كاتب المقال عاموس هاريل، حادًّا بصراحة، فى ما يعنى كل هذا: «إن الهدوء الذى أعقب مكالمة نتنياهو وبوتين يظهر مرة أخرى مَن هو المدير الحقيقى فى الشرق الأوسط، ففى الوقت الذى لا تزال فيه الولايات المتحدة الحاضر الغائب فى المنطقة -بينما يستمر البحث عن سياسة خارجية أمريكية متماسكة– تحدد روسيا الطريق الذى تسير فيه الأمور».
وهذا يلخص الأمر، ففى نهاية الأمر وزير الخارجية ركس تيلرسون رسول الرئيس دونالد ترامب، ولكنه رسول بلا رسالة.


……
 

بن ويديمان: أحد كبار مراسلى قناة «سى إن إن» الأمريكية والمقيم فى بيروت.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات