.

ما بعد الأفلام الوثائقية

Foto

كيف تطوَّرت صناعة «الوثائقيات» لتصل إلى «التسجيل الحى» لأعمار وأحوال البشر والبلدان؟


حسنًا، الانطباع الأول الذى سيأتيك عندما يتناهى إلى أذنك مصطلح «فيلم وثائقى»، أنه سيكون مجموعة من اللقاءات مع مختصين، وعدة لقطات تعبيرية فنية، وربما بعض مقاطع الفيديو النادرة القديمة التى تستحضر حدثًا ما.

 

قد تكون على حق، لكن الحقيقة أن الأفلام الوثائقية لم تعد كذلك.
 

ربما ليست صدفةً أن يُعرض خلال مهرجان الجونة السينمائى (الدورة الثانية)، فيلمان عربيان بارزان خلال مسابقة الأفلام الوثائقية، الأول هو «الجمعية» للبنانية- المصرية ريم صالح، والثانى هو «عن الآباء والأبناء» للسورى طلال ديركى، وكلا الفيلمَين يتبع منهجًا مشتركًا فى بناء الأحداث، وهو ما يمكن وصفه بـ«المعايشة الكلية» مع الأبطال، الذين هم أشخاص حقيقيون وليسوا ممثلين محترفين بطبيعة الحال.
 

صعوبة هذا المنهج فى بناء الفيلم أن المخرج، الذى يكون فى الأغلب هو نفسه واضع السيناريو، يمتلك نقطة البداية فى الفيلم، لكنه لا يملك قط لحظة النهاية. ذلك أنه هنا يقوم بتصوير «القدر» إن صح التعبير، ولا أحد بطبيعة الحال يمتلك قراءة القدر أو المستقبل، ربما نستطيع فعل ذلك فى الأفلام الروائية، لكن فى هذه النوعية من الأفلام الوثائقية فإن الأمر «مستحيل» كليةً، خصوصًا أن التطورات الدرامية التى تحدث فى الأفلام الوثائقية الواقعية، غالبًا ما تكون أكثر خيالًا مما يحدث فى الأفلام الروائية.
 

فى «الجمعية» مثلًا تنطلق ريم صالح من نقطة واقعية ساخنة، تزور حى روض الفرج الشعبى فى وسط القاهرة، لترصد كيف تغيَّرت «الجمعية»، ذلك الاختراع المصرى التكافلى الفذ، من واقع الناس الصعب والمؤلم وسط ظروف معيشية واقتصادية قاسية، بطلتها الرئيسية هى سيدة مصرية مذهلة تدعى «أم غريب»، نراها تمتلك سمات القيادة، وتشترك هى وزوجها «الشيخ عادل»، فى إدارة جمعية تضم كل سكان الحى تقريبًا، وتنقل هذا المنهج الاقتصادى الشعبى إلى الأطفال الصغار، فنجدهم يدخرون بدورهم جنيهًا واحدًا يوميًّا من أجل أن يقبض أحدهم فى بداية كل شهر 500 جنيه كاملة، قد تساعده فى شراء ملابس جديدة أو فى تسديد مصاريف المدرسة، أو قد تذهب بهم بعيدًا مثلما فعلت الطفلة «دنيا» عندما قررت أن تجرى عملية ختان لنفسها دون علم والدها!
 

«دنيا» وهى تحكى وقائع تفاصيل الختان، تبدو متحمسة، وشغوفة، ثمة انتصار داخلى بأنها فعلت أمرًا ما من مالها الخاص وهى لم تبلغ العاشرة من عمرها بعد، حتى ولو كان هذا الفعل «جريمة» بحق نفسها وأنوثتها. هنا يأخد «الجمعية» منحى آخر، إذ لم يعد يرصد ما فعلته الجمعية فى الناس، وإنما ما الذى يتغيَّر فيهم مع مرور الزمن.
 

«دنيا» مثلًا بسبب انفصال والدها عن والدتها، تجد نفسها مضطرة إلى أن تتوقف عن الذهاب إلى المدرسة. «أم غريب»، بطلتنا الشجاعة التى اعتادت على أن تواجه صعوبات الحياة بالعمل والمرح وإلقاء الدعابات والرضا بالمصير، تجد نفسها بعد بدء تصوير الفيلم بست سنوات كاملة (الفيلم بدأ تصويره فى أبريل 2011 وانتهى فى منتصف 2017)، قد تركت حى روض الفرج المحبب لديها، وطلقها زوجها الذى دخل فجأة فى حالة من «الدروشة» ووهب نفسه للمسجد والصلاة لا لأسرته والحياة، لتفقد «أم غريب» عالمها الأثير كله مرة واحدة. ونراها فى مشهد حزين فى نهاية الفيلم وهى تربِّى مجموعة من الدجاج فى عشة بإمبابة برفقة ابنها الذى تزوج مرتَين استنادًا فقط إلى «فلوس الجمعية»، وكلتا الزيجتَين جرَت فى وقائع احتفال صاخب، ضمت إحداهما راقصة شعبية.
 

لم تصور ريم صالح الفيلم بطبيعة الحال طول ست سنوات متصلة، لكنها خلال زياراتها المتعددة إلى روض الفرج بامتداد هذه السنوات، قامت بتصوير 400 ساعة كاملة من وقائع الحياة المذهلة للناس فى روض الفرج -قبل أن تستخلص منها لاحقًا 79 دقيقة فقط- مات فيها بعض شخصيات الفيلم، وعادت فيها شابة إلى زوجها الذى طلقها، مرتَين، قبل أن يطلقها للمرة الثالثة، لتعيش وحدها برفقة ثلاثة من أبنائها فى ظلال «الجمعية»، وباتت فيها «أم غريب» حزينة منكسرة القلب، وقد فقدت رفيق عمرها دون أن تفهم سببًا لذلك.
 

تظهر بعض مشاهد الفيلم وفيها شىء من قصدية التصوير بطبيعة الحال، لكن كل الحوارات هى من صنع الشخصيات دون تدخُّل المخرجة، كما فى ذلك كل المصائر التى آل إليها الأبطال، ليبدو «الجمعية» أكثر من مجرد فيلم عن الأثرَين الاجتماعى والاقتصادى للتكافل بين المصريين، وإنما لوحة حية تستعرض ما جرى لهم فى ست سنوات.
 

أما فى «عن الآباء والأبناء»، فإن المخرج السورى -المقيم بألمانيا- طلال ديركى، يختار أن يودع زوجته وطفله فى برلين ذات يوم، ليعود إلى وطنه فى مغامرة جسورة. سيكون رفيقًا لـ«أبو أسامة»، أحد أبرز قيادات «جبهة النصرة» فى شمال سوريا. ليس رفيقًا فى المعارك الحربية فحسب، وإنما داخل منزله، لنرى عن قرب مرحلة «تربية الأبناء» وصناعة المتطرفين الصغار.

 

استغرق الأمر بعض الوقت ليثق «أبو أسامة» فى «طلال»، كان على الأخير أن لا يتحدث فقط عن إيمانه بمعانٍ جهادية كبرى، مثل «الخلافة» و«محاربة الطواغيت» وما إلى ذلك، ليقنعه بأنه «منهم» وليس من «الآخرين»، وإنما كان عليه أيضًا أن يقتل الإنسان فى داخله وهو يصور بكاميرته، «أبو أسامة» وهو يصطاد أحدهم ببندقية قناص، وهو يراه يعلم أبناءه الذكور (8 أطفال فى أعمار صغيرة متباينة)، مبادئ الجهاد المسلح، ولعل نتيجة ذلك كانت مذهلة، إذ إنه بات لدينا ربما أول وثيقة مصورة من الداخل عن كيف يتم تشويه روح الأطفال وزرع الكراهية وحب الموت بداخلهم بين أوساط الجماعات المتشددة.
 

ذروة دراما «عن الآباء والأبناء»، القدرية بطبيعة الحال، تتجلى فى إصابة «أبو أسامة» إصابة عنيفة خلال واحدة من المعارك فى سوريا، الأمر الذى يستدعى بتر إحدى ساقَيه، يبدو المشهد قاسيًا على أبنائه، والدهم المؤمن بالجهاد، بات قعيدًا، يتألم من فرط الألم، يستقبلونه فى أول يوم له بالمنزل بعد الواقعة بالعويل والبكاء والصراخ، ثمة كيان ضخم انهار أمام عيونهم.

 

لكن «أبو أسامة» لا يترك لنفسه فرصة لمراجعة النفس، أما وقد بات عاجزًا، يرسل أبناءه الذين وصلوا إلى سن العاشرة إلى «معسكرات تدريبية جهادية»، نراهم يحملون السلاح ويتعلمون ضرب الرصاص، ويرتدون ملابس مموهة، قبل أن نرى «أسامة» نجله الكبير الذى سمى بهذا الاسم تيمنًا بأسامة بن لادن، كما هو واضح، يلتحق بجماعة جهادية وقد أصبح مقاتلًا محترفًا، بينما يعود شقيقه الأصغر إلى قريته الصغيرة البدائية مجددًا، لأنه فشل فى تعلم قواعد القتال بسبب «شروده الدائم». يذهب «أسامة» إلى مصير مجهول، بينما يعود شقيقه ليلتحق بالمدرسة الابتدائية فى بلدته، وفى مكانه مستندًا إلى عكاز يبدو الأب «أبو أسامة» مصممًا على أن يستكمل أبناؤه مسيرته.
 

بجانب المخاطرة الكبرى فى احتمالية اكتشاف أمر طلال ديركى، فإن مخرج «عن الآباء والأبناء» غامر بحياته فعليًّا من أجل 99 دقيقة هى عمر الفيلم الذى استغرق تصويرها عامَين ونصف العام، زار فيها الشمال السورى الملتهب لثمانى مرات، لكن النتيجة كان مذهلة وموجعة واستحقت بحق الفوز بجائزة فى المهرجان.
 

هكذا فإن «الجمعية» و«عن الآباء والأبناء»، يُعيدان تعريف «الفيلم الوثائقى» مجددًا، ليصبح ليس مجرد سرد تقليدى لوقائع جَرَت، وإنما «تسجيل حى» لما يحدث للبشر والبلدان عبر السنين، وما تفعله الأقدار فى مصائرنا، مهما عظمت أو صغرت هذه الأقدار، فكانت ذات مرة حربًا مدمرة، أو مجرد «جمعية» لناس بسطاء، لم يكن غرضهم سوى توفير قليل من الأموال فى زمن صعب وقاس، لكن الأقدار كان لها رأى آخر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات