.

الحرب الأهلية الأمريكية الجديدة.. وكيفية مواجهة الركود الاقتصادى القادم

Foto

كيف تواجه أمريكا الركود الاقتصادى القادم؟ هل هناك معركة بين أمريكيى الريف والقرى الصغيرة وأبناء المدن؟ مَن منا يتوقع عدلًا من بريت كافانو؟


 

ترجمة: أميرة جبر عن «نيويورك تايمز»

 

لقد بدأت رحلتى المهنية كصحفى بتغطية الحرب الأهلية فى لبنان. ولم أكن أبدا لأتخيل أننى سأنهيها بتغطية الحرب الأهلية فى أمريكا.

 

ولعلنا لم نصل بعد إلى الحرب الأهلية، ولكن إذا لم نستدر الآن، سنصل إليها بكل تأكيد، الأمر الذى جاء وصفه الأفضل من السيناتور جيف فلايك يوم الإثنين: «القبلية تدمرنا، إنها تمزق بلادنا. وهذه ليست بطريقة يتصرف بها أشخاص بالغون عاقلون».
 

ولقد عانينا، بالطبع، من نوبات صراع اجتماعى حاد منذ الحرب الأهلية الأمريكية عام ١٨٦١. لقد نشأت إبان اغتيال مارتن لوثر كينج الابن واحتدام المعارك فى الشوارع على الحقوق المدنية وفيتنام. ومع ذلك، أشعر أن اللحظة الراهنة أسوأ، فهى أقل عنفا لحسن الحظ، لكنها انقسامية على نطاق أوسع كثيرا. وثمة انفصال عميق يحدث فى ما بيننا، وبيننا وبين مؤسساتنا، وبيننا وبين رئيسنا.
 

لسنا قادرين على إيجاد أرضية مشتركة نختلف باحترام عليها، فالجانب الآخر هو «العدو». نصرخ فى وجوه بعض على التليفزيون ونتوقف عن متابعة بعض على «فيسبوك» ونلقى بعضنا بقذائف هاون لفظية على «تويتر»، والآن الجميع موجود فى ساحة المعركة الرقمية، ليس مجرد الساسة.
 

وبطول البلاد وعرضها، قبيل حفلات العشاء أو حفلات الـ«بلوك»، يردد الناس بتزايد عبارة «أتمنى أن لا يكون أى منهم موجودا» فى إشارة ليس إلى أشخاص من عرق أو دين آخر -وهو أمر سيئ بما كان- إنما لأشخاص من حزب سياسى آخر.
 

ولم يعد هناك شىء مقدس. لقد دافع بريت كافانو منذ بضعة أيام عن نفسه بنوع الهجمات الحزبية الكريهة ونظريات المؤامرة القبيحة التى قد تتوقعها من مقدم برامج حوارية إذاعية، ليس أبدا من قاض يرغب فى الانضمام إلى المحكمة العليا. مَن منا الآن يتوقع عدلا منه؟
وكل هذا التشقق يحدث بينما ترتفع معدلات البورصة وتسقط معدلات البطالة. هل تتخيلون الوضع عندما نواجه الركود الاقتصادى القادم؟

 

كما أشعر أن هذا الأمر أسوأ من الانقسامات حول فيتنام والحقوق المدنية، لأن فى تلك الأيام كان هناك ٣ قوى كبرى تجمعنا نفتقدها اليوم، وهى الطبقة الوسطى المتنامية والحرب الباردة وحزب جمهورى عاقل.
 

وفى أثناء معظم الفترة التى أعقبت الحرب العالمية الثانية، كان أغلب الأمريكيين على يقين من أنهم سينتمون إلى الطبقة الوسطى وأبناؤهم من بعدهم. فقد كانت الاتحادات القوية والوتيرة الأبطأ للتغير التكنولوجى والعولمة المحدودة تعنى أن عاملا متوسط المستوى بمهارات متوسطة يستطيع الانتماء إلى الطبقة الوسطى. وكان هناك شىء اسمه «وظيفة متوسطة المهارات، عالية الأجر».
 

كما أن تصويب السوفييت لمسدس نووى على رؤوسنا كان يعنى أنه يجب علينا البقاء سويا إلى حد ما. فقد جعل الحلول الوسط فى واشنطن ضرورة، لا رفاهية، فى العديد من القضايا.
غير أنه فى مطلع الألفينيات اختفت أغلب الوظائف متوسطة المهارات عالية الأجر. والآن، لا توجد سوى وظائف عالية المهارات عالية الأجر، وأخرى منخفضة المهارات منخفضة الأجر. وقد كسر ذلك الطبقة الوسطى وترك خلفه الكثيرين. وكان انتهاء الحرب الباردة معناه أنه لم يعد هناك عدو أجنبى يربطنا ببعض، باستثناء فترة وجيزة عقب ١١ سبتمبر. كما أن الحزب الجمهورى قد فقد وجهته.

 

ولذلك، فمن الصعب جدا الوصول بحرب جيلنا الأهلية إلى هدنة، وهناك جبهات عديدة. فهناك المعركة بين أولئك الذين يشعرون أن الحلم الأمريكى قد فلت من قبضتهم وأولئك الذين يشعرون أنهم يستطيعون تمريره بسهولة لأبنائهم. وهناك المعركة بين أمريكيى الريف والقرى الصغيرة وأبناء المدن المتحذلقين، مع العلم أن أهل القرى متأكدون من نظرة أبناء المدن لهم بدونية. وهناك المعركة بين أمريكيى الطبقة العاملة البيض الذين يشعرون أن هويتهم تضيع فى بلد غالبيته أقليات بشكل متزايد، والأمريكيين الذين يتبنون تعدد الثقافات. وهناك المعركة بين الرجال الذين لا يزالون يعتقدون أن نوعهم كذكور يمنحهم سلطات وامتيازات، والنساء اللاتى تتحدى ذلك. هناك مجالات عديدة للخلاف.
 

ولم نفقد فحسب المصدات والوسائد التى كانت لدينا ذات مرة، بل جاء جيل من الزعماء، بقيادة دونالد ترامب، جعل من تأجيج الانقسامات نموذجا للعمل.
 

والمسألة فى جوهرها هى أننا انتقلنا من «الحزبية» التى كانت لا تزال تسمح فى النهاية بحلول وسط إلى «القبلية» التى لا تسمح بذلك كما شرح العالم السياسى نورمان أورنستين، الذى اشترك مع توماس مان فى تأليف كتاب «الأمر حتى أسوأ مما يبدو.. كيف اصطدم النظام الدستورى الأمريكى بسياسات التطرف الجديدة». ففى العالم القبلى، إما تحكم أو تموت، الحلول الوسط خطيئة، ويجب سحق الأعداء والإمساك بالسلطة بأى ثمن.
 

وأشار أورنستين إلى أنه من السهل لوم الجانبين على هذا التحول، إلا أن هذا ببساطة ليس حقيقيا، إذ قال إن انتهاء الحرب الباردة أعقبه «إدخال السياسة القبلية على يد نيوت جينجريتش عندما جاء إلى الكونجرس منذ ٤٠ عاما»، ثم أتقنها ميتش ماكونيل فى أثناء رئاسة باراك أوباما عندما أعلن ماكونيل نيته استخدام تكتله الجمهورى بمجلس الشيوخ ليفشل أوباما كاستراتيجية لإعادة الجمهوريين إلى السلطة.
 

وقد قاموا بهذا على الرغم من أنه كان يعنى إحباط خطة أوباما للرعاية الصحية، التى كانت مبنية على أساس أفكار جمهورية، وعلى الرغم من أنه كان يعنى التخلى عن مبادئ جمهورية راسخة -مثل الانضباط المالى وتحالف أطلنطى قوى والتشكيك فى النوايا الروسية والتعامل المتوازن مع الهجرة- لجذب قاعدة ترامب.
 

وقد استدعى فلايك، السيناتور الجمهورى عن أريزونا المنتهية مدته، ذلك هذا الأسبوع: «لقد استسلمنا نحن الجمهوريين للاندفاعات القبلية الرهيبة، التى تخلط أولا بين خصومنا وأعدائنا، ثم ننشغل تماما بالإيمان بضرورة تدمير هذا العدو».
 

وقد بلغ تحول الحزب الجمهورى إلى القبلية ذروته عندما أنكر ماكونيل على أوباما حقه الدستورى فى تعيين قاض بالمحكمة العليا وكان لا يزال يتبقى فى فترته ما يقرب من عام. وكما قالت الإذاعة الوطنية العامة «إن. بى. آر»: «كثيرا ما كانت اختيارات المحكمة العليا جدالية. فقد كانت هناك جلسات استماع خلافية ومناقشات مفتوحة وأصوات متنازع عليها». ولكن، أن يتم تجاهل مرشح تماما، وكأنه لا يوجد خلو للمقعد؟ ولم يكن هناك سابقة لتصرف كهذا منذ الفترة المحيطة بالحرب الأهلية.
 

فى خطاب فى أغسطس ٢٠١٦، تفاخر ماكونيل قائلا: «كانت واحدة من أكثر لحظاتى مدعاة للفخر عندما نظرت إلى باراك أوباما فى عينيه وقلت له: سيدى الرئيس، لن تملأ مقعد المحكمة العليا الشاغر».
 

تلك كانت نقطة تحول، وكان ذلك غشا. فما قام به ماكونيل كسر شيئا كبيرا جدا. وبالتأكيد، سيميل الديمقراطيون الآن إلى القيام بالأمر نفسه عندما يحصلون على السلطة لذلك، وهكذا يتفكك نظام عظيم للحكم مبنى على ضوابط وتوازنات دستورية ومؤسسات قوية وأبسط قواعد اللياقة.
 

وقد مر علىَّ للدردشة بعد جلسة استماع كافانو الأسبوع الماضى صديقى عقيد المارينز المتقاعد مارك مايكلبى، وتحسرنا على اللحظة، وعلق قائلا: «عندما خرجت من البنتاجون بعد ٢٨ عاما بالزى العسكرى، لم أعتقد أبدا أننى سأقول هذا، لكن ما يحدث سياسيا فى أمريكا اليوم تهديد أخطر كثيرا من أى تهديد واجهته أمتنا فى حياتى المهنية بما فى ذلك الاتحاد السوفييتى. ولم أكن أعتقد ذلك لأن هذا التهديد هنا والآن، فى ديارنا، يأتى من داخلنا. وأظن أن المفارقة فى أن تكون أمة عظيمة هى أن القوة الوحيدة القادرة على إسقاطك هى نفسك».
 

وعندما أنظر اليوم إلى كل من يدفعون مسيرتهم المهنية إلى الأمام ويعبئون محافظهم بتقسيمنا، لا أملك إلا أن أتساءل: هل يعود هؤلاء ليلا إلى بيوت فى جزر فى عرض البحر حيث لا يهم أى من هذا؟ هل حقا يعتقد هؤلاء أن أبناءهم لن يدفعوا ثمن السموم التى يبيعونها وينشرونها؟ لا تقلقوا، أعلم الإجابة: لا يفكرون ولن يوقفوا ما يفعلونه.
 

ما الذى يوقفهم إذن؟ عندما تجتمع أغلبية من الأمريكيين، لا يزالون فى يسار الوسط ويمين الوسط، للتصويت فقط لصالح مشرعين لديهم الشجاعة للمطالبة بوقف ذلك، والآن، وحالا، ليس عندما يكونون فى طريقهم لترك المنصب أو على فراش الموت.

 

...


توماس فريدمان
صحفى وكاتب أمريكى، فاز بجائزة «بوليتزر» ٣ مرات عن تغطيته من لبنان عام ١٩٨٣ وتغطيته من إسرائيل عام ١٩٨٩ وللتعليق عام ٢٠٠٢، يكتب عمودًا متخصصًا فى الشؤون الخارجية بجريدة «نيويورك تايمز» كل أحد وأربعاء.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات