.

تطوير التعليم لا يحاربه أحد.. لأن مفيش تطوير أساسًا

Foto

لماذا يرفض وزير التعليم الواقع؟ أى تطوير للتعليم ولا يوجد مقاعد للطلاب يجلسون عليها؟


كل يوم يمر علينا يثبت لنا أن منظومة التعليم غير واقعية ولا تمتلك مقومات النجاح، كل يوم يتأكد لنا أن هناك خللًا كبيرًا بين تصريحات المسؤولين والواقع، وكل يوم نكتشف أن هناك فى وزارة التربية والتعليم مَن يعيش فى الأحلام ويرفض أن يعيش الواقع، وجاءت حكاية الطفل الباكى لتكون دليلًا ماديًّا على اهتراء المنظومة، وابننا الباكى هو تلميذ بالصف الأول الابتدائى بمدرسة منية السرج الابتدائية التابعة لإدارة الساحل التعليمية، كان يترجى من معلمته أن ينام ربع الساعة فقط، فقد أرهقه اليوم التعليمى.

 

تم توثيق اللحظة ورد فعل الطفل فى فيديو قصير صوّره معلم، ليثبت تضرر الأطفال من اليوم الدراسى الطويل حسب منظومة الوزير الجديدة، مع تأكيدنا خطأ فعل التصوير ونشره دون إذن ولى أمر الطفل، ولأنه انتهاك لحقوق الإنسان بأن يعرض لحظات ضعفه على الناس دون علمه، لكن هذه قضية ثانية.
 

القضية الأولى التى كان يجب على الباحثين والخبراء أن ينتبهوا إليها هى الإجابة عن سؤال: لماذا كان الطفل يبكى؟ وكم طفلًا تضرر من اليوم الدراسى؟ وكم طفلًا فى مدرسة بالصعيد أو الريف المصرى بكى فقام المعلم بضربه أو تهديده ولم يتم النشر؟! كان من الممكن أن ننفذ إلى جوهر ومضمون الفيديو وأن نستفيد منه أكثر مما استفاد الإعلام، كان من الممكن أن يتحول إلى جرس تنبيه إلى أنه ليس الطفل الوحيد الذى يعانى وأن هناك احتمالًا أن تكون المنظومة الجديدة التى تطبق على «رياض الأطفال 1» و«رياض الأطفال 2» والصف الأول الابتدائى غير مناسبة، فالفترات التعليمة تبدأ من الساعة الثامنة وتنتهى فى الثانية والنصف، لا يتخللها إلا نصف الساعة استراحة من الساعة 11 إلى الساعة 11 ونصف، ولأن طول اليوم الدراسى كان إحدى الملاحظات للمعلمين والذى كثرت الشكوى منه، فالأطفال فى هذه السن يصعب عليهم أن يظلوا فى مقاعد الدراسة كل هذا الوقت، ولأن الطفل الذى يبدأ العلمية التعليمية الساعة الثامنة عليه الاستيقاظ الساعة السادسة، ومع المواصلات وحركة الانتقال من وإلى المدرسة يُجهد الطفل كثيرًا، وفى الفترات الأخيرة نجده غير قادر على تلقى أية معلومة أو المشاركة فى أى مجهود.
 

وبالتالى هذا الخلل الكبير فى المنظومة يثبت بالدليل القاطع أكذوبة تحويل التعليم إلى متعة ولعب، فالمدارس غير مؤهلة لتطبيق حلم الوزير (وهو حلم مشروع على أية حال)، إنما الواقع هو مَن يفرض نفسه دائمًا، والقائد الناجح هو مَن يحول التحديات إلى فرص، هو مَن يملك تحويل السلبيات إلى إيجابيات ليس بالتمنى وإنما بخطة مدروسة، وما دامت لا توجد خطة استراتيجية لتطوير التعليم ولتحويل الحلم إلى واقع وتكون هذه الخطة واضحة ومعلومة لكل المعلمين فى كل مدارس مصر، سيظل الحلم حلمًا، وسنظل نقول إن ما يطبق ليس تطويرًا بل عبث سخيف بمستقبل الوطن.
 

أى طوير والمدراس منذ سنوات لم يتم تجديد المقاعد بها لتناسب الطالب فى المرحلة الثانوية، ما زلنا بالديسكات الخشب المتهالكة المكسورة والمليئة بالثقوب والمسامير التى تفسد ملابس الطلاب من ابتدائى وإعدادى وثانوى؟! أى تطوير وفى أحيان كثيرة لا توجد مقاعد كافية للطلاب بالمدارس، مثل الوضع الصارخ الذى دعا مدير مدرسة بلطيم الإعدادية إلى أن يعلن فى طابور أول يوم دراسى أنه يعانى عحجزًا فى المقاعد، وأن الطالب إذا لم يجد كرسيًّا يجلس عليه فليست مشكلته، لأنه خاطب كل الجهات ولم توفر له الإدارة ولا المديرية ولا الوزارة تلك المقاعد؟ ومَن يريد الجلوس عليه استحضار كرسى من بيته، وصور ذلك ورفعه على «فيسبوك»، ليكون صرخته إلى الوزير والعالم، بعد أن أهلكه الروتين والتجاهل.
 

وللعلم فقد تم تحويله إلى التحقيق فى أثناء كتابة المقال، ليكرروا نفس السياسة وهى أن لا يُظهر أحد سلبيات التعليم وأن علينا أن نقول كله تمام.
 

يا سادة يا محترمين، إن المسؤولين بالتربية والتعليم لا يعنيهم الطفل الباكى ولا غيره، ولا يعنيهم وجود مقاعد دراسية من عدمه، ولا يعينهم بكاء كل أطفال مصر، ولا يحركهم عدم منطقية طول اليوم الدراسى وعبثية تحويل التعليم إلى متعة، إنما يعنيهم ويشغلهم ويزعجهم مَن يوقظهم من الحلم، يؤلمهم مَن يقول لهم الحقيقة، لهذا لم يهتموا بمضمون الفيديو إنما اهتموا بالطريقة التى يسكتون بها المعترضين ومَن تسول له نفسه للاعتراض فى المستقبل.
 

المطلوب كان إسكات كل مَن يجرؤ القول إن المنظومة بها خلل كبير، ويحاول أن يثبت هذا، لهذا قامت لجنة تحقيق من وزارة التربية والتعليم وحققت فى الواقعة وأصدرت القرار فى ساعات، مما يدل على التسرُّع وعدم التثبت، فمثل هذه الإجراءات يجب أن تمر بسلسلة من التحقيقات ولا يتم اتخاذ العقوبات الإدراية بهذه السرعة، ثانيًا حجم العقوبات كان كبيرًا وقاسيًا جدًّا ولا يتناسب مع المخالفة، رغم أن هناك وقائع مشابهة قام المعلمون فيها أو الطلاب بالتصوير ولم يتحرك الوزير ولا المسؤولون، وتحركوا هذه المرة لا للطفل ولا لحقوقه إنما لأن دليلًا على فشل المنظومة أو على الأقل أن بها خللًا أو أنها دليل على الاستغراق فى الحلم.
 

ففى 28 يوليو الماضى صرَّح الوزير بأن فنلندا طلبت تقليد التجربة المصرية فى التعليم! طيب هيكون شكلنا إيه أمامهم أو أمام العالم الذى ينتظر التجربة على أحر من الجمر؟! وحفاظًا على الادعاء بأن المنظومة زى الفل، ومن أجل أن يتم ردع الآخرين الذين قد تسول لهم أنفسهم وتوثيق الخلل هنا أو هناك جاءت القرارات فى منتهى القسوة، فقد تم مجازاة مدير المدرسة الابتدائية التابعة لإدارة الساحل التعليمية بالخصم 3 أيام، للتقصير فى الإشراف، ومعاقبة معلمة الفصل بالخصم 5 أيام من راتبها للتعامل بأسلوب غير تربوى.
 

وتم إنذار العاملة بذات المدرسة لوجودها دون سبب داخل الفصل، ومعاقبة المعلم الذى قام بالتصوير بالخصم 10 أيام من راتبه ونقله إلى ديوان الإدارة بذات الدرجة، وفى الوقت نفسه لكسب تعاطف أولياء الأمور، صرَّح الوزير بأن تطوير التعليم يتعرَّض لحرب شرسة، والحق أقول لكم: التطوير لا يحاربه أحد، لسبب بسيط جدًّا هو أنه لا يوجد تطوير من أساسه.
 

أيها الناس، إنى أرى التعليم بائسًا والمسؤولين فى وادٍ والمعلمين فى وادٍ آخر والطلاب فى وادٍ ثالث بعيد عنهم. أيها الناس، إنى أنصحكم، إياكم وارتفاع سقف التفاؤل بهذه المنظومة، فهى مليئة بالمشكلات وأخشى عليكم من الصدمة، والله تعالى من وراء القصد وهو يهدى السبيل.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات