.

هل يعاقبنا الله لأنه يحبنا أم لأنه لا يحبنا؟!

Foto

«الإنسان.. مُخيَّر أم مُسيَّر؟!»


«من أصعب الأشياء وأثقلها أن تكون إنسانًا. يدفعك الله فى علاه دفعًا إلى الحرية، كالنسر العجوز الذى يدفع فراخه عن العش وهى لم تبلغ بعد سن النضج: طيرى إذا استطعتِ وإلا سقطت وانسحقت عظامك، ويصيح فرخ النسر: أبى، انتظر قليلاً، فجناحاى لم يستكملا القوة بعد، لماذا لا تنتظر؟! ويجيب النسر العجوز وهو يدفع فرخه دفعًا إلى الفضاء: كفى تعلُّقًا بى فأنت حر».


هكذا كان الأب ياناروس «بطل رواية كازانتزاكس، الإخوة الأعداء» يحدث نفسه. فكل تلك الدماء التى سالت على أرض قريته من أبناء اليونان المتصارعين مع بعضهم البعض «المتمردين الشيوعيين مع أبناء الجيش الوطنى» لم تترك أمامه مجالاً للتمييز بين ما هو خطأ وما هو صواب، «لقد كنت أعرف من قبل ماذا تريد فأعيش وأسلك عن يقين.

أما الآن فقد تحوَّلت الأشياء كلها إلى عماء، وأصبح واجبى المحتوم -أنا الدودة الصغيرة- أن أضع فيها النظام».


وقد قام بتحفيز لخبطته الداخلية تلك ذلك الصوت الغامض الذى ارتفع من أعماقه فجأة، بينما كان يطلب المساعدة من الله لإرشاده إلى ما ينبغى عليه فعله.. «أنت حر.. أنا خلقتك حرًّا.. فلماذا تريد أن تتعلَّق بى؟! قم يا أب ياناروس واحمل مسؤولياتك ولا تطلب النصيحة من أحد.. ألست حرًّا.. إذن.. اختر طريقك».


وهو ما يعود بنا مرة أخرى إلى التساؤل الأزلى ذاته.. «الإنسان.. مُخيَّر أم مُسيَّر؟!» لنكتشف أنه مُسيَّر حتى يصل به طريق الحياة إلى تقاطعات عدّة، عندها يصبح مُخَيَّرًا فى الاختيار من بين تلك التقاطعات، وإلا لما كان الله قد أبدع فى ترصيع رؤوسنا بكل تلك العقول التى من المؤكد أنها ليست بقصد ملء فراغ الجمجمة بقدر ما هى بقصد استخدامها فى التفكير واتخاذ القرار، هذا بالإضافة إلى أن مجرد ارتكاب بعضنا أفعالاً شريرة مثل القتل والسرقة وإيذاء الآخرين، فهذا فى حد ذاته لا يعنى سوى أننا مُخيرون، ولو كنا مسيرين فى ما يخص القتل والحروب إذن لكان هذا هو ما يريده الله وهو ما يدفعنا إلى ذلك السؤال الاستنكارى: «هل ترون أن الله قد يرغب فى رؤية أبنائه وهم يقتلون بعضهم بعضًا؟!»، وفى هذا الإطار أعتقد أن كل تلك الدماء التى تغرق كوكبنا العزيز بشكل يومى على مدار تاريخنا البشرى الملوث عبر حروب قذرة وأسلحة دموية وعقول مريضة ونفسيات متخربأة وقادة طغاة وخطط جهنمية ومذابح بشعة وهمجية لا نجد مثيلاً لدنائتها فى عالم الحيوان لا تعد دليلاً سوى على شىء واحد.. أننا بالفعل مُخَيَّرون ولسنا مُسَيَّرين.


بعد طول حيرة، وصل الأب ياناروس إلى أن هناك طرقًا ثلاثة هى التى يمكن أن تؤدّى إلى طريق الخلاص، طريق الرب، وطريق السلطات، وطريق الشعب، «فأما طريق الرب فمغلق، فهو قد أعطانا عقلاً وحرية ونفض يده مما نفعل بعد ذلك، هل يعاقبنا لأنه لا يحبنا أم لأنه يحبنا؟! لا أعرف، فأنا لست سوى إنسان آثم لا أستطيع الدخول فى أسرار الله».


وأما الطريق الثانى فهو طريق السلطات ورؤساء الشعب والزعماء لعنة الله عليهم جميعًا، «وهذا الطريق مغلق أيضًا، فليس هناك من هؤلاء الرؤساء والزعماء واحد يحمل فى قلبه اليونان بأكملها، جميعهم قسّموها، قطعوها إلى نصفين كأنها ليست شيئًا حيًّا، وكل نصف من النصفين أصيب بالسعار وأصبح يريد ابتلاع النصف الآخر، الملوك ورجال السياسة والأساقفة وقادة المتمردين أصبحوا جميعًا مسعورين، أصبحوا ذئابًا مفترسة تنظر إلى الناس كأنها لحوم تؤكل».


وأما الطريق الثالث فهو طريق الشعب، «وهذا الطريق لم يفتح بعد، وعلينا نحن أن نفتحه شيئًا فشيئًا وأن نعانى فى سبيل ذلك»، وهو ما يستلزم بدوره قدرًا من الوعى الجمعى الذى يستطيع جمع الناس على كلمة واحدة، وهو ما يندرج بدوره تحت بند المستحيل.

حيث سيظل الحشد البشرى على تناقضاته التى لن تستطيع تبعًا لها التأكد مين صادق ومين بيمثل، خصوصًا فى ظل تلك الحقيقة الحياتية التى تأكدت مؤخرًا، والتى تنص على أن البشر وحوش فى حاجة فقط إلى إظهار وحشيتهم.


إنها معضلة بحاجة منا إلى إعمال عقلنا للبحث عن طريق رابع. ومن يدرى، ربما كان الله نفسه هو الذى دفع بنا إلى ذلك الحد من اليأس، ليجبرنا على أن نبحث عن هذا الطريق الرابع غير المكتشف بعد، وكأنه يقول لنا: «لتصبحوا بشرًا كفاكم تعلُّقًا بثوبى كالأطفال الصغار، فلتنهضوا وتتعلَّموا كيف تمشون وحدكم».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات