.

خطاب ترامب بالأمم المتحدة كان مضحكًا.. ونظرته إلى العالم أكثر إثارةً للضحك

Foto

ما الذى يمنع الدول الأخرى من فرض ضرائب على الواردات مثل أمريكا؟


 

ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

إن المقاربات الغريبة والمفارقات العبَثية من خصائص الفكاهة، ففى بعض الأحيان يضحك الناس بقلق شديد عندما يصرح شخص بشىء حقيقى وغير مقبول فى آن واحد، وفى أحيان أخرى يضحك الناس بشكل صاخب عندما يصرح شخص بشىء خاطئ ومبالغ فيه فى آن واحد. وقال الرئيس ترامب للجمعية العامة للأمم المتحدة: «فى أقل من عامين حققت إدارتى أكثر مما حققت تقريبًا أى إدارة فى تاريخ بلادنا».

 

لا، أولئك الذين قهقهوا ردًّا لم يكونوا يضحكون مع الرئيس، ولكن كان هناك كذلك شكل أكثر ظلمةً من الفكاهة فى خطاب ترامب، ولم يكن تفاخره الزائد ونرجسيته وحدهما المثيرين للضحك بتجهم، بل رؤيته للعالم بأكملها، وهى ساذجة وغير متماسكة على حد سواء، وتتباين بحدة مع إيمانه المعلن بـ«الواقعية المبدئية» «principled realism».
 

وعلى نحو متكرر، قدم الرئيس -أو بشكل أكثر دقة، قدمت حاشيته ومستشاروه وكاتبو خطَبه- إشادة حماسية بمفهوم سيئ التحديد لـ«السيادة»، وقال بشكل رسمى إن الولايات المتحدة «لن تقول لكم كيف تعيشون أو تعملون أو تتعبدون»، وإذا كانت تعنى أى شىء على الإطلاق، فتلك الجملة -بالتأكيد- تلمح إلى أن الولايات المتحدة غير مهتمة بكيف تدير الدول الأخرى حكوماتها أو كيف يعاملون شعوبهم: الديكتاتورية، الديمقراطية.. كلهم سواسية بالنسبة لنا.
 

غير أن إدارة ترامب ليست غير مبالية تمامًا، فبعد بضع فقرات استنكر الرئيس حكومة فنزويلا واختتم قائلًا: «ينبغى على كل دول العالم مقاومة الاشتراكية»، واستنكر قادة إيران الذين «اختلسوا مليارات الدولارات من خزانة إيران، واستولوا على أجزاء قيمة فى الاقتصاد، ونهبوا الأوقاف الدينية للشعب»، واعترض على صفقة غاز ألمانية مع روسيا. وأنا لا أجادل هنا لصالح فنزويلا أو إيران أو ألمانيا، ولكن، بالتأكيد، إذا كانت سيادتهم مصونة، فلا ينبغى أن تكون اشتراكية فنزويلا أو فساد إيران أو سياسة ألمانيا فى الطاقة محل اهتمام رئيس الولايات المتحدة.
 

وعلى نحو متكرر، هاجم الرئيس كذلك مفهومًا سيئ التحديد بشكل متساوٍ لـ«العولمة» و«الحوكمة العالمية» «global governance»، وقال إنه فى الولايات المتحدة «نعتنق عقيدة الوطنية» ليوضح بذلك إيمانه بأن حب الوطن والتعاون الدولى لا يتوافقان. وانتقد العديد من المنظمات الدولية بالاسم، بما فى ذلك منظمة التجارة العالمية «WTO». وكان قاطعًا بشأن التأثير السلبى للتجارة الدولية والضرر الرهيب الذى ألحقته بالأمريكيين، قائلًا: «لن تُستغل الولايات المتحدة بعد الآن».
 

ومع ذلك، وتقريبًا فى الوقت ذاته، قدم الرئيس اقتراحات كبرى بتحركات دولية منسقة، فهو يريد عقوبات ضد فنزويلا وعقوبات ضد إيران، ويريد أن تتعاون دول الشرق الأوسط لمحاربة الإرهاب، ويريد التعاون مع دول أخرى لتساعد فى «تحسين التدقيق فى الاستثمارات الأجنبية فى بلادنا من أجل تهديدات الأمن القومى»، كما يريد التجارة إذا كانت تعنى شراء الأمريكى، إذ قال: «تقف الولايات المتحدة مستعدة لتصدير إمداداتنا الوفيرة من النفط والفحم النظيف والغاز الطبيعى».
 

ولكن ما الذى يمنع الدول الأخرى من إعلان أن هى أيضًا «لن تُستغل بعد الآن»؟ ومَن وضع تعريفات جمركية أو حواجز تجارية على الطاقة الأمريكية؟ وإذا اتفق الجميع على أن «العولمة» و«الحوكمة العالمية» ما هما إلا «أيديولوجيات عتيقة»، فلماذا ينبغى على أحد الشعور بالإجبار على التعاون فى مجالات ذات اهتمام للولايات المتحدة؟ فى الحقيقة، ترامب والترامباويون فى موقف يؤسَف عليه، فكل مشكلة يدّعون الاهتمام بها أكثر من غيرها تستلزم، على الأقل جزئيًّا، حلًّا دوليًّا، فلا يمكن وقف الإرهاب دون جهود منظمة فى أوروبا والشرق الأوسط. وكثيرًا ما تعتمد الوظائف فى المصانع لذوى الياقات الزرقاء على تصدير السلع الأمريكية إلى الخارج، أو استيراد الأجزاء الأجنبية. وأى نظام عقوبات تفرضه الولايات المتحدة وحدها، على أى أحد، لا معنى له، حتى إن نوعًا ما من التعاون الدولى مطلوب للسيطرة على الهجرة، وإن كان ذلك فقط لأن دولًا أجنبية تصدر جوازات السفر المطلوبة للسيطرة على الحدود.
 

ولا أقول إنه لا توجد منظمات دولية مختلة، فالأمم المتحدة بها العديد منها، أو أن اتفاقات التجارة القائمة ينبغى أن تظل إلى الأبد. ودائمًا ما يعيد رؤساء الولايات المتحدة التفاوض على انخراط أمريكا مع العالم. إلا أن ترامب -أو ستيفن ميلر أو ستيفن كاى. بانون- يذهب إلى ما هو أبعد، وعوضًا عنه يخلق انقسامًا أبيض وأسود بين السياسات «الوطنية» والسياسات «المتعولمة» باستخدام لغة أيديولوجية مختلقة، لا علاقة لها إطلاقًا بالاختيارات التى يواجهها الناس فى الواقع.
 

وكانت الواقعية الأصيلة لَتدرك أن العالم، سواءً أكان ذلك جيدًا أم سيئًا، مترابط بشكل ضخم إلى حد أن تستطيع روسيا التلاعب فى الجدال على الإنترنت بالولايات المتحدة، وأن تؤثر القرارات المتخذة فى الصين على المزارعين فى أيوا. إلا أن هذا البيت الأبيض لا يتضمن أى واقعيين، إذ يديره فريق صغير نخبَوى من المُعادين أيديولوجيًّا للعولمة المبتعدين كثيرًا عن العالم الحقيقى الذى تسكنه ملايين عادية تحاول ممارسة الدبلوماسية والتفاوض والتجارة. وهذا فى حد ذاته، إذا فكرت فيه، مضحك جدا.

 

...

 

آن أبلبوم
كاتبة عمود بجريدة «واشنطن بوست»، مؤرخة متخصصة فى تاريخ الشيوعية وما بعد الشيوعية بأوروبا، أستاذة بكلية لندن للاقتصاد. من مؤلفاتها «الجولاج.. تاريخ» الذى فازت عنه بجائزة بوليتزر عام ٢٠٠٤ للأعمال غير الأدبية.
 

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات