.

العملية «سيناء 2018» لحماية الداخل ولردع الخارج أيضًا

Foto

لماذا لا تتطلب عملية سيناء موافقة البرلمان؟ كيف لتركيا إجراء مناورات بحرية فى مياه إقليمية للغير؟


ارتفع عدد البيانات الصادرة عن القوات المسلحة المصرية عن العملية «سيناء 2018»، ووصل إلى تسعة بيانات لحين كتابة هذا المقال، ويمكن تقسيم هذه البيانات إلى قسمين، البيان الأول والثانى يشرحان الهدف من العملية والإطار العريض لها، وباقى البيانات تشرح ما أسفرت عنه العمليات حتى تاريخه.

وبنظرة سريعة على البيان الأول تتضح الأهداف الاستراتيجية العامة للعملية سيناء 2018، والتى جاءت طبقا لنص البيان الأول لتشرح التكليف الصادر من القائد الأعلى إلى القوات المسلحة على أنها خطة مجابهة شاملة «للعناصر والتنظيمات الإرهابية والإجرامية بشمال ووسط سيناء ومناطق أخرى بدلتا مصر والظهير الصحراوى غرب وادى النيل، إلى جانب تنفيذ مهام ومناورات تدريبية وعملياتية أخرى على كافة الاتجاهات الاستراتيجية بهدف إحكام السيطرة على المنافذ الخارجية للدولة المصرية وضمان تحقيق الأهداف المخططة لتطهير المناطق التى يتواجد بها بؤر إرهابية وتحصين المجتمع المصرى من شرور الإرهاب والتطرف بالتوازى مع مجابهة الجرائم الأخرى ذات التأثير على الأمن والاستقرار الداخلى». ومن هذا البيان نفهم طبيعة المهام وطبيعة التكليفات، ويمكننا متابعة باقى البيانات لنفهم ما الذى تحقق من هذه التكليفات على أرض الواقع.
لكن قبل متابعة باقى البيانات لاسيما البيان الثانى، نتوقف أمام مسألة هامة، فقد يسأل البعض عن صلاحيات رئيس الجمهورية الدستورية لإصدار مثل هذا التكليف للقوات المسلحة دون تفويض من البرلمان ودون موافقة مجلس الدفاع الوطنى، علما بأن بيانات التأييد انهالت على العملية سيناء 2018 من كل المؤسسات الرسمية فى الدولة مثل الأزهر والكنيسة وحتى البرلمان.. إلخ، لكن الأخير لم يجتمع ليصدر قرارا بهذا المعنى، وإنما صدر بيان من رئيس البرلمان، والإجابة عن هذا التساؤل المشروع فى مفهوم رئيسى، وهو أن العملية رغم أنها عسكرية فإنها لا تجرى خارج حدود البلاد وإنما فى الداخل المصرى، وهى ليست من النوع الذى يتطلب موافقات المؤسسات الرسمية مثل البرلمان، ومجلس الدفاع الوطنى، وقد يكون هذا من الأسباب وليست السبب الوحيد، لإصدار بيانات تأييد من مختلف مؤسسات الدولة تؤازر الجيش والشرطة المدنية فى أثناء تنفيذهما المهام الرئيسية للعملية سيناء 2018، لإظهار حجم المساندة الشعبية، بيد أن هذا لا يعنى أن الأمر سيمر بهدوء، فللأسف الشديد بعض الناس احترف صنعة التشكيك فى كل شىء، ولا يهمه إلا صناعة البلبلة على الفاضى والمليان، بل لعله يجد لقمة عيش فى بث حالة التشكيك فى كل شىء، لذلك نرد عليهم ونستبق مواقفهم قبل أن تنهال علينا أراجيفهم، ويبدو أن البيان الأول استبق المرجفين وتوعدهم عندما كلف القوات المسلحة بـ«تحصين المجتمع المصرى»!
ثم ننتقل إلى البيان الثانى لنرى كيف تحركت القوات المسلحة لتنفيذ التكليف، حيث نص بيانها الثانى على شرح تحركاتها الرئيسية التى تبين أن الذى يتحرك هو «قوات إنفاذ القانون»، وهذا الاسم له مدلول، ومرتبط بفكرة تثبيت الدولة التى تحدث عنها الرئيس السيسى كثيرا، ونص البيان على قيام «عناصر من قواتنا الجوية باستهداف بعض البؤر والأوكار ومخازن الأسلحة والذخائر التى تستخدمها العناصر الإرهابية كقاعدة لاستهداف قوات إنفاذ القانون والأهداف المدنية بشمال ووسط سيناء، كما تقوم عناصر من القوات البحرية بتشديد إجراءات التأمين على المسرح البحرى بغرض قطع خطوط الإمداد عن العناصر الإرهابية، وتشدد قوات حرس الحدود والشرطة المدنية إجراءات التأمين على المنافذ الحدودية، وكذا تشديد إجراءات التأمين للمجرى الملاحى، وتقوم عناصر مشتركة من القوات المسلحة والشرطة بتكثيف إجراءات التأمين على الأهداف والمناطق الحيوية فى شتى أنحاء الجمهورية». ومن هذا البيان نفهم كيف تحركت القوات المسلحة المصرية لتنفيذ المهمة الموكلة بها، وبعض الناس ممن لا دراية لهم بالعمليات العسكرية يطالعون هذه البيانات دون الانتباه بالقدر الكافى لمعناها، فكل ما تبع هذا البيان هو تحصيل حاصل لعملية انتشار القوات، أو كما نقول إن باقى البيانات هى شرح لما توصلت إليه القوات على الأرض، والبيان الثانى يوضح أن الجيش عامل وفاعل ومتمركز ومستعد على كل المحاور والاتجاهات الاستراتيجية الأربعة، علما بأن عملية البناء والتشييد لم تتوقف، وأن حجم القوات المستخدمة فى العملية لم يصل حتى لربع عدد الجيش!
ولعل إشراك البحرية المصرية فى هذه التحركات أمر له دلالاته، فلقد تواكب مع تحركات مصر تحركات فى الشمال الشرقى، والشمال، حيث كانت أمريكا وإسرائيل تجريان مناورات عسكرية تدريبية كبرى فى الشمال الشرقى، بينما تركيا ما زالت تجرى عملية تدريبية بحرية هامة فى شمال المتوسط، ونتج عن التدريبات التركية المستمرة حتى يوم 22 من فبراير الجارى، أن شركات التنقيب العاملة فى المياه الإقليمية القبرصية تعرضت لمضايقات، وتحججت تركيا بمسألة المناورات، لكن كيف لتركيا إجراء مناورات بحرية فى مياه إقليمية للغير؟ هذا ما دفع اليونان إلى إرسال قطع بحرية لحماية مصالحها، وكذلك فعلت إيطاليا لحماية شركات التنقيب الإيطالية «إينى» التى تقوم بالتنقيب فى البئر رقم ثلاثة فى المياه الإقليمية القبرصية، لاحظ أنه قبل هذا التصعيد التركى كانت تصريحات وزير الخارجية التركية تقول فى العلن إنهم لا يعترفون بعملية ترسيم الحدود المصرية القبرصية! ثم جرت المناورات العسكرية التركية! وجاء الرد المصرى على الفور على لسان المتحدث الرسمى للخارجية المصرية الذى حسم الأمر بأن مصر أودعت الاتفاقية فى الأمم المتحدة منذ ثلاثة أعوام، وأنها ستتخذ كل الخطوات اللازمة لحماية مصالحها الحيوية، ثم بدأت العملية سيناء 2018 التى أشركت البحرية المصرية فى العملية الشاملة! ولمن لا يستطيع الربط بين الأمرين، نقول له إن التوتر فى شرق المتوسط لا ينفصل عن الحرب ضد الإرهاب، فلقد جرت العادة أن الإرهاب ينمو حيث مصالح أمريكا وإسرائيل، ودائما يسير فى مسارات ملاصقة لخطوط نقل الطاقة من بترول وغاز طبيعى.
هل معنى هذا أن العملية سيناء 2018 هى حرب مباشرة ضد الإرهاب، وتحركات عسكرية مصرية لردع الآخرين، أيا كانوا، بغرض تأمين مصالحنا الاقتصادية؟ الأمر بديهى ولا يحتاج إلى تصريحات! ثم لاحظ أن التحرك على الجبهة الجنوبية جاء مواكبا لتصريحات خرجت من الخرطوم تظهر التقارب الذى حدث مع القاهرة بعد القمة الثلاثية فى أديس أبابا بين مصر وإثيوبيا والسودان، ثم بقدرة قادر استقال رئيس وزراء إثيوبيا، واندلعت مظاهرات غير مسبوقة فى إثيوبيا استدعت فرض حالة الطوارئ لمدة ستة أشهر! لماذا جرى كل هذا التدهور فى أديس أبابا؟ لاحظ أن السودان شهدت مظاهرات مماثلة قبل القمة الإفريقية، ثم هدأت بعض الشىء، فهل كانت التحركات العسكرية المصرية فى الحدود الجنوبية، بغرض منع إمدادات الخارج إلى الداخل المحصور؟ بمعنى آخر، هل كانت مصر تستبق حالة الفوضى الناجمة عن تدهور الوضع فى الداخل السودانى والداخل الإثيوبى، لكيلا تستغلها الجماعات فى تهريب السلاح والعتاد والمرتزقة عبر الدروب الجبلية إلى الداخل المصرى؟ كل هذه أسئلة مشروعة مرتبطة بالعملية سيناء 2018! وقد يوحى اسمها أنها مرتبطة بسيناء فقط، لكننا رأينا من التكليفات الصادرة أن العملية تشمل كل الاتجاهات الاستراتيجية للدولة المصرية، وأهمية الجنوب ليست فقط فى قطع الإمداد عن الإرهاب، ولكن أيضا فى استحضار القوة المصرية أمام أى محاولة للعبث بموضوع سد النهضة، ونحن لا نعلم مصير السد الآن بعد استقالة رئيس وزراء كان يعتبر السد مشروع حياة أو موت بالنسبة له شخصيا!
ثم نعود لباقى البيانات ونتوقف أمام أرقام فى غاية الأهمية، منها أن إجمالى من تم القبض عليهم يفوق خمسة آلاف عنصر إرهابى، بعضهم شديد الخطورة، وبعضهم أجانب من جنسيات مختلفة لم تفصح عنها التفاصيل بعد، لكننا فهمنا أن أعداد الأجانب تفوق 400 عنصر! وللأسف لم يتبين بعد الجنسيات، لكن الشغف يدفعنا للسؤال: كم عنصر تركى من ضمن الأجانب؟ وهل كان هناك أى ضباط تابعين لأجهزة استخبارات أجنبية؟ وهل كان من بين المقبوض عليهم جنسية لم تخطر على البال مثل إسرائيلى أو بريطانى أو أمريكى أو صينى؟ ومن إجمالى البيانات نأتى على أعداد العبوات المفخخة التى فاق عددها 400 عبوة! تخيل كم روح تم إنقاذها عبر تحييد كل هذه العبوات الناسفة! ولو كانت العملية نجحت فى هذا الأمر فقط فهى نتائج مبهرة، وبوسعنا استعادة أرشيف الصحف للوقوف على أعداد الضباط والجنود الذين استشهدوا من عبوات مماثلة، ولن نتكلم عن الأنفاق مع قطاع غزة، ولكننا نركز على الغرف الإعلامية، فيبدو أن ضربة الجيش للإرهاب فى سيناء جاءت قاصمة، ولم يستطع الإرهاب والقوة العالمية التى تقف وراءه نجدة أى مرتزقة تابعين لهم فى الداخل، مما تطلب الأمر إصدار بيانات من القاعدة وداعش تتوعد مصر وجيشها برد فعل قوى! وقد يكون رد الفعل بيد ذئاب منفردة، وهى من نوع رد الفعل المتوقع وغير المجدى، لذلك نتطلع إلى الواقع الجديد الذى تبنيه العملية سيناء 2018، وكلنا أمل فى كسر شوكة الإرهاب بحيث لا تقوم له قائمة أخرى تهدد استقرار الوطن.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات