.

أن تنتظر «يوم الدين»

Foto


وسط دوامة الحياة التى يعيش فيها الإنسان يذوب الكثير من روحه دون قصد منه، ويذبل الجزء الآخر فى انتظار قطرة مياه تنعشه من جديد، هذا هو حال «بشاى» بطل فيلم «يوم الدين» لمخرجه وكاتبه أبو بكر شوقى، الذى اختير للمنافسة على السعفة الذهبية بمهرجان «كان» السينمائى فى دورته الـ71، فضلًا عن فوزه بجائزة «سينما من أجل الإنسانية» مناصفة (تصويت الجمهور) بمهرجان الجونة فى دورته الثانية، إلى جانب جائزة نجمة الجونة لأفضل فيلم عربى فى مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، كما حظى باحتفاء عالمى.

 

حول «بشاى والصبى أوباما» نتابع رحلة لاكتشاف معنى الحياة من منظور آخر، لنفهم معهما نظرتيهما عن واقعهما اللحظى وكذلك المستقبلَين القريب والبعيد، فـ«بشاى» المتعافى من مرض الجذام الذى ترعرع داخل مستعمرة الجذام وفارق أهله منذ زمن بعيد، لم يكتشف الحياة خارجها، والصبى اليتيم «أوباما» كما يطلق عليه نظرًا لسمرته، الذى تربى داخل دور الأيتام ولم يلقَ أسرته أو يخرج لمسرح الحياة الحقيقية، فجاءت القصة كحكايات «جحا» الذى يسعى مع حماره وولده، لتبدأ معه النوادر.

 

يستهل الفيلم بملمح من حياة «بشاى» الذى يعمل بجمع القمامة وفرز المخلفات، رغم ما يواجه من صعوبات فى التعامل بكلتا يديه، ويوضح روحه المرحة رغم شقاء الحياة من حوله، لتقدم الأحداث فاجعة تغير حياته وهو فراق زوجته «إيرين»، تبدل تلك الواقعة حياته وتفتح عينيه على ماضٍ قضى، وظن أنه أصبح طى النسيان، وهى عائلته التى تحمس لرؤيتها بعد ثلاثة عقود من العمر مرت عليه داخل قلعة المستعمرة.

 

من خلال تلك القصة البسيطة ينسج شوقى بسلاسة نظرة المحيط لكل ما هو غير مألوف أو غريب، فاختلاف ملامح بشاى يجعله محلًّا للنبذ فى بعض الأحيان والسخرية فى أحيان أخرى، وهو ما يولد معه شحنة عاطفية وإنسانية وكوميدية أيضًا من قلب البكاء المكتوم فى العيون على حال «بشاى»، فهو رجل لا يملك من مصيره شيئَا سوى الانتظار ليوم الدين، ليشهد المساواة بين البشر.

 

ثنائيات
يطرح فيلم «يوم الدين» مفارقات وثنائيات كفيلة بخلق دراما بسيطة وإنسانية إلى أبعد الحدود، فرغم رغبة «بشاى» فى معرفة مصير عائلته والعودة إلى محيطه الأول، فإنه يتمنى العودة إلى المستعمرة (عالمه)، خوفًا من النبذ كما كان مصيره سابقًا.

 

كما أن العلاقة الناشئة بين «بشاى» والصبى «أوباما»، تدعو للتأمل، فهذا الصبى الصغير ذو الأعوام العشرة يجد فى بشاى رفيقه وصديقه بل وعائلته، فيرافقه فى رحلته، التى لم يؤمن بها سواه، ولا تقف العلاقة عند هذا الحد بل يشتركان فى المصير ذاته فهما متشابهان، فكل منهما وحيد، بشاى بسبب مرضه الذى تعافى منه لكنه لم يتعافَ من نظرات مَن حوله، والصبى أوباما اليتيم الذى لا يملك أهلًا أو عائلة.

 

خطوة لابد منها
يحسب لنا القدر أحيانًا خطوات لا نضعها فى الاعتبار، هكذا كانت رحلة «بشاي» للعثور على بيته/ وطنه، فى رحلة لم يقم بها من قبل، يخرج للمرة الأولى بحياته من المستعمرة كباحث عن عالمه الحقيقى، اختبار لابد منه حتى يصل إلى القناعة بحياته فى المستعمرة وسط أناس عاشرهم لزمن طويل وأحبهم ويفضل قضاء حياته معهم، ويخبتر خلال رحلته العديد من المواقف التى لم يتوقع يومًا أن يخوضها، ويكتشف أن المستعمرة هذا العالم المغلق الشبيه بالسجن ما هى إلا حياة هادئة، لا يخفى نفسه بداخلها، لتبقى الأماكن مجرد محيط لا أكثر.

 

الدموع الضاحكة
استطاع شوقى بحواره وتكوين السرد أن يخلق «توليفة» خاصة مزجت بين الضحك والبكاء فى كثير من الأحيان، فمَن منا لم يكن يومًا يعانى من الآخرين. فكما هى الحياة يعرضها لنا فيلم «يوم الدين»، فالدموع تجاور الضحكات بمواقف إنسانية بسيطة وسلسة للغاية دون تكلف.

ما دعم هذا التوجه فى الفيلم هو الأداء التمثيلى البسيط، للوهلة الأولى نظن أن عنصر الأداء التمثيلى لا يساعد الفيلم على تقديم الصورة التى يريدها، وأن الاستعانة ببطل قد مر بمرض الجذام بالفعل قد يضر بالدور أكثر ما يقدم له، لكن على العكس فقد جاء أداء بطل فيلم «يوم الدين»، راضى جمال، والطفل أحمد عبد الحفيظ، أداءً طبيعيًّا، رغم بعض المشكلات فى مخارج الحروف التى أعاقت عملية المشاهدة لبعض الوقت، ولكن صدق الأداء وتعبيرات الوجه والحركة التلقائية حققت مغزى الفيلم الإنسانى وتجاوزت حاجز التقييم التمثيلى، فخرج الفيلم طبيعيًّا كما لو كان قطعة من الحياة دون تجميل أو تنقيح.

 

جماليات
اتسقت عدسة المصور «Federico Cesca» مع رؤية الفيلم العامة، فجاءت لقطاته طبيعية واستعرضت حياة «بشاى» ورحلته الواقعية ذات الملامح السحرية من العدم إلى الحياة مرة أخرى، ولم تُخفِ أيضًا المونتيرة «Erin Greenwell» طبيعة الفيلم فجاء المونتاج داعمًا للكاميرا وسلسًا فى نقلاته الهادئة.

 

تعتبر موسيقى «عمر فاضل» أحد أهم عناصر الفيلم بل يمكن اعتبارها أحد الأبطال بجدارة، فبنغمات رشيقة جمعت بين الشجن والمرح أغنى «فاضل» الفيلم وعزز من الشعور بالشخصيات ومعاناتها، كما منح الفيلم خفة فى استقباله لدى المشاهد.

 

يعد فيلم «يوم الدين» هو الأول الذى يتناول قصة مرضى الجذام، هذا المرض الذى لا يمنح مرضاه فرصة العيش والاختلاط، بل يجعلهم راغبين فى التوارى عن أعين الناس، فى حين استقبل جمهور الفيلم بطله المتعافى من المرض المذكور بطاقة من الحب والتعاطف.

 

«يوم الدين» لا يعتبر فيلمًا متكاملًا على مستوى الصناعة البصرية والتكوين السردي، لكنه يستمد قوته وحضوره من طاقة الإنسانية التى تفجر معها مشاعر متباينة لدى المشاهد، كما أنه تجربة خاصة لمخرج آمن بفكرة وآخرين آمنوا معه بها وقدموا تمويلًا لها، لتخرج سينما مميزة رغم نواقصها.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات