.

فيديو «الطفل الباكى» الذى كشف وزارة التعليم.. الصورة ليست وردية!

Foto

كيف أثار فيديو «الطفل الباكى» مواقع التواصل الاجتماعى فى مصر؟ ما أبرز المخالفات التربوية والأخلاقية والقانونية التى ظهرت فى فيديو «الطفل الباكى»؟


خلال الأسبوع الأول فى الدراسة انتشر فى مواقع ومنصّات التواصل الاجتماعى والمواقع الإلكترونية الإخبارية فيديو يظهر فيه طفل لا يتعدَّى عمره ست سنوات، يعانى كسرًا فى إحدى قدمَيه التى وُضعَت فى الجبس، وهو يبكى فى الفصل مستعطفًا «الدادة» التى تقف أمام نافذة الفصل، قائلًا لها والدموع تنهمر من عينَيه «عايز أنام ربع ساعة والنبى يا حاجة.. ربع ساعة بس»، وكان إلى جوار «الدادة» أحد المعلمين فى المدرسة، يقوم بتصوير الطفل وتوسلاته، بينما تظهر فى الفيديو معلمة الفصل وهى تتجول بين الطلاب الصغار ملوّحة بعصا فى يدها، كسلاح ترهيب للصغار، ويكون ردُّها على توسلات هذا الطفل سخريةً من طلبه، والتعامل معه بطريقة توحى أنه طفل غير متزن عقليًّا!

 

انتشر الفيديو بصورة مذهلة، فى اليوم نفسه الذى وقعت فيه الحادثة، التى ربما يقابلها البعض بالسخرية والضحك والنقد، لمجرد أن هذا الطفل يحلق رأسه بصورة غريبة، أو لمجرد أنه ينادى على «الدادة» أو معلمة الصف بلقب «الحاجة»، دون أن يدركوا أنه طفل، طفل لا يتعدى عمره ست سنوات، طفل يعانى تبعات ساق مكسورة موضوعة فى الجبس، طفل لا يجد أمامه معلمة أو «دادة» شابة، بل يجد معلمة تنوف على الخمسين، كما يظهر ذلك بوضوح فى الفيديو، فما ذنبه -حينئذ- حتى نضحك عليه أو نسخر منه؟!
 

بدايةً، فإن مجرد تصوير هذا الطفل، أو غيره، إنما هو انتهاك صريح وفجّ لخصوصيته، والقيام بتصويره مناف لقانون الطفل، ثم القيام بتصويره، تحديدًا، وهو فى هذه الحالة المرضية والذهنية والإنسانية الصعبة، إنما هو سلوك غير تربوى يتنافى مع دور المعلم الإنسانى قبل أن يتنافى مع دوره التعليمى، الأمر الذى يكشف بجلاء ووضوح حالة التعليم والمعلمين التربويين فى وزارة التعليم، وعلى الرغم من أن مسؤولًا بوزارة التعليم اتصل بالطفل ووالده، مقدّمًا اعتذار الوزارة والوزير شخصيًّا عما حدث، فإن هذا الاعتذار لا ينفى أن ثمة خللًا واضحًا فى المنظومة التربوية والأخلاقية بوزارة التعليم فى مصر عمومًا، فليس من المعقول أن يستخدم معلّم تليفونه المحمول لتصوير الطلاب فى المدرسة، ولا سيما الطلاب الصغار، ولو أننا افترضنا أن هذا المعلم، وأمثاله، لا حسّ تربويًّا أو أخلاقيًّا لديه، فإننا نتساءل عن قانونية استخدام التليفون المحمول فى المؤسسات التعليمية، وبالطبع فإن القانون يمنع استخدام التليفونات المحمولة تمامًا داخل الفصول، لكن هذا القانون لا يُنفّذ فى أية مدرسة، تمامًا كما هى الحال مع القانون 154 لسنة 2007 باللائحة التنفيذية عام 2010 بمنع التدخين داخل المدارس والمؤسسات التعليمية!
 

وما فتئ وزير التربية والتعليم الدكتور طارق شوقى، يبشّرنا، منذ توليه الوزارة، بالنظام الجديد للتعليم فى مصر، وهو النظام الذى تتمحور أهدافه حول بناء شخصية الطالب بحيث تكون متّزنة، قويمة تثق فى نفسها، وتحب مدرستها ووطنها وتحترم معلميها، ومما يؤسَف عليه أن يكون فيديو «الطفل الباكى» بمثابة صفعة قوية للنظام الجديد الذى يبشّر به الوزير، وهى ليست حالة فردية أو استثنائية كما يعتقد البعض، فقط هى حالة استطاعت الذيوع والانتشار الواسع بفضل منصات التواصل الاجتماعى، لكن هناك مئات الحالات الأخرى التى لم يُتح لها الذيوع والانتشار لسبب أو لآخر، فما النظام الجديد الذى يتحدث عنه الدكتور طارق شوقى إلا حبرٌ على ورق، خصوصًا مع وجود معلمين وكوادر تعليمية وإدارية معاونة لا تعرف الأبجديات التربوية فضلًا عن الأخلاقية، فسلوكياتها وأفكارها فى وادٍ، ونظام الوزير طارق شوقى فى وادٍ آخر!
 

والسؤال الذى يفرض نفسه الآن، هو: هل القرارات التى اتخذتها وزارة التعليم بحق المقصرين فى واقعة «الطفل الباكى» تضمن عدم تكرار ما حدث؟ فى الحق، تحرّكت الوزارة، وتوعدت بمحاسبة المتورطين فى واقعة تصوير الطفل والاستهزاء به، وكالعادة جاءت القرارات ما بين الجزاء والإنذار والخصم من الراتب لكل من مدير المدرسة والمعلمة والدادة، بينما عُوقب المعلم الذى صوّر الطفل بالخصم عشرة أيام من راتبه مع نقله إلى ديوان الإدارة، لكن من المؤكد أن هذه القرارات لن تجتثّ الخلل الذى نعانيه فى وزارة التعليم، فهى كلها قرارات إدارية يعرفها الجميع، لكننا كنا نأمل أن يحدد لنا وزير التعليم استراتيجية واضحة ثابتة لتطوير التعليم، تختلف عما يطرحه الآن، لقد كنا نأمل أن نحسّ فعلًا، ويحسّ المواطنون وأولياء الأمور، بأن ثمة نظامًا تعليميًّا متكاملًا يُطبَّق فى مصر، وليس نظامًا مهتزًّا غير متكامل، تطارده الشائعات والتخبطات الإدارية هنا وهناك، كما هى الحال حين خرج الدكتور رضا حجازى رئيس قطاع التعليم العام، مؤكدًا أن وزارة التربية والتعليم قررت فرض غرامة 10 جنيهات على الطالب الذى يتغيب لمدة 10 أيام متصلة، وتوجيه إنذار بالفصل فى حالة تغيبه لمدة 15 يومًا، وفصله تمامًا فى حالة استمرار تغيبه لمدة 30 يومًا، ليخرج بعد ذلك الوزير طارق شوقى نافيًا الأمر تمامًا، مؤكدًا هو الآخر عدم تطبيق أية غرامات على الطلاب فى حال تغيبهم عن المدارس، مشيرًا إلى كونها «شائعة خبيثة»، على الرغم من أن الذى أذاع تلك الشائعة هو مساعد الوزير نفسه، وأحد أكبر المسؤولين فى وزارة التعليم منذ سنوات طويلة «..»، كنا نأمل أن يحس المواطنون بأن ثمة نظامًا تعليميًّا متكاملًا يُطبَّق أو فى طريقه لتطبيق خطواته الأولى، وليس نظامًا تعليميًّا متهرّئ الأركان، متضارب القرارات، كنا نأمل أن نحسّ بأن ثمة نظامًا تعليميًّا سليمًا تنعكس آثاره الإيجابية على الطلاب وأولياء أمورهم، لا نظامًا تعليميًّا غير ذى إقناع لعموم أولياء الأمور، الذين تصارعوا وتعاركوا وتناوشوا مع بعضهم بعضًا منذ اليوم الأول فى الدراسة، بسبب أولوية «التختة الأولى»!
 

ثم يأتى السؤال الأخطر، وهو: إذا كان الأزهر على خُطى وزارة التعليم فى كل شىء، فلماذا لا يتم توحيد التعليم فى مصر؟! فمما هو معلوم أن الدكتور طارق شوقى وزير التعليم، وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، وقَّعا معًا، الخميس الماضى، بروتوكولًا بشأن نقل تجربة نظام التعليم الجديد إلى المعاهد الأزهرية، بل إن البروتوكول تضمن، للمرة الأولى رسميًّا، التعاون بين الوزارة والأزهر فى سد العجز فى المعلمين بالمواد الدراسية التى تحتاج فى تدريسها إلى معلمين أكفاء، وتوفير أماكن مناسبة لتلقى المناهج الدراسية بداخلها، مع الأخذ فى الاعتبار تخفيف العبء عن الموازنة العامة للدولة، من خلال تعظيم عملية استغلال طاقات المعلمين ومساحات المبانى المتوفرة لدى كل من الأزهر ووزارة التربية والتعليم، وهو ما يجعلنا نتساءل عن الإصرار على ازدواجية التعليم فى مصر، ما بين تعليم مدنى عام وتعليم دينى أزهرى، فلماذا هذه الازدواجية وهذا الفصل ما دام طرف يتتبع أثر طرف ويقلده تقليدًا؟!
مؤكد، ازدواجية التعليم عائق كبير جدًّا نحو تطويره.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات