.

!مَن أحرق مكتبة الإسكندرية؟

Foto

لو كان العرب بريئين من تهمة حرق مكتبة الإسكندرية فلماذا قال المؤرخون العرب ذلك؟ وإذا كانوا بالفعل أهل علم ويحضون على القراءة فلماذا رموا كتب بلاد فارس فى البحر؟


إذا كنت مسلمًا مقتنعًا بنقاء الفكرة الإسلامية وحامليها من الأوائل، ستقول إن اتهام المسلمين بحرق مكتبة الإسكندرية خرافة رددتها المصادر المسيحية وصدقتها، وصدقها كثيرون من كارهى الإسلام، وإن كنت غير مسلم ستجزم أن عمرو بن العاص استند إلى فتوى صريحة من عمر بن الخطاب وأحرقها.

 
وقد ذكرت مصادر إسلامية معتبرة هذه الحادثة بثقة وفخر، حيث ذكر المقريزى فى كتابه «المواعظ والاعتبار فى ذكر الخطط والآثار» أن يحيى النحوى المصرى الإسكندرانى دخل على عمرو بن العاص وطلب كتب الحكمة من الخزائن الملكية، وبعد أن سمع عمرو كلامه فى إبطال عقيدة التثليث، وشاهد حججه المنطقية، وألفاظه الفلسفية، كتب لخليفة المسلمين عمر بن الخطاب يستفتيه فى أمر مكتبة الإسكندرية وماذا يفعل فيها، فرد عمر قائلًا: «إذا كانت هذه الكتب لا تحتوى على شىء غير المسطور فى القرآن فهى كعدمها. وإذا كانت هذه الكتب تنافى ما جاء بالقرآن فهى ضارة ومؤذية لا يجب حفظها، إذن فعلى كلتا الحالتَين يجب حرقها وإبادتها من الوجود».
 
وفى رواية أخرى وردت عند عبد اللطيف البغدادى فى كتابه «الإفادة والاعتبار»، ونقلها عنه ابن القفطى فى «مختصر تاريخ الحكماء»، وأبو الفرج الملطى فى «تاريخ مختصر الدول» أن عمرًا قال: «أما الكتب التى ذكرتها، فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففى كتاب الله غنى عنها، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليها».
 
للعلم فقط، وحسب ويكيبيديا، ولكى نعرف فداحة إحراق مكتبة الإسكندية، فقد كانت أول وأعظم مكتبة عُرفت فى التاريخ وظلت أكبر مكتبات عصرها، أُنشئت على يد خلفاء الإسكندر الأكبر منذ أكثر من ألفَى عام، لتضم أكبر مجموعة من الكتب فى العالم القديم والتى وصل عددها، آنذاك، إلى 700 ألف مجلد بما فى ذلك أعمال هوميروس ومكتبة أرسطو. أمر بطليموس الأول بإنشائها سنة 330 قبل الميلاد، وتم الإنفاق عليها ببذخ فى عهد بطليموس الثانى، حيث قام بتوسعتها وإضافة ملحقات لها.
 
وتقول المصادر إنها أقدم مكتبة حكومية عامة فى العالم القديم -نفس المصدر- وقد حوت كتب وعلوم الحضارتَين الفرعونية والإغريقية، وبها حدث المزج العلمى والالتقاء الثقافى الفكرى بعلوم الشرق وعلوم الغرب، وهى نموذج للعولمة الثقافية القديمة التى أنتجت الحضارة الهلينستية التى نتجت عن تزاوج الحضارتَين، كما فُرض على كل عالم يدرس بها أن يدع بها نسخة من مؤلفاته، ولأنها كانت معقل العلم ومعقل البردى وأدوات كتابة مصر، حيث جُمع بها ما كان فى مكتبات المعابد المصرية وما حوت من علم أون، بالإضافة إلى تحرر علمائها من تابو السياسة والدين والجنس والعرق والتفرقة، فالعلم فيها كان من أجل البشرية، والعالم الزائر لها أو الدارس بها لا يُسأل إلا عن علمه لا عن دينه ولا عن قوميته.
 
الأدهى أن هذه الرواية «العربية» تقول إن عمرو بن العاص أمر باستعمال هذه الذخائر والنفائس كوقود فى حمامات الإسكندرية، «وظلت الحمامات تستخدمها كوقود لمدة ستة أشهر»، وأن المكتبة كانت تضم رواق أرسطاطاليس الذى كان يدرس به الحكمة، وأنه كان دار علم وفيه خزانة كتب، كما قال المقريزى، وأيده عبد الحسين أحمد الأمينى النجفى فى كتابه «الغدير»، وابن النديم فى كتابه «الفهرس»، وآخرون من المؤرخين المسلمين.
 
لكن علِى عفيفى علِى غازى، فى مقال له نشرته جريدة «الحياة اللندنية» بتاريخ 28 ديسمبر 2013، يضعِّف هذه الروايات «الإسلامية»، ذاكرًا أن «ما يلفت النظر أن المؤرخين الأوائل القريبين من وقائع الفتح العربى أمثال حنا النقيومى، وسعيد بن بطريق، وابن عبد الحكم، والبلاذرى، واليعقوبى، والطبرى، لم يذكروا شيئًا عن مثل هذا الحريق، الأمر الذى يؤكد أن حريق مكتبة الإسكندرية على يد العرب افتراء وخرافة، لأنه يتناقض مع تقاليد الإسلام ومبادئه، ويتفق غالبية النقاد على أن هذه القصة خيالية تواترت فى المصادر من دون أن يقوم على صحتها دليل مادى، فيحيى النحوى الذى تدور حوله الرواية لم يكن على قيد الحياة عام 642، ولو صح أنه كان حيًّا، لكان عمره وقتذاك يقرب من 120 سنة، فالمصادر التاريخية تشير إلى أنه كان معاصرًا لسفيريوس الأنطاكى عام 527، ولهذا فمن المؤكد أنه مات قبل مجىء عمرو بن العاص بثلاثين عامًا على الأقل».
 
الملاحظ أيضًا أن المثقفين المصريين المعاصرين الذين تعرضوا لهذا الموضوع، ضمن اهتمامهم بالروايات الإسلامية، مثل عباس محمود العقاد ود.محمد حسين هيكل.. وغيرهما، قد انحازوا إلى نفى تورط العرب فى حرق المكتبة، على قاعدة أن الإسلام يحض على العلم ويشجع العلماء، وأنا لا أنوى أن أنحاز مع أو ضد، ولكنى سأحاول تفنيد المطروح بحياد. فلو رجعنا إلى رأى علِى عفيفى علِى غازى السابق الإشارة إليه، سنجده يستند فى النفى، ضمن أسانيد أخرى، إلى أن الفعل «يتناقض مع تقاليد الإسلام ومبادئه»، فهل يتناقض بالفعل؟ الحوادث المشابهة تقول: لا، فقد ذكر مصطفى بن عبد الله فى كتابه «كشف الظنون» 1/446 -حسب مقال ليحيى الوكيل نشره على صفحته فى نوفمبر 2014- «إن المسلمين لما فتحوا بلاد فارس وأصابوا من كتبهم، كتب سعد بن أبى وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه فى شأنها وتنقيلها للمسلمين، فكتب إليه عمر بن الخطاب: أن اطرحوها فى الماء، فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله تعالى بأهدى منه، وإن يكن ضلال فقد كفانا الله تعالى. فطرحوها فى الماء وفى النار فذهبت علوم الفرس فيها». وفى 1/ 25 ذكر فى أثناء كلامه عن أهل الإسلام وعلومهم: «إنهم أحرقوا ما وجدوا من كتب فى فتوحات البلاد». وقال ابن خلدون فى تاريخه 1/ 32: «ولم يطلع عمر بن الخطاب على ما تحتويه المكتبات، لهذا استندت هذه الخطابات إلى أسس خاطئة، فكانت النتائج مدمرة للعالم كله، لأن مكتبه الإسكندرية كانت تحوى تسجيلًا كاملًا ودقيقًا لأسس حضارة العالم ومقوماته الفكرية والثقافية والعلمية، وعند تدمير الأساس -السجل الحضارى- انهارت العلوم ورجعت البشرية قرونًا من التخلف الحضارى». وقال فى مقدمته إن العرب ليسوا أهل علم، ففى الفصل الخامس والثلاثين ذكر «أن حملة العلم فى الإسلام أكثرهم من العجم».
 
والحقيقة أن هناك آراء -قديمة وحديثة- تقول إن مكتبة الإسكندرية لم تكن موجودة أصلًا وقت الغزو العربى حتى يحرقوها، منها المقال الذى كتبه د.نبيل لوقا بباوى فى جريدة «الأهرام» بتاريخ 18- 9- 2003 بعنوان «هل أحرق عمرو بن العاص مكتبة الإسكندرية؟» يقول فى مقدمته: «إن الخبر ورد فى دائرة المعارف البريطانية الطبعة الحادية عشرة، وتم حذفه فى الطبعة الرابعة عشرة بعد أن تأكد المحققون من عدم صدق هذا الخبر»، ثم قال: «والحقيقة المؤكدة أن عند دخول عمرو بن العاص للإسكندرية لم تكن مكتبة الإسكندرية موجودة حتى يحرقها، لأنه بالبحث العلمى والتاريخى ثبت أن المكتبة تم إحراقها عن آخرها فى عام ‏48‏ ق‏.‏م فى زمن الإمبراطور يوليوس قيصر إمبراطور الدولة الرومانية‏، فقد حضر يوليوس قيصر إلى الإسكندرية لفك النزاع القائم على حكم مصر بين كليوباترا وأخيها بطليموس الصغير‏، وقد أحس بطليموس الصغير أن الإمبراطور يميل إلى نصرة كليوبترا عليه نظرًا لجمالها‏، وفى أثناء وجود الإمبراطور فى القصر الملكى فى الإسكندرية حاصره بطليموس الصغير بجنوده، لذلك طلب النجدة من قوات من بلاد أخرى تابعة للإمبراطورية الرومانية‏،‏ وكان يوجد‏ 101 سفينة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط أمام مكتبة الإسكندرية وأمر يوليوس قيصر بحرقها حتى لا تستفيد منها القوات المحاصرة له، وامتدت النيران إلى مكتبة الإسكندرية فأحرقتها كلها».
 
هذه رواية مثقف مسيحى معاصر نشرت بجريدة «الأهرام»، تبرئ العرب من تهمة حرق المكتبة، وتنسبها إلى يوليوس قيصر الذى لم يقصد حرقها أصلًا، وإنما حُرقت خطأً، لكن هناك رواية مسيحية أخرى تدحضها، نشرت فى جريدة «الأهرام» كذلك بعد 14 عامًا، فقد كتب القمص أنجيلوس جرجس مقالًا بتاريخ 16- 7- 2017 بعنوان «الأقباط لم يحرقوا مكتبة الإسكندرية»، أكد فيه أن المكتبة كانت موجودة عام 640م، حين غزا العرب مصر، يقول: «ومن الغريب أن نجد بعض المؤرخين يتهمون الأقباط بحرق المكتبة، على الرغم من شهادة مؤرخين معاصرين مثل روفيموس وسوزومين وثيؤدوريس الذين شهدوا عكس ذلك. بل هناك شهادات بوجود المكتبة بعد هذا العصر»، فيقول أمنيوس الفيلسوف الإسكندرى الذى عاش فى القرن السادس: «إن مكتبة السيرابيوم بالإسكندرية تحوى كتبًا ويصفها بالاسم. وكان الفيلسوف أمنيوس معلمًا ليوحنا الغارمتيكى الذى كان يشغل منصب أمين مكتبة الإسكندرية عند الفتح العربى.
 
كل هذا يؤكد أن الأقباط لم يحرقوا المكتبة وكيف يحرقونها وقد حافظوا عليها طيلة القرون السابقة، بل كانت تخدم مدرسة الإسكندرية اللاهوتية. والأكثر من ذلك أنها كانت تحوى النسخة الأصلية للترجمة السبعينية للعهد القديم، كما كانت تحوى مخطوطات العهد الجديد منذ القرن الثانى، مما يؤكد حرص الأقباط على المكتبة والفكر والثقافة».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات