.

لماذا استمر مبارك 30 سنة؟!

Foto

كيف اعتقدت الجماعة الإسلامية أن مبارك يسخّر ماردًا لحمايته؟ هل تغيَّرت الأوضاع؟ كيف تنفق زيجة فى الريف المصرى 200 ألف جنيه؟


فى البداية، فإن أقدار الله تسير، لقد كانت هناك محاولات اغتيال للرئيس مبارك كثيرة، ربما حادث أديس أبابا هو الأكثر شيوعًا، ولكنه ليس الوحيد، فقد كانت هناك محاكمات عدة لعمليات اغتيال للرئيس الأسبق مبارك، حتى روى لى أحد أعضاء الجماعة الإسلامية أن الشائع لدى أعضاء الجماعة أن مبارك سخَّر ماردًا من الجن لحمايته، مع العلم أن إيمان كل أعضاء الجماعات الإسلامية بقدرات الجن الخارقة كبيرة.

ولكن ما يهمنا فى هذا الموضوع القضايا الموضوعية، فالرئيس مبارك ابتدأ عصره بمصالحة سياسية كبيرة بإخراج السياسيين فى قضايا التحفظ فى البداية، وفى نهاية المفاوضات فقد أصدر القضاء المصرى أحكامًا مخففة فى قضايا الإرهاب، فخرج الآلاف براءة وتم إعدام خمسة فقط، أعضاء المنصة الأربعة ومعهم عبد السلام فرج قائد التنظيم، أما مجموعة أسيوط وعلى رأسها عاصم عبد الماجد التى قتلت 117 ما بين مجند وضابط، وصولًا إلى نائب مدير الأمن، فقد أخذت أحكامًا بالمؤبد، فقد راعى القضاء المواءمة السياسية والظروف المضطربة التى حاقت بالبلاد فى الفترة الأخيرة.
المسجونون لاقوا معاملة حسنة داخل السجون، فقد قال لى أحدهم إن أحد لواءات الشرطة بنى لهم حوض سباحة فى سجن المزرعة، وتم توفير غرف خاصة لكل عضو، وتم توفير الخلوة الشرعية وزيارات ممتدة لهم، حتى إن العزاب منهم مثل طارق الزمر تزوج من داخل السجن وأنجب طفلَين، وكذلك الباقون، ولم تسوء العلاقة إلا بعد قضية الهروب فى 87 من سجن المزرعة، وفى الوقت نفسه فقد صنع نظام مبارك علاقة مرنة مع الإخوان سمحت لهم دخول البرلمانات المختلفة، بداية بـ4 مقاعد فى 84 مع حزب الوفد، وانتهاءً بـ88 مقعدًا فى 2005، مرورًا بالنقابات والاتحادات الطلابية ونوادى أعضاء هيئة التدريس وصلاة العيد، وغيرها من الأنشطة الممتدة فى طول البلاد وعرضها، بما سمح لهم بالتمدد الكبير الذى واجهناه بعد الثورة، وقد حُصّن منصب المرشد من الاعتقال وسُمح له بحرية الحركة داخل البلاد وخارجها، وحُفظ مركز الإرشاد فى المنيل من الاقتحام. وأتذكر أننا استقبلنا المرشد التلمسانى فى 86 ومن بعده حامد أبو النصر، استقبالًا أسطوريًّا بمسيرات وممرات من بداية المدينة إلى مكان الاحتفال وأعلام الإخوان مرفوعة، وكان أشبه باستقبال رؤساء جمهورية، وجنازات المرشدين بالتتابع كانت أسطورية يحضر إليها شخصيات عامة من خارج القطر.
وترك النظام مساحة محدودة للعمل الحزبى، وكان يعين رفعت السعيد رئيس حزب التجمع، وآخرين، فى مجلس الشورى، وكان يتصل بهم ويواسيهم فى أحزانهم وأحيانًا يوفر لهم علاجًا على نفقة الدولة، كما فعل مع رجب هلال حميدة عندما أصابته وعكة صحية.
وكان نظام مبارك مرنًا مع الصحافة بدرجة ما، ولم يتعامل بخشونة مع حركة «كفاية»، هذا بالقياس إلى أوضاع العالم العربى وليس قياسًا على المجتمعات الديمقراطية فى الغرب.
وعلى مستوى الشارع المصرى، فقد كانت الحلول الفردية موجودة على مدى عصره، فأنا أتذكر فى عام 92 عندما تخرجت فى الجامعة وسافرت إلى اليمن، ووفَّرت وقتذاك 20 ألف جنيه كانت كفيلة بإتمام زواج مناسب للطبقة الوسطى فى هذا الحين، منها عشرة آلاف ثمن الشقة والباقى تكاليف الزواج. كان زملاؤنا فى الجامعة قبل ذلك يسافرون إلى العراق فى فترة الصيف وجزء من الشتاء، حيث كانت الامتحانات وقتها فى نهاية العام وليست تيرمات، وبعضهم كان يسافر إلى أوروبا، وكانت هذه الإجازات كفيلة بأن توفر لهم خمسة آلاف جنيه، كانوا يبنون لهم شققًا فى عمارات ذويهم فى الأرياف، أما المعارون إلى الخارج من المعلمين فكانت أربع سنوات كفيلة بأن يشترى الأرض ويبنى البيت ويشترى السيارة ويجد رصيدًا فى البنك يوفّر له ودائع ترتفع بمستوى معيشة أسرته لأمد طويل، وفى العقد الثانى من حكم مبارك نجحت حركة التصنيع فى المدن الجديدة فى أن توفر فرص عمل، وكان حكم عاطف صدقى حكمًا جيدًا من الناحية الاقتصادية، إذ استقر سعر الدولار وكانت معدلات النمو مرتفعة، وتحسَّن الوضع الاقتصادى للدولة المصرية، ولم تتوقف عوائد المصريين فى الخارج، فقد كان الخليج وكذلك المصريون فى الغرب يضخون أموالًا كبيرة كفيلة برفع معدلات النمو وحركة البناء فى الداخل المصرى، وكان قليل الحيلة من العمالة المصرية يذهب إلى ليبيا، فقد كانت أبوابها مفتوحة أمام العمالة المصرية وكانت تحقق روافد مالية جيدة للمصريين، وفى المقابل انتعشت الحركة التجارية داخل مصر اعتمادًا على تلك العوائد، وحقَّق التجار والمقاولون أرباحًا جيدة داخل المجتمع المصرى.
الآن الأوضاع تغيَّرت، أُغلقت أوروبا أمام النازحين من العالم العربى، وأصبحنا مسجلى خطر فى العالم الغربى، ورفض «فيز» السياحة أصبح شائعًا، مما فتح شهية صناع السينما إلى صناعة أفلام حققت نجاحًا كبيرًا، مثل فيلم «عسل إسود» بطولة أحمد حلمى، ومؤخرًا فيلم «طلق صناعى» بطولة ماجد الكدوانى.
الأوضاع فى الخليج ازدادت سوءًا، بسبب الارتفاع المهول لتكاليف المعيشة فى الخليج وعدم توفير تعليم مجانى وعلاج مجانى كما كان بالسابق، والمشكلة الكبرى التضخم داخل مصر، ففى الوقت الذى كان يأتى مسافر الخليج بمبلغ عشرين ألفًا أو ثلاثين ألف جنيه، كان كفيلًا بشراء بيت أو شقة فارهة، أصبحت شقق الطبقة الوسطى الآن فى مصر فى حدود نصف مليون جنيه، فأصبح يحتاج إلى عقدين من الزمن حتى يوفر زيجة لنفسه، هذا إن استطاع. وفى المقابل فإن زيجات البنات أصبحت أكثر كلفة مع التضخم الأخير فى مصر.. اثنان من أصدقائى من الطبقة الوسطى، أحدهم صرف على زيجة ابنته 200 ألف جنيه، والآخر 170 ألف جنيه، لأن البنت فى الريف عليها كل الأجهزة الكهربائية وكذلك أدوات المطبخ والمفروشات واحتياجاتها الشخصية، وأسعار الأجهزة الكهربائية كما تعلمون ارتفعت ثلاثة أضعاف فى الفترة الأخيرة، أحدهم اضطر إلى التضحية بأحد الأصول الثابتة «شقة» لزيجة ابنته، والآخر كان يحتفظ لها بوديعة للزواج، والاثنان قد حصّلا تلك الأموال من سفريات للخليج فى عقود الرفاهية، فما بال الباقين فى مصر؟! كثيرون الآن يرفضون العرسان ليس بسبب عيب فى العريس، ولكن حتى لا يتعرضوا للإحراج بسبب عدم قدرتهم على تبعات وتكاليف الزواج طبقًا للأعراف التى فرضت نفسها فى أوساط الطبقة الوسطى الاجتماعية، وأصبحنا نرى شبابًا عازفًا عن الزواج لعدم الباءة، وآخرين بسبب التخوف من المستقبل وتحمُّل المسؤولية فى ظل حالة تضخم مرتفعة، لا تكفى الرواتب التى تعطيها الحكومة أو القطاع الخاص الآن، فالحكومة تعطى خريج الجامعة 1080 جنيهًا، والقطاع الخاص فى حدود ألفَى جنيه، حتى ذوو التعليم المتميز ربما يتجاوزون تلك المبالغ، ولكنها فى النهاية غير كفيلة بتوفير معيشة كريمة لأسرة فى بداية حياتها.
تخلَّت الدولة عن معظم مسؤولياتها، فلا تعليم مجانى حقيقى ولا علاج آدمى مجانى ولا خدمات مجانية وترك الناس فى العراء يتحملون شظف العيش والجوع والمرض والقهر، فوجدنا ظاهرة أطفال الشوارع التى استفحلت واستعصت على الحل، بل تتزايد يوميًّا، ومعدلات الطلاق التى وصلت إلى 200 ألف حالة فى العام طبقًا لتقديرات المركز المصرى للتعبئة والإحصاء، والمحاكم التى امتلأت بقضايا النفقة والرؤية والتبديد، وظهور ظاهرة المرأة المعيلة، والغارمات، وظواهر اجتماعية نتائجها شديدة السلبية ولا مجال للحلول الفردية، وارتفاع معدلات الجريمة، ولا توجد إحصاءات لرفض الحكومة عرض مساوئها للرأى العام، ولكن المشاهدة والملاحظة كفيلة باستنتاج الواقع، فلا توجد أسرة لم يتعرض أحد أفرادها للتثبيت أو سرقة سيارة أو حقيبة سيدة، أو جريمة جنائية من أى نوع، البلطجة والشجار بالأسلحة البيضاء أصبحا ظاهرة وصلت إلى المدارس الإعدادية والثانوية، ناهيك بحوادث التحرش وانتشار المخدرات بأنواعها وكذلك الدعارة، هذا لا يعنى أن تلك الظواهر لم تكن موجودة فى عصر مبارك، ولكنها كانت بمعدلات أقل، وكما قُلنا فالحلول الفردية كانت ممكنة.
هذا لا يعنى أن أقول «ولا يوم من أيامك يا أبا علاء»، فليس هذا رأيى، لأن الظروف الإقليمية كانت ضاغطة، وكانت ستحدث حتى لو استمر مبارك، ولكن لأننا لم نحاول أن نقدم لهذا الوطن حلولًا مختلفة ولا إدارة سياسية رشيدة قادرة على حل مشكلاته وتقليل مصاعب حياته، وهذا الشعب ما زال لا يجد مَن يحنو عليه، لا بديل عن حكم رشيد وإدارة سياسية واقتصادية كفؤة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات