.

المعلمون أولًا يا سيادة وزير التعليم

Foto

مِن أين جاء وزير التعليم بإيمانه العميق بنظرية المؤامرة؟ مَن الذى يتآمر على التعليم فى مصر؟


أخذ التعليم فى الفترة الأخيرة اهتماما بالغا من كتاب الرأى وآخرهم عمرو الشوبكى وعماد الدين حسين، مع حفظ الألقاب للجميع، فالشوبكى بدا متأثرا بشدة بقضية مدارس اللغات التى أراد الوزير تفريغها من اللغة الأجنبية، ورغم تأثر الشوبكى الكبير بهذا الأمر، ربما لأنه يمسه بشكل شخصى على ما أعتقد، فإننى مع كلام الوزير، ففكرة اشتراك لغتين فى مرحلة التعليم الأولى تقول الأبحاث الماليزية إنها جاءت بنتائج سلبية وإنهم أرجؤوا اللغة الثانية للمرحلة الإعدادية.

 

لا أدرى إن كانت هناك أبحاث أخرى مختلفة أم لا، ولا تقارن الأمر بمصر، نحن نتحدث عن تعليم كفء، أحدهم باللغة الأولى فقط، وأحدهم بالاشتراك مع لغة ثانية، ولا مجال للمقارنة بين تعليم كفء فى مدارس اللغات وتنطبق عليه معايير الجودة، وتعليم آخر لا يتمتع بأى معيار من معايير الجودة، فهذه مقارنة فى غير محلها فمن أصول المقارنة تثبيت العوامل كلها ما عدا العامل محل البحث وهو اللغة الثانية مع اللغة الأولى فى هذا الأمر، ولكن الشاهد فى الأمر أن الشك قائم بشكل كبير بين النخبة من ناحية والحكومة، وكذلك بين عموم الشعب والحكومة، وهذا ما يحتاج إلى علاج حقيقى وتتحمل الحكومة والنظام المسؤولية الأساسية عن بناء جدار الثقة من جديد.

 

أما عماد الدين حسين فقد تحدث عن أمر يخص مدينة ٦ أكتوبر، معلقا على مشهد عربة نصف نقل تنقل طلابا فى مراحل مختلفة، فى مجازفة واضحة بأرواحهم، وألحق الأمر بالمرور وعدم جديته فى مواجهة تلك المخالفات، وضرورة توفير مواصلات آمنة تغطى كل الخطوط، ولأن الموضوع يخص مدينة ٦ أكتوبر التى أقطن بها، وعلى دراية معقولة بأحوالها، فإننى أكاد أجزم بأن منظومة المواصلات وشبكتها فى ٦ أكتوبر تصل لدرجة جيد وربما جيد جدا، خصوصا وأنهم قد أفردوا تراخيص كثيرة جديدة لميكروباصات تحمل خطا أصفر غطت عدة خطوط كانت مقصورة على سيارات الصندوق القادمة من الفيوم، ولكن المشكلة فى سعر المواصلات الداخلية الذى يصل إلى 3 جنيهات، وبعض المسافات تحتاج إلى مواصلتين وليست مواصلة واحدة، وبعض المسافات ذات الكثافات السكانية القليلة حتى الآن يغطيها التوكتوك.

 

وأحد الأسباب المهمة لعمل سيارات نصف النقل بهذه الطريقة هى توفير سعر المواصلات المتعددة إلى وسيلة أرخص، فربما يتم توزيع مبلغ عشرين جنيها للسيارة مقابل نقل عشرة طلاب أو عشرين فيكون نصيب الفرد جنيهًا أو جنيهين، بديلا عن عشرة جنيهات أو عشرين للفرد الواحد فى مواصلات متعددة وتوك توك، والبديل إذا منعت المرور تلك المواصلات غير الآمنة هو غياب هؤلاء الطلاب عن المدارس لأن أسرهم البسيطة لا تتحمل أعباء المواصلات، فالموضوع معقد ومركب بشكل كبير.
 

المعلمون أولًا ليس شعارا ترفعه المعارضة فى وجه الوزارة، ولكنه مشروع ترفعه الوزارة فى وجه المجتمع، وكان الهدف فى البداية 50 ألفا كما صرحت الوزارة بحيث تتم تغطية مدارس مصر بهذا المشروع، وأن يتولى المتدربون الأوائل فى هذا المشروع تدريب بقية زملائهم، وهو مشروع طموح بالتأكيد يعتمد أساليب تعليم واستراتيجيات مختلفة، تعتمد على المشاركة والعصف الذهنى وعدد كبير من الاستراتيجيات التى أنتجتها مراكز التربية ليس فى مصر ولكن فى العالم المتقدم، منها تحويل التعليم إلى ألعاب يمارسها الطلاب فى حوش المدرسة، والمشروع نفسه انطلاقا من اسمه، المعلمون أولًا، قال فى مقدمته إنه من دون معلم يتمتع بمستوى معيشى لائق يحفظ للمعلم كرامته وإنسانيته، فإن المنظومة لن تكتمل، لأنها كالحلقات المتتابعة، الحلقة الأولى فيها هى المعلم.
 

هل تعلمون سباق التتابع الذى يشترك فيه أربعة عدائين ليوصل الأول العصاة للثانى ثم للثالث وهكذا ويسمى سباق التتابع، لو تعثر الأول لسبب ما فقد فشل السباق، والعداء الأول فى هذه المنظومة هو المعلم، وهو حافٍ ويعانى سوء تغذية وسوء تدريب، وبالتالى يعانى مشكلات نفسية تحتاج إلى علاج، استمعت إلى أحدهم فى العقد السادس وهو يتحدث بأسى بأن زميلى دراسته اللذين تخطاهما فى مجموع الثانوية العامة، أحدهما مستشار كبير فى القضاء، يحظى بوضع مالى واجتماعى متقدم للغاية، والآخر الذى دخل إلى كلية التجارة يعمل مديرا كبيرا لأحد فروع البنوك ويجلس فى مكتب مكيف فخم، وهو يرى حاله يجلس على ديسك متهالك من ديسكات الطلاب، وحكى أحدهم كيف دخلت متابعة من الوزارة واستنكرت عليهم كيف يجلسون على ديسكات الطلاب بينما الطلاب لا يجدون ديسكات يجلسون عليها، وحكى كيف احتد عليها الزميل قائلا: والمفروض مثلا إن احنا نقعد على الأرض! وإحدى المشكلات المتفاقمة كذلك، مشكلة «الكاتل» التى يستغلها المعلمون لتناول كوب شاى أو نسكافيه فى وقت الفسحة، وكيف يتم إخفاؤها عند زيارة متابع وكأنهم يتناولون شيئا مجرما كالمخدرات، فالوزارة تضن على المعلم أن يشرب كوب شاى فى وقت فراغه!

 

كل هذا أدى إلى تشوهات نفسية كبيرة، ولا أمل فى أى إصلاح إلا بإصلاح هذه التشوهات. والنقابة تناوب عليها الفاسدون تباعا، حتى نضبت مواردها وهى الأغنى على مستوى النقابات، وهى تأخذ أموالها من المنبع، وتضن على المعلمين بحقوقهم الطبيعية بعد الخروج على المعاش من صندوق الزمالة وخلافه بالمخالفة للقانون والأحكام القضائية الملزمة، وعليك أن تذهب إلى إحدى مؤسسات التأمين الصحى لترى أرباب المعاشات أغلبهم من المعلمين وهم يتراصون بالمئات ينتظرون حتى يمن عليهم الطبيب الذى يأتى لمدة ساعة بدقيقة أو أقل من كشف طبى غير جدى ويبخل عليهم بصرف أدوية دورية كالإنسولين أو أدوية الضغط، لأننا نقبع تحت منظومة فساد متكاملة الأركان، يكفى أن ترى مشهدا كهذا حتى تفقد أى حماس لأى استراتيجية من استراتيجيات التعليم المطروحة، التى تحتاج إلى عقل نابض بالحياة، وقلب ينبض بالصحة النفسية.
 

نحتاج إلى 200 ألف فصل بـ100 مليار جنيه، هكذا صَرَّح الوزير، وما المشكلة؟ فقد صرفنا 4 تريليونات فى الفترة الماضية على بنية تحتية وطرق وكبارى وتوسيع قناة وحفر أنفاق.. 5% من هذا المبلغ كان سيبنى تلك الـ200 ألف فصل، لماذا بخلنا على التعليم إلى هذه الدرجة؟! كل خبراء العالم قالوا إن التعليم هو القاطرة، فلماذا نبنى العربات ونحن نعلم أنه لا توجد قاطرة؟! عربية إيه اللى بتظبطوها وتلمعوها، الماتور مش موجود يا عنبر العقلاء.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات