.

جبل العلاقات الأمريكية السعودية الذى لم تهزه ريح فجاجة تصريحات ترامب

Foto

هل يمكن تفسير تصريحات ترامب فقط فى سياق الظرف الانتخابى المقبل فى أمريكا؟ كيف جاء رد محمد بن سلمان هادئًا ومتوازنًا لكنه لم يرقَ لحدة الموقف واللهجة السعودية إزاء مواقف وتصريحات أخرى؟


جاءت التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكى دونالد ترامب حول طلبه المزيد من الأموال من المملكة العربية السعودية مقابل ما اعتبره حماية لها وللأسرة المالكة فيها، لتمثل تجاوزا غير مسبوق فى تاريخ التصريحات السياسية والدبلوماسية، وهى التصريحات التى تكررت أكثر من مرة خلال عدة جولات انتخابية فى ولايات أمريكية لدعم مرشحى حزبه فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس التى ستجرى فى نوفمبر المقبل والتى تمثل اختبارا هاما لترامب نفسه ومستقبله فى رئاسة الولايات المتحدة إذا ما شهدت تركيبة الكونجرس بمجلسيه تغييرات هامة لصالح الحزب الديمقراطى فى تلك الانتخابات.

 

وبعد أيام من التساؤلات السياسية والإعلامية فى دوائر متعددة حول رد الفعل السعودى تجاه تلك التصريحات، خصوصا بعد أن أشار ترامب إلى أنه نقل مضمون تصريحاته للعاهل السعودى فى اتصال هاتفى جرى الأسبوع الماضى، وكذلك فى ظل صمت سعودى خيم لبضعة أيام رغم ردود سابقة حادة وشديدة اللهجة إزاء كندا وألمانيا على سبيل المثال، حتى جاء الرد هذه المرة من ولى العهد السعودى محمد بن سلمان، خلال حواره المطول مع شبكة بلومبرج الذى عاد به لدائرة الضوء مجددا بعد فترة من الغياب الذى أثار العديد من علامات الاستفهام، قبل أن يبدأ خلال الأسابيع القليلة الماضية فى الظهور مجددا سواء عبر زيارته للكويت أو حواره مع الشبكة الأمريكية، والذى رد خلاله بهدوء على حديث ترامب معتبرا أن السعودية لا تواجه أى مخاطر حقيقية على أمنها، وأنها تدفع ثمن السلاح الذى تشتريه من الولايات المتحدة على مر تاريخ العلاقات بينهما، ومشيرا كذلك للخلافات السابقة مع الإدارة الأمريكية وقت رئاسة أوباما وأن السعودية غيرت من توجهها لشراء السلاح من مصادر مختلفة بعد وصول ترامب للرئاسة، فى إشارة واضحة للموقف السعودى المراهن على ترامب بدرجة كبيرة، وفى نفس الوقت أكد ابن سلمان أنه يحب العمل مع ترامب، وأن هذه التصريحات ليست سوى خلاف اعتبره يمثل نسبة 1% فقط من مجمل الأمور والمواقف فى العلاقات بين البلدين.
 

ورغم مدى تجاوز ترامب فى تصريحاته الأخيرة، ورغم كونها فى مناسبات انتخابية وهو ما دفع كثيرا من التفسيرات للربط بين كونها امتدادا لخطابه الشعبوى لقواعده الانتخابية لضمان تصويتهم لصالح مرشحى الحزب الجمهورى فى الانتخابات المقبلة، فإن هذه لم تكن المرة الأولى التى يردد فيها ترامب مضمون نفس التصريحات، سواء قبل انتخابه رئيسا لأمريكا أو بعد ذلك، وبما فى ذلك خلال زيارته للسعودية التى شهدت توقيع صفقات عسكرية واقتصادية بمبالغ طائلة مثلت انتصارا لرؤية ترامب وتوطيدا لتحالفه مع السعودية، كما تكررت نفس معانى تلك التصريحات فى أثناء زيارة ولى العهد السعودى للبيت الأبيض فى مارس الماضى، كما ردد ترامب كثيرا فكرة ضرورة حصول أمريكا على مقابل حمايتها ودفاعها عن دول عديدة بالذات الدول الثرية منها، وهو ما كرره حتى فى خطابه الأخير أمام الأمم المتحدة، وهى الفكرة التى ينطلق منها ترامب وإدارته لضرورة حصول أمريكا على مقابل أدائها لدور شرطى العالم، مع تخفيف وطأته على حساب تحميل الدول الأخرى مسؤولية التصدى للتحديات والمخاطر التى تواجهها وبالذات فى منطقة الشرق الأوسط، وهو ما تم تضمينه مثلا فى الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمواجهة الإرهاب التى وقعها ترامب مؤخرا، والتى بقدر ما تركز على مواجهة إيران والتنظيمات الإرهابية، فإنها أيضا تتضمن ضرورة تقاسم الأعباء مع الدول الأخرى فى مواجهة تلك التحديات، وهو ما يمثل استمرارا لنزوع ترامب نحو فكرة أمريكا أولا وانسحابها التدريجى من الأزمات السياسية والعسكرية دون أن تفقد مساحات تأثيرها ونفوذها الدولى من خلال صفقات السلاح والاقتصاد وغيرها بالذات مع الدول الحليفة.
 

من هنا يمكن فهم أن هذه التصريحات ورغم أنها جاءت الأكثر فجاجة، فإنه لا يمكن تفسيرها فى سياق ظرف الانتخابات، أو كونها موقفا جديدا، بل هى فى الحقيقة تعبير عن جوهر قناعات وتوجهات ورؤية ترامب، ومن هنا أيضا فإن ردود محمد بن سلمان فى حواره الأخير ورغم كونها هادئة ومتوازنة، فإنها بالتأكيد لم ترقَ لا من حيث الأسلوب واللهجة ولا من حيث المضمون إلى ردود الفعل السعودية تجاه مواقف وأزمات مع دول أخرى رغم أنها قد تكون أقل حدة وفجاجة فى طبيعتها مما قاله ترامب، لكن الخلاصة تبقى هو أن هذه الردود تعبر عن أنه لا مفاجأة بالتأكيد فى تصريحات ترامب بل وإدراك لأن هذه طبيعة تصوراته وفهمه للعلاقات مع السعودية ودول الخليج وغيرها أيضا، خصوصا فى ظل عقلية رجل البيزنس والصفقات التى تحكم منهجه ومواقفه، لكن فى الوقت ذاته فإن محمد بن سلمان والنظام السعودى وكذلك الأنظمة العربية بشكل عام تتمسك بالرهان على ترامب، ولعل قول ابن سلمان بأنه يحب العمل مع ترامب وحصره لمساحة الخلافات فى حدود 1%، تؤكد تماما أن أزمة تلك التصريحات والرد عليها لن تكون لها الكثير من التوابع المنتظرة فى طبيعة العلاقات السعودية الأمريكية خلال الفترة المقبلة، خصوصا فى ظل تقارب المواقف فى العديد من الملفات والقضايا، وبالذات ما يتعلق منها بإيران وأدوارها فى المنطقة، التى تكاد تتطابق الرؤى الأمريكية السعودية حاليا بخصوصها، وإن كان ذلك كله لن يمنع أننا قد نشهد فى الأسابيع والشهور المقبلة تصريحات جديدة مشابهة من ترامب، سوف يظل تفسيرها فى إطار مساعيه للضغط من أجل الحصول على مزيد من الصفقات لصالح أمريكا وتحصيل المزيد من الأموال من السعودية وغيرها من الدول، وهو ما قد يسفر عن صفقات أخرى كبيرة مستقبلا، ورغم التوجه السعودى لمزيد من الانفتاح فى العلاقات السياسية أو الصفقات التجارية والعسكرية وغيرها على دول أخرى، فإن ذلك لا يمثل فى أى مدى قصير أو متوسط ربما تغييرا لطبيعة العلاقات السعودية الأمريكية ومدى تماسكها بالذات كما أشرنا فى ظل تقارب المواقف الكبير فى ما يعتبره البلدان التهديد الرئيسى لهما وهو إيران.
 

ورغم ما قد يتبدى من خلافات أو انتقادات فى ملفات أخرى، سواء فى ما يتعلق بصفقة القرن التى يبدو الموقف السعودى منها متراجعا بشكل ما خلال الفترة الأخيرة، أو الحرب التى تقودها السعودية فى اليمن، أو الأزمة مع قطر، أو غيرها من الملفات، التى تبدو فيها المواقف الأساسية متقاربة لكن تبقى الخلافات فى التفاصيل، بل وحتى أزمة اختفاء الكاتب السعودى جمال خاشقجى الأخيرة والأقاويل المتزايدة حول احتمالات مقتله، كما قد تمتد لانتقادات أمريكية رسمية ومعلنة إذا ظهرت دلائل جادة على ما يتردد حاليا، وهى الأزمة التى سوف تؤثر تداعياتها خلال الفترة المقبلة بدرجة كبيرة سياسيا ودوليا على الصورة التى تحاول السعودية ومحمد بن سلمان ترويجها.

 

ورغم أن ولى العهد حاول فى حواره الأخير الظهور بصورة الرجل الذى لا يهمه ما يقوله العالم عنه وأن كل ما يهمه هو مصلحة بلده وشعبه والقيام بما يراه صحيحا فى ذلك، فإن الجميع يدرك مدى أهمية الصورة التى يتم تصديرها عن محمد بن سلمان لمستقبله ومشروعه خارجيا وغربيا وبالذات لدى الولايات المتحدة، وجزء من هذه الصورة هو مدى تحقيقه لمصالحهم وفى ذات الوقت تقديمه لصورة مغايرة عن الصورة النمطية للسعودية خلال الفترات السابقة، خصوصا فى ظل ما يبدو سائدا من انطباعات عن تعثر نسبى فى أفكار ومشروعات الرجل وما يسميه إصلاحا لا يمتد بالتأكيد للجوانب السياسية، وهو ما بدا فى أسئلة بلومبرج وصياغتها ونقاشاتها وتدقيقها المطول فى إجابات ولى العهد السعودى والأرقام التى يذكرها والتواريخ التى يحددها، وهو بالتأكيد ما لم نكن لنشهده فى أى حوار مع صحيفة سعودية أو عربية أخرى.
 

ومع ذلك فإن هذه القضايا وغيرها مما قد يعتبره محمد بن سلمان ضمن نسبة الـ1% التى لا تؤثر على طبيعة العلاقات بين الحلفاء والأصدقاء، ولعل صورة ذلك سوف تتضح بشكل أكبر بعد نهاية الانتخابات الأمريكية المقبلة فى نوفمبر، وما هو متوقع بعدها من إعلان ترامب حسب تصريحاته مؤخرا للإعلان عن تفاصيل صفقة القرن، وكذلك القمة المنتظرة المتوقع أن تجرى فى يناير المقبل للتشاور حول فكرة تشكيل تحالف أمريكى عربى والمسماة بالناتو العربى، ولعل هذين الحدثين سوف يكشفان الكثير حول حجم الاتفاق والخلاف فى المواقف الأمريكية السعودية، كما سيكشفان أيضا عن طبيعة التنازلات أو الترضيات أو الاتفاقات التى يمكن لكل طرف أن يقدمها للآخر مقابل الحفاظ على علاقات لا يتوقع فى ظل الظرف الإقليمى أو الدولى الراهن أن تتعرض لاهتزازات كبيرة، حتى ولو على خلفية تصريحات هى فى حقيقتها تمثل أكبر مساس بأية مفاهيم للكرامة والسيادة والاستقلال، لكن هؤلاء الذين يراهنون على ترامب يعرفون أن هذه طريقة تفكير الرجل ومع ذلك فهم يواصلون رهانهم الذى قد يصبح مهددا قريبا فى حال حدوث تغيرات سياسية درامية فى الولايات المتحدة خلال الشهور المقبلة أو حتى مع حلول موعد الانتخابات الأمريكية المقبلة فى 2020.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات