.

انزعوا الأسـلاك الكـهربائية عن نـداء تـونس

Foto


حزب نداء تونس، أحدث التنظيمات السياسية التونسية وأكثرها جدلًا، هذا الحزب الذى أعلن الباجى قائد السبسى، عن تأسيسه فى شهر جوان- يونيو 2012، وظل رئيسًا له لحين فوزه بالانتخابات الرئاسية التونسية فى 2014، متخليًا إثر ذلك عن منصبه فى الحزب، ومستجيبًا لأحكام الدستور التونسى المانع للجمع بين الوظيفتَين.

 

يعيش هذا الحزب اليوم أزمة وجود خانقة هزت عرشه حديث التكوين، الذى قام على أنقاظ ما يسمى فى تونس بـ(الفكر البورقيبي) أو (البورقيبية)، نسبة إلى الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة. ورغم ما عرفه الحزب من انتصارات انتخابية خلال السنوات الست الماضية، ومصارعته الشجاعة على السلطة، لـ(العملاق اليميني) حزب النهضة الإسلامى، وما انفك على السير معه منذ تشريعية 2014 على طريق (التوافق) المزعوم الذى أعلن انتهاءه رئيس الجمهورية الباجى قائد السبسى خلال حوار تليفزيونى مباشر فى الرابع والعشرين من سبتمبر الماضى، بات بنيان هذا الحزب يتهاوى شيئًا فشيئًا اليوم، تشوه شكلًا ومضمونًا، بتتالى الاستقالات من كتلته داخل البرلمان وانسحاب أكثر الشخصيات الداعمة له، والمتسببة فى استمراريته. 
 

حزب فقد أكثر من 50 في المئة من كتلته داخل البرلمان
لم يتوقف مسلسل الاستقالات داخل الحزب بعد أن تعلل أصحابها  بـ(تغول ابن الرئيس حافظ قائد السبسى واستفراده بالقرار وتوجيه  دفة الحزب فى اتجاه الخيارات التى يريد)، ولقربه من شخصيات سياسية بعينها دون غيرها، متجاهلًا بذلك كوادر الحزب الأخرى.

 

فما ننفك نسمع خبر استقالة حتى تتلوها أخرى، لا سيما التى أعلن عنها ، يوم الأربعاء 3 أكتوبر، 4 نواب، هم: سماح بوحوال، وهالة بن عمران، ومحمد سعيدان، ولطفى النابلى، عن ولاية المنستير، أكبر معاقل الحزب، والتى سبق أن حذر رئيس الجمهورية ابنه من ممثليها فى حوار تليفزيونى مباشر، حتى ترتفع وتيرة الضغط على (السبسى الابن) ويظهر أكثر عزلة من ذى قبل.
 

خروج النواب الأربعة من كتلة نداء تونس فى مجلس نواب الشعب  جاء احتجاجًا على الأزمة التى (تعصف بالحزب)، وغياب (أى مؤشر لإصلاح وإنقاذ الحزب) ورفضًا للطرق الأحادية من جانب سفيان طوبال رئيس الكتلة داخل البرلمان، وَفق ما جاء فى بيان استقالتهم.
 

وباستقالة النواب الأربعة، يتقلص عدد نواب حزب نداء تونس إلى 39 نائبًا بعد أن فاز فى انتخابات 2014 التشريعية بـ89 مقعدًا من أصل 217 نائبًا.
 

لم يكن مسلسل الاستقالات هو السبب الوحيد المؤيد لبداية انهيار الحزب، إلا أن الأزمة الكبرى بين حافظ قائد السبسى المدير التنفيذى للحزب، ورئيس الحكومة  الحالى يوسف الشاهد، هى من الأسباب الأكثر خطورة على استمراريته.

 

تفاقم الأزمة بين شاهد والسبسى الابن تعصف بالحزب الآيل للسقوط
بدا جليًّا اليوم فى الساحة السياسية التونسية أن هناك أزمة حقيقية بين السبسى الابن ويوسف الشاهد العضو السابق فى الحزب، لا سيما بعد قرار الهيئة السياسية للحزب بتجميد عضويته فى التاسع عشر من سبتمبر الماضى وإحالة ملفّه إلى لجنة النظام، وَفقًا لأحكام الفصول 59 و67 و69 من النظام الداخلى للحركة، معللة ذلك برفضها مواقفه الأخيرة التى يعتبرها الحزب (محاولة لشق صفوفه بعد استقبال الشاهد لعدد من نواب كتلة الحزب وتشجيعهم على الانضمام إلى كتلة الائتلاف الوطنى المستقلة).

 

ويعتبر مراقبون أن هذا التجميد وإن أُعلن على لسان الهيئة السياسية للحزب إلا أنه بإيعاز من مديره التنفيذى (السبسى الابن)، وهو ما أثبت وجود خصومة فعلية بين القيادتَين الأكثر قربًا من (الرئاسة المعنوية) للحزب. هذه الأزمة عجز أطرافها عن تجاوزها أو حتى إخفاء مظاهرها، أو حتى الجلوس إلى طاولة التفاوض بغية المرور بالحزب إلى بر الأمان، فهناك مَن يعتبر أن (السبسى الابن) مستاء من (علو نجم) رئيس الحكومة الذى هو فى الأصل (صُنع) والده ووليد (صدفة سياسية) قد حاد عن مسارها يوسف الشاهد، سالكًا طريق طموح مشروع، حالمًا برئاسة الجمهورية التونسية فى 2019.
 

هذا الحلم ربما بات كابوسًا يؤرقُ (السبسى الابن) الذى بدوره لم يعد قادرًا على إخفاء رغبته الجامحة فى الوصول إلى نفس المنصب.
 

تعارض مصالح إذن عصف بحزب ما زال مؤسسوه يحلمون بلم الشتات، لكن يوسف الشاهد ربما كان أوفر حظًّا من خصمه، فلقد برزت (النهضة) فى الآونة الأخيرة كسد منيع أمام كل محاولات تنحيته وإسقاط حكومته، ولم تتوارى الأخيرة حتى من مواجهة أكبر المنظمات التونسية الفاعلة فى المشهد السياسى والاجتماعى وأقدرها على تحريك الجماهير العريضة، وهى الاتحاد العام التونسى للشغل.

 

السبسى الابن وحيدًا بين أروقة الحزب والسياسة
بعد خروج الأزمة المذكورة للعلن، بدأت تطفو على السطح علامات الاصطفاف، ويظهر للعيان شقان سياسيان داخل الحزب وعلى كوادره اختيار مكان الوقوف، إما فى صف حافظ وإما صف يوسف.. وإذ يعتبر مراقبون أن (النهضة) ليست الوحيدة التى تقف فى مؤازرة الشاهد، بل حتى بعض النواب المستقلين من كتلة نداء تونس فى البرمان، الذين كانت قراراتهم تكتيكية، أراد من خلالها أصحابها  إيصال رسالة واضحة غير معلنة إلى السبسى الابن مفادها (نحن فى صف الشاهد ونرفض التوريث).

 

ناهيك بانسحاب بعض الوزراء من حكومة الشاهد فى يونيو الماضى، وتقديم استقالتهم على غرار المهدى بن غربية الوزير السابق للعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدنى وحقوق الإنسان، الذى أدى دورًا محوريًّا فى الحفاظ على استمرارية حكومة الشاهد فى أحلك أزماتها، وكان خير المدافعين عن سياساتها التى اعتبرها محللون أشد  قسوة على المواطنين، على غرار قانون المالية لسنة 2018. انسحاب بن غربية من حكومة الشاهد جاء فى ظل ارتفاع الأصوات الرافضة للجمع بين العمل الحكومى والحزبى وحتى يتفرغ بن غربية لدعم يسوف الشاهد بطريقة ربما أكثر نفعية، عبر تكوين حزب جديد لم يعلن عن ملامحه وتوجهاته بعد.
 

كل ما ذكر سلفًا من أسباب يعتبرها محللون قد أجهزت على حزب نداء تونس ولم تبقِ من مظاهر استمراريته سوى أبواب مقره المفتوحة فى المنطقة الراقية بالبحيرة، وحتى هذا المقر الذى ربما لم يعد يرتاده أحد سوى مديره التنفيذى وبعض الموظفين.. لا سيما بعد استقالة وسام السعيدى مؤخرًا، الذراع اليمنى للسبسى الابن  وأكثرهم تأثيرًا على قراراته واختياراته بشهادة المقربين. دون أن ننسى ما انجر عن عملية القبض على ذراعه اليسرى، برهان بسيس، مهندس السياسات الاتصالية لنظام بن علِى والمدير السابق لوكالة الاتصال الخارجى سيئة الذكر، التى استخدمها المخلوع فى تلميع صورة نظامه، وحارب من خلالها معارضيه من الصحافة والإعلام والمجتمع المدنى.
 

فالحقيقة الظاهرة دون ريبة بأن السبسى الابن بات وحيدًا اليوم، وسط عاصفة سياسية هوجاء الكل يبحث فيها عن (التموقع) والاستئثار بما تبقى من الكعكة أو منصب فى حكومة لاحقة أو عضو فى  فريق رئيس الجمهورية القادم.
 

فبعد دخول برهان بسيس السجن والحكم عليه فى قضية فساد، يعلم (الندائيون) جيدًا أو ما تبقى منهم، أن السبسى الابن غير قادر بمفرده على صياغة بياناته وبلاغاته أو حتى تبليغ رسائله بشكل واضح لمنخرطى الحزب أو حتى للرأى العام عمومًا.
 

فلا يخفى على أحد أن بسيس منذ انضمامه إلى حزب نداء تونس، هو المالك الأصلى لـ(الريشة الذهبية) لأكثر بيانات الحزب غرابة وهجومية، لا سيما تلك التى توجه سهامها نحو خصم اليوم رئيس الحكومة يوسف الشاهد.
 

هذا الفراغ المحدث داخل الحزب، مما لا شك فيه سيفاقم تعمق أزمة وجوده وسيسارع عداد فنائه، إلا أنه من ناحية أخرى كان وجبة دسمة لبعض وسائل الإعلام التونسية لملأ فراغ برامجها، والحديث مطولًا أو أكثر مما ينبغى عن الأزمة السياسية داخل الحزب وتداعيتها.

منصات إعلامية مصرة على إنعاش الحزب (الميت إكلينكيًّا)
رغم تعدد الأسباب الواقعية لسير حزب نداء تونس فى اتجاه طريق الانهيار، على المستويين السياسى والشعبى، لا سيما بعد استئثار النهضة بغالبية الأصوات فى الانتخابات البلدية الأخيرة فى مايو 2018، ما زالت بعض المنصات الإعلامية فى تونس مصرة على (إنعاش) هذا الحزب والنفخ فى (روحه) من جديد وهو يحتضر .

 

فمن الغريب أن نرى بلاتوهات سياسية يومية، موضوعها الاستقالات والأزمة السياسية داخل الحزب وكأنه خبر على درجة قصوى من الأهمية، فى حين أن المواطن العادى قد تعود يوميًّا على سماع أخبار الاستقالات من حزب نداء تونس وكتلته فى البرلمان.
 

والسؤال هنا: لماذا ما زالت بعض وسائل الإعلام فى تونس تولى كل هذه الأهمية للأزمة السياسية داخل نداء تونس؟ ولم نرَ نفس التغطية الإعلامية لما حصل فى حزب حراك تونس الإرادة الذى يتزعمه الرئيس السابق، محمد المنصف المرزقى، يوم أعلن  80 عضوًا استقالتهم الجماعية من الحزب، وربما فعل الخبر فعلته فى نفس اليوم، ولم نجد لصداه أثرًا فى صباح اليوم الموالى.
 

ومن المريب كذلك أن يتصدر حزب نداء تونس مربع اهتمام بعض وسائل الإعلام رغم وجود ملفات اجتماعية واقتصادية وأمنية حارقة، ربما ذات أولوية عاجلة تفوق مقدار الاستقالات المتتالية و الخصومة بين السبسى الابن والشاهد، فلقد ذهب بعض الإعلاميين التونسيين إلى أن قاطرة البلد ستتوقف والاقتصاد سينهار فى حال استمر وضع النداء على حاله وتواصل صراع (الكبار) فيه.
 

كيف لنا كمواطنين الاقتناع بأن كل مشكلاتنا اليومية المتمثلة فى اختفاء المواد الأساسية من الأسواق كالزيت والحليب وغلاء المعيشة سببها خصومة لا ناقة لنا فيها ولا جمل، بين ابن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة؟! أو استقالات نواب برلمان لم يوفوا بوعودهم لمَن انتخبهم حسب تقارير عدة؟
 

من الغريب أن يصر بعض الفاعلين و(قادة الرأى) على إقناعنا بأن مصير البلاد بين يدى ابن الرئيس الجامح ورئيس الحكومة الطامح، رغم أنه من المعلوم عن أعمدة نجاح الديمقراطيات العريقة، أن تقدُّم أية دولة كانت يقوم على المؤسسات لا على الأشخاص.. وزراء ومسؤولون فى الدولة يواصلون سلسلة من الشطحات الإعلامية والتصريحات المخجلة، ربما لو وفروا جهدهم فى خدمة هذا الوطن وإصلاح مواطن خلله كان أسلم لهم.

 

...

خولة بوكريم
صحفية تونسية وباحثة فى الشؤون الإفريقية

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات