.

فى الاقتصاد مبروم على مبروم بقى بيلف

Foto

هل ارتفاع أسعار البترول عالميًّا سيؤثر على أسعار البنزين؟ هل تتعامل الحكومة مع المواطن بصفته أم كزبون وتاجر؟


الكتابة فى هذه الأيام كالسير على الأشواك، فضيق الصدر من الكتابة وصل إلى مداه -عن النظام أتحدث- فرغم تلاحق الأحداث اليومية وضبابية المعلومات، أصبح الخوض مخاطرة، فمن تركى آل الشيخ وعلاقته الملتبسة بالرياضة المصرية إلى حالة مرتضى منصور المثيرة للجدل والدهشة فى آن واحد، ومن اختفاء جمال خاشقجى وتصريحات متبادلة تركية/ سعودية، إلى ترامب والسعودية والإهانات المتتالية والمتكررة وردود ابن سلمان، وزيارة ميلانيا مصر، حيث كل أجهزة مصر فى الشارع واستنفار كامل لم أرَ له مثيلًا من قبل، إذ كانت زيارات مبارك السابقة تلحق التأمين بمكان واحد، وكذلك استقبال السيسى لأمير السعودية، كان التأمين منصبًّا على منطقة عابدين، أما أن يكون الدائرى بالكامل والمحور بالكامل ووسط البلد بالكامل، فهذا مختلف، رغم اعتقادى أن ميلانيا ليست مستهدفة، وأعتقد أن ترامب لن يحزن كثيرًا إن أصابها مكروه.. إلى منطقة شرق أوسط ملتهبة وساخنة، لن يبردها أى شتاء قارس مهما بلغت حدّته، وأحداثها متلاحقة بشكل مفزع، وكأن المتحكم فى حركة سينما الواقع يسرع حركة الصورة، وتحول كل اللاعبين على المسرح الدولى إلى شارلى شابلن، والمُشاهد يلتقط أنفاسه تأثرًا بحركة الصورة متماهيًا مع حركة الأحداث.

 

ولا تسألنى لماذا سأترك كل هذا وأكتب عن الاقتصاد ودورانه، أو لَفه ودورانه، ورغم كلمة خالد الصاوى السينمائية الشهيرة «مبروم على مبروم مايرولش»، يبدو -والله أعلم- أنه بيرُل اليومين دول.
 

ارتفاع سعر البترول وتخطيه حاجز الثمانين دولارًا، وتصريحات «معيط» بأن زيادة البرميل دولارًا واحدًا تحمّل الدولة أربعة مليارات دولار، وأن دعم البترول فى العام المالى الجارى 89 مليار دولار بُنى على أساس أن سعر البرميل 67 جنيهًا، ومعنى كلام معيط أن هذه الزيادة التى تصل إلى 15 دولارًا ستحمل الدعم 60 مليارًا جديدة تضاف إلى الـ89، ليصل الدعم البترولى إلى 150 مليارًا، متجاوزًا دعم العام الفائت، وهو يعنى ارتفاع عجز الموازنة العاجزة من الأساس، ورغم حديثهم الدائم عن المصائب التى ألمَّت بمصر، وأضرارها، فإنهم لا يتحدثون عن الوفر الذى سيأتى من اكتشافات الغاز الكبيرة والمهولة، ولماذا لا يعوضون هذا بذاك؟ ولماذا يريدون تحميل المواطنين الخسائر، ولا يتحملون المكاسب؟ على رأى المثل «فى الحزن مدعية وفى الفرح منسية».

 

هذا ما تفعله الحكومة، رغم أن هناك تهمة اسمها بث روح التشاؤم تُتهم بها المعارضة دائمًا، وهو ما تفعله الحكومة ليلَ نهار بسبب تصريحات غير سياسية ومبتذلة.
 

لو حللنا الأرقام فإن استهلاك مصر من البنزين 25 مليون لتر فى العام، والدعم كان 89 مليارًا، حسب التصريحات الرسمية، معنى هذا أن لتر البنزين ما زال يدعم بـ3.5 فى ظل سعر 67 دولارًا للبرميل، رغم أن نصف الاستهلاك تقريبًا هو ملكنا من الاستخراج، بمعنى أنه ملك الشعب المصرى، كرجل يعيش فى بيت ملك وكل شوية حد يفكره أن «إيجار شقتك دلوقتى أصبح 3 آلاف جنيه» أو سعرها وصل إلى مليونى جنيه، فلا فرق لدىَّ، فالبيت ملكى، يزيد إيجاره، ينقص أو يرتفع سعره، لا فرق بالنسبة إلىَّ حتى لو اعتبرنا أن نصف البيت فقط ملكى، فلا تحدثنى عن زيادة فى الكل، حدثنى فى النصف الذى لا يخصنى، رغم أن الحكومة تحمّل المواطن الكل، وتريد أن تبيع له نصف البيت الملك، بالإضافة إلى النصف الآخر بالطبع.
 

ما زالت كلمات الكفراوى ترن فى أذنى وهو يتحدث عن المدن الجديدة فى نهاية السبعينيات، وحديث السادات له بأن المواطن المصرى «عايز بيت يسكن فيه وحتة يندفن فيها»، وكانت فى هذا التوقيت شقق الحى السادس بأكتوبر من النوع الاقتصادى (500 جنيه وأقساط زهيدة)، وكانت شقق الإسكان المتوسط فى الحى السابع بألف جنيه، والشقق الفاخرة، بمعايير هذا الزمان، فى الحى المتميز كانت بتسعة آلاف جنيه، وكانت قطعة الأرض 40 مترًا لبناء مدفن بـ350 جنيهًا، وكانت حتى وقت قريب بأربعة آلاف جنيه وتتحمل أنت تكاليف البناء، حتى جاءت حكومة تتاجر بكل شىء، حتى بالموت، فباعت المدفن مبنيًّا بـ80 ألف جنيه، وهى الآن تبنى مدافن جديدة على مسافات بعيدة عن أكتوبر بـ30 كم بعد أن بيعت المدافن الحالية بالكامل، وتبيعها بـ70 ألفًا «كاش» (خايفين يبيعوها تقسيط والشارى يموت ينفد بجلده ومايدفعش!). 

 

شىء مخجل ومضحك ومُبكٍ فى نفس الوقت، فنحن نعيش أفضل عصور الكوميديا السوداء، وكأنها خُلقت لنا، ومش عارفين حنعيش حتى نراها بيضاء مبهجة، لا ضحكات بطعم الدموع، أم لا!
 

نتجاذب مع الأصدقاء أطراف الحديث، تحدَّث أحدهم عن الاستثمار فى الأبناء، وأن التعليم فى مصر لم يعد استثمارًا مضمونًا، قلت له: كيف نستثمر -إذن- فى الأبناء؟ قال لى: السفر للخارج، قلت له: مكلف، قال: لو تكلف الولد نصف مليون جنيه أنا عندى استعداد، فقلت له: ليس لديك مال يكفى لكل الأبناء، قال: أبيع مش مشكلة، حيعملوا إيه بشقة هنا ولا بيت شرك هناك، إحنا نقعد نموت فى أم البلد دى، بس هم ينفدوا بجلدهم!
 

هذا كلام فى منتهى الخطورة، فى السابق كانت تحويلات المصريين بالخارج للداخل تتجاوز العشرين مليار دولار، وما زالت تمثل الدخل الأكبر لمصر من العملة الصعبة، حتى المسافرون فى أوروبا وأمريكا، تتحول استثماراتهم للداخل لشراء عقارات وأراضٍ ومدافن للعائلة بالطبع، هذا الحديث الجديد يتحدث عن تحويلات عكسية من الداخل للخارج، أخشى أن يأتى يوم نسمع فيه عن تحويلات مصريين من الداخل للخارج بعشرات المليارات، ويصبح رقمًا سالبًا وليس موجبًا؛ بسبب إجراءات اقتصادية تنظر تحت الأقدام، وتتعامل مع المواطن المصرى بصفته الزبون والتاجر، ليس مواطنًا ودولة، ومافيش خد وهات، عم عشم مات.
 

صديقى من إمبابة ويعيش معنا فى أكتوبر، وأصبحت عادة حياته الأزلية سوق إمبابة يوم الجمعة، وهى سوق تشغى، لا تجد موطئ قدم فيها، خصوصًا يوم الجمعة، إذ تكون الأسعار مقتربة من النصف نسبةً للأسعار فى الأماكن الأخرى. قال لى مندهشًا: أروح سوق إمبابة يوم الجمعة ألاقيها فاضية! نحن نتحدث الآن عن الطعام، يعنى الاحتياجات الأساسية من مأكل ومشرب، قال لى: الناس كلها بتسبّ وتلعن، تجارًا وزبائن، فلا التاجر عارف يبيع ولا الشارى عارف يشترى، التجار ينزلون بنصف وربع الكميات التى كانوا ينزلون بها فى السابق، ولا تُباع، قال لى: كنت بملى شنطة العربية بـ100 جنيه، دلوقتى طلعت من السوق بكيسين بـ400 جنيه، كنت أستدعى الأبناء ليحملوا معى أكياس الخضَر والفاكهة، الآن أقول لهم «والله ما إنتوا نازلين» أحمل الكيسين وأصعد إلى البيت خجلًا، كان فى السابق يومًا مبهجًا، يوم إجازة تجلس فيه الأسرة وهى تشاهد التلفاز وتتجول بين أصناف الفاكهة المختلفة بلا حساب، دلوقتى بالعدد، واللى يكون بره فالغايب ملوش نايب.. ويظل يفتش الغائب عن مرتكب الجريمة دون جدوى!
 

تجاذبت أطراف الحديث مع الميكانيكى الذى أتعامل معه، قال لى: أقول للولية الصبح لحلحى الجبنة بشوية قوطة مش كده، تقول لى: منين؟ القوطة بعشرة جنيه، وأنا حلاحق على إيه ولا إيه؟ لبس ولا دروس ولا علاج؟ المية جنيه اللى بتديهوملى بيضيعوا فى درسين للواد اللى فى تالتة إعدادى بس، تعالَ إنت امسك مصروف البيت!
 

اللعب فى البنزين من جديد خط أحمر يا طارق، اقعد مع معيط وظبطوا أموركم مع بعض وابعدوا عن حياة الناس، عرفات (وزير النقل) قال لهم: اللى عايز ينتحر يبعد عن المترو، يمكن ياخدوا بنصيحته ويجوا يولعوا فى نفسهم أمام مجلس الوزراء!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات