.

سيادة وزير التعليم.. انزل بنفسك

Foto

هل يعلم الوزير أن منظومته تحتاج إلى أكثر من 105 آلاف معلم ابتدائى للصف الأول فقط؟ هل أخبره معاونوه أننا ليس لدينا نصف هذا العدد؟


بهدوء ودون عصبية، تعالوا نقيّم تجربة الوزير لتطوير التعليم، تعالوا نرصد الإيجابيات والسلبيات من أجل أن نتلافاها، تعالوا نتخلص من جملة «كله تمام» التى ستهلكنا، وفى نفس الوقت نتخلص من النظرة السوداوية. أيها السادة، نحن الآن بعد أسبوعين من بدء العام الدراسى، يعنى عدّينا ارتباك أول يوم دراسى، يعنى راحت مشكلات البدايات لحالها، والمفروض أن العملية التعليمية تكون قد استقرت ووضُحت ملامحها، ولأننا نريد أن نناقش المضمون فلن نتطرق إلى الطفل الباكى، ولن نتحدث عن التابلت، الحلم الذى لم يتحقق، ولن نواجه الوزير بتصريحاته المتناقضة، حتى لن نتطرق للاستقالات الكثيرة من شخصيات هامة فى ديوان الوزارة، والتى تلقى بظلال من الشك فى ما يحدث فى الوزارة المعنية بالتطوير!

 

كما لن نتحدث عن عدم جاهزية المدارس بسبب نقص المقاعد أو نقص المعلمين، فبعيدًا عن كل المشكلات التى يصرخ بها المعلمون والموجهون والمديرون، إذ إنها مشكلات متراكمة منذ أعوام سابقة ولن يتم حلّها لا الآن ولا بعد خمسين سنة، تعالوا نرصد أول إيجابية، وهى أن مناهج الصف الأول مختلفة جدا عن المنظومة السابقة، ومكتوبة بطريقة جديدة ومطبوعة بشكل مناسب.

 

ثانيًا، الكتب تم تسليمها للطلاب فعلًا فى موعدها ومن أول يوم، وهذا عمل رائع يُشكَر عليه الوزير وفريقه، تمام كده؟! لكن هناك بعض السلبيات البسيطة التى ظهرت بعد أول أسبوع، وقبل رصد السلبيات دعنا نُذكر بعضنا بعضًا بالأرقام المهمة، فمصر فيها -حسب الجهاز المركزى للإحصاء والتعبئة- 16196 مدرسة ابتدائى حكومى (مش هتكلم عن الخاص) بمجموع 207292 فصلًا لعموم الصفوف الستة الدراسية، تقريبًا منها 35 ألف فصل ابتدائى، أى 35 ألف معلم فصل.

 

وهنا يظهر سؤال، هل تم تدريب كل معلمى الفصل الأول؟ الإجابة بصوت عالٍ وقاطع: لا! ولو هناك تدريبات فتقريبًا بنسبة واحد إلى أربعة، أى كل أربعة فصول منها معلم واحد فقط هو مَن تلقى التدريب. طيب، هل تلقى الموجهون الذين يشرفون على هؤلاء المعلمين أى تدريب؟ قولًا واحدًا، وعلى مسؤوليتى الشخصية، لم يتلقَّ أى من الموجهين فى التعليم الابتدائى أى تدريب، طيب مديرو المدارس، هناك جزء من المديرين تلقوا التدريب، والجزء الآخر لم يتلق.

 

إذن، لدينا مشكلة عويصة جدا، متمثلة فى أن كثيرًا من المعلمين «مش فاهمين المنهج الجديد» ولم يتعرفوا عليه، وفكرة أن مَن تلقى التدريب عليه أن ينقل التدريب للآخرين فكرة كارثية، لأن المعلم نفسه مش فاهم التدريب إلى الآن! كما أن كثيرًا من المعلمين مش مقتنعين بالمضمون، وبالتالى غير قادرين على مواكبة هذا المنهج المكتوب. السلبية الثانية أن المعلمين الذين حضروا التدريب، والشهادة لله منهم مَن لديه رغبة حقيقية فى تطبيق المنظومة، هؤلاء لديهم إشكاليات فى فهم المنظومة من أساسها! وهذا طبيعى نظرًا لتعدد الأفهام، ولأن هذا أمر جديد على التربية والتعليم، فلا يمكن أن يتخيل معالى الوزير أن الجميع سيفهمون من التدريب الجماعى الذى لا يقل عدد الحاضرين فيه عن مئتى معلم فى كل قاعة، فى ظروف تدريبية شاقة جدا، يعنى من الطبيعى أن تتفاوت أفهامهم، ومن هنا تظهر التباينات بين المعلمين، التى كان من المفترض أن الموجه هو الفيصل فيها، وطبعًا الموجهون لم يحصلوا على التدريب ومش فاهمين أى حاجة، وبالتالى هناك كم من التخبط، أجارك الله يا مؤمن!

 

السلبية الثالثة والأهم، والتى قصمت ظهر البعير، أن كل التساؤلات التى يحملها المعلمون أو السادة الموجهون للمسؤولين عن التدريب، لا نجد لديهم أى رد سوى أن «هذا ستجده فى كتاب دليل المعلم»، ولما سألنا المختصين عن كتاب المعلم، أطرقوا النظر إلى أسفل خجلًا، قائلين: لسه ماجاش! يا نهااااار! يعنى بعد أسبوعين اكتشفنا أن المعلمين لم يتلقوا التدريب الكافى، وأن مَن تلقوا التدريب مختلفون فى فهمهم للمنظومة، وأن الحل فى دليل المعلم، ودليل المعلم لسه ماجاش، لم يصل للمديريات، يعنى لم يصل للإدارات، يعنى لم يصل للمدارس! ودليل المعلم حجر الزاوية فى المنظومة وهو الفيصل فى شرح منهج الرياضيات المندمج فى كتاب الباقة، وبه شرح لطريقة التدريس، وفى النهاية لسه ماجاش؟ طيب بالله عليك، ادينى عقلك، المعلمون يعملوا إيه؟!
 

آخر سلبية حضرتك الجدول وتوزيع الفترات على المعلمين الذى يعد كارثة حقيقية، فعندما أعلنت وزارة التربية والتعليم عن نصاب المعلمين، الذين سوف يدرّسون للصف الأول الابتدائى فى المنظومة الجديدة، مع العلم أن الفصل الواحد سيُدرّس له معلمان اثنان، أحدهما للغة العربية والآخر للرياضيات، إضافةً إلى معلم لغة إنجليزية، فكان نصابهم كالتالى: معلم اللغة العربية 5 فترات، دين فترة ونصف، تربية بدنية فترة واحدة، تربية فنية فترة مقسمة على 3 نوافذ فى أيام مختلفة «توكاتسو» نافذة واحدة (بإجمالى 9 فترات)، معلم الرياضيات 5 فترات منها 60 دقيقة يومية وتستكمل بأنشطة متعددة 30 دقيقة لتكمل الفترة 4 فترات تخصصات متعددة فى الكتاب الموحد (بإجمالى 9 فترات)، معلم الإنجليزية فترتان بإجمالى 20 فترة، ويلغى مصطلح الحصة فى الصف الأول، ويوضع بدلًا منه مصطلح النوافذ، ونظام النوافذ أزمنته مختلفة حسب مرئيات المعلم، مش دى السلبية، السلبية، أو قُل الكارثة أن الوزارة عندما وضعت المنظومة الجديدة المتطورة قررت أن مَن يقوم بتدريس الصف الأول عدد 2 معلمين ومعلم إنجليزى فقط، يعنى هناك ثلاثة معلمين للفصل الواحد، اضرب ثلاثة فى 35 ألف فصل يعنى مدارس مصر تحتاج إلى 105 آلاف معلم ومعلمة على الأقل.

 

من غير كلام كثير، نعانى عجزًا فى تعيين المعلمين، والميزانية لا تسمح بتعيين معلمين ولا توجد تعاقدات ولا معلمون بالحصة ولا معلمون بدل مُعار، يعنى هناك عجز صارخ، يعنى كثير من المدارس ستكتفى بمعلم واحد ومعلم إنجليزى إلى جواره، هل عرفت الكارثة؟ هل جالك كلامى السابق الذى اتنبح صوتى علشان أوصلك معلومة واحدة فقط، أن هذه المنظومة حلم والواقع سيصدمنا؟ معلم واحد يعنى هناك أيام سيظل فيها مع الطلاب طوال اليوم، وربما هو من سيبكى ويترجى الطلاب: «أنام بس ربع ساعة، طيب أدخل الحمام، طيب آكل سندوتش الفول»، طبعًا حضرتك لا تعلم طبيعة المدارس ولا العمل فيها، المعلم يحتاج إلى أن يفصل ما بين حصصه ليستريح قليلًا ويستعيد قوته لمواجهة شقاوة الأطفال، وليتحملهم، خصوصًا أن الفصول ضيقة والكثافة عالية، وإياك أن تتخيل أن المدارس فيها تكييف مركزى يجعل الإنسان «ريلاكس»، المدارس، يا محترمين، ليس فيها رفاهية المراوح الصينى أُم تلاتة ريشة! المدارس فيها معدلات فوق الكثافة الطبيعية، والاختناق سيد الموقف.

 

وأرجوك يا معالى الوزير، لا تتلقَّ التقارير التى تنضح بكلمات المديح، أرجوك انزل بنفسك إلى مدارس صغيرة فى قرى ونجوع مصر فى زيارة مفاجئة حقيقية غير مرتب لها، ستُذهل من التباين بين ما تتخيله وما ستجده على الواقع، بعد أسبوعين من تطبيق المنظومة كل ما حذرنا منه حدث، وسقف الطموحات المرتفع خطر، لأننا إذا سقطنا سيُدق عنقنا، أرجو أن ينتبه الوزير وفريقه المعاون، وأرجو أن نستعد فى حال سقطنا جميعًا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات