.

سينما التنمر و«ودان» أحمد حلمى

Foto

هل نجحت أفلام السينما المصرية فى رصد ظاهرة التنمر بشكل حقيقى؟ لماذا انتشر فيديو الطفل الباكى أكثر من دعاية حملة محاربة التنمر؟


ظهر الفنان أحمد حلمى مؤخرًا فى فيديو يعترف فيه بأنه كان ضحية التنمر فى سنوات الدراسة؛ بسبب نحافته وشكل أذنيه الكبيرتين، وكان الفيديو بمناسبة حملة «أنا ضد التنمر»، التى يرعاها المجلس الأعلى للطفولة والأمومة، ووزارة التربية والتعليم، وتهدف إلى محاربة ظاهرة التنمر فى المدارس، وهى حملة تدعمها هيئة اليونيسف والاتحاد الأوروبى، وتستمر حتى نهاية الأسبوع الأول من شهر أكتوبر.

 

دعاية الحملة لم تحظَ بنصف شُهرة فيديو واحد صوَّره أحد أساتذة مدرسة ابتدائى لطفل كان يتوسل لمعلمته أن تتركه ينام ربع ساعة فى الفصل، وكان فعل تصوير الأساتذة للطفل نوعًا من التنمر، ولكن فى ظل معجنة القيم والمصطلحات تحول الموقف إلى «تريند» على السوشيال ميديا، ومادة ظريفة للتوك شو.

 

لولا هذا الفيديو لم يكن مصطلح «التنمر» سيطفو على السطح، ويتناوله كثيرون دون الوصول إلى جديد؛ لطبيعة التناول الاستهلاكى المتكرر التى تحظى بها موضوعات هامة.
 

التنمر، أو محاولة إرهاب الآخر بالاستقواء والتسلط والبلطجة فعل يُمارس فى الحياة اليومية المصرية بتنويعات مختلفة، ولا يتوقف المجتمع كثيرًا لتحليله ومقاومته. يتعرض التلاميذ له فى المدرسة، والمواطنون فى الشوارع، والركاب مع سائقى الميكروباص، والجيران بعضهم مع بعض، فى صراعات مع بعض السكان الذين يضعون سلاسل أمام منازلهم لحجز أماكن ركن سياراتهم، وفى المكاتب الحكومية التى يتفنن موظفوها فى تعذيب المواطن صاحب المصلحة، وفيلم «الإرهاب والكباب» -مثلًا- قائم على حادثة تنمر موظف بمواطن، تحولت إلى أزمة احتجاز رهائن فى مجمع التحرير.
 

وهناك السوشيال ميديا، وهى ساحة مفتوحة للتنمر الذى يكاد يصل إلى حد الحرب الأهلية الإلكترونية، وهناك تنمر على شاشة التليفزيون، يمارسه بعض الضيوف الذين يظنون أنهم قادرون على تشويه وتجريح كل مَن يختلفون معهم، بلا حساب، وللأسف يجد بعض الإعلاميين فى هذا النوع من التنمر مادة «حرّيفة» لبرامجهم اليومية الرتيبة الماسخة التى لا تفيد.
 

مرت كاميرا السينما المصرية على شخصية ضحية التنمر، وحاولت نقل أثر الفكرة للمشاهد، فماذا فعلت؟
 

حاول فيلم «لا مؤاخذة»، تأليف وإخراج عمرو سلامة، تصوير تعرض بطله التلميذ الصغير هانى «أحمد داش» للتنمر، وذلك بعد انتقاله من المدرسة الخاصة التى كان يدرس بها إلى مدرسة حكومية، نتيجة تدهور ظروف عائلته المادية بعد وفاة الأب المفاجئة، وكان الفرق الاجتماعى والثقافى جزءًا من المادة الخام الدافعة لتنمر التلاميذ بزميلهم الجديد، الذى يبدو من طبقة أعلى من طبقتهم الشعبية المتواضعة، لكن مؤلف ومخرج الفيلم عمرو سلامة أضاف إلى الشخصية بُعدًا آخر، وهو البُعد الدينى، فالطفل مسيحى ويخفى ديانته عن زملائه، وتصاعدت عملية الاستئساد على البطل الصغير، خصوصًا من زميله قوى البنية، ولم ينتهِ الأمر إلا حينما ضرب زميله البلطجى المتنمر خارج المدرسة.

 

دراميًّا نجح الفيلم فى تصوير حالة التنمر، ولكنه لم يصمد للذهاب بهذا الخط الدرامى إلى أقصى مدى، وانتهى بانتصار سطحى للبطل.
 

فيلم آخر تعرض لشخصية المُتنمر، هو «الناظر»، تأليف أحمد عبد الله، وإخراج شريف عرفة، وفى الفيلم نرى شخصية تلميذ فاشل، يبدو أكبر سنًّا من زملائه، ويقوم بإرهاب زملائه والمدرسين، ويثير الفوضى فى المدرسة، ويحاول إفساد أى محاولات جادة لانتظام العملية التعليمية فى فصله، ويستخدم كل وسائل البلطجة والعنف البدنى لتحقيق ذلك. ماذا كان الحل الدرامى للتعامل مع تلك الشخصية؟ تعلم بطل الفيلم وناظر المدرسة «علاء ولى الدين» بعض حركات الفنون القتالية، وتمكن من إيقاف هذا الطالب المتنمر عند حده بعد ضربه أمام زملائه. نفس الحل التقليدى الذى يجلب التصفيق، ويضع «مرهم» على المشكلة.
 

نفس هذا الحل تقريبًا قدَّمه أحمد حلمى فى فيلمه «زكى شان»، فبطل الفيلم كان عُرضة للسخرية دائمًا بسبب ضعف بنيته وخوفه، وكان يتعرض لتنمر بلطجى المنطقة وعصابته، وكان البلطجى يقوم بتثبيته فى الشارع ليلًا، ويسرق ملابسه ويتركه يعود إلى منزله بجلباب ممزق، وفى نهاية الفيلم يستجمع البطل شجاعته، ويقوم بتأديب البلطجى وأعوانه، وإلباسهم جلابيب ممزقة بدلًا من ملابسهم، بنفس منطق البلطجى فى الإيذاء والإهانة. ربما يستطيع أحمد حلمى مستقبلًا تقديم عمل إنسانى حقيقى وأكثر أصالة وقيمة عن التنمر، بعيدًا عن الشكل النمطى والسطحى للتعامل مع هذه المشكلة.
 

لا يوجد أسوأ من التنمر إلا التنمر المضاد، يتعرض الطفل للاستقواء والبلطجة فيذهب إلى والديه شاكيًا، ويطلب الأب من ابنه أن يضرب مَن ضربه، أو يسبّ مَن سبَّه، ويأخذ حقه بنفسه، وهذا الحل الذى ينتمى إلى مجتمع تسوده قوانين الغابة يسيطر على فكر العامة وبعض النخبة للأسف، وينضح هذا الحل على شاشات السينما والتليفزيون، ويتحول إلى حل درامى يعجب الجمهور ويصفق له، كما يصفق لأى حل درامى انتقامى فى سينما الكاوبوى، ومَلاحم السوبرهيروز، وأفلام محمد رمضان.
 

فى فيلم Wonder «أعجوبة»، تقوم جوليا روبرتس وأوين ويلسون بدورَى والدَى طفل فى العاشرة يعانى من مرض نادر سبب له تشوهًا فى وجهه. الطفل «أوجى» يحب النجوم، ويتمنى أن يصبح رائد فضاء، ولهذا يرتدى خوذة على وجهه، وهى خوذة تخفى وجهه عن الآخرين، وبعد سنوات قضتها الأم فى المنزل لتتفرغ لرعاية وتعليم ابنها، تقرر هى وزوجها أنه يحتاج إلى التعلم بشكل منتظم فى مدرسة عامة، وهناك يتعرض للتنمر بشكل منتظم، ما يدفع الوالدين وإدارة المدرسة للتعامل مع زملائه المتنمرين وأهلهم، ويتعمق الفيلم فى التفاصيل الشائكة للقضية بصورة ملهمة، لا تُقدم حلولًا انتقامية أو سطحية، ولكن تفاصيل إنسانية مثيرة عفوية، تبتعد عن النصائح والمواعظ المباشرة، تفاصيل تضع المتفرج فى حالة وجدانية تجعل من أزمة البطل تلك أزمة شخصية لكل مُشاهد، وتجعل التعاطف معه فعلًا إيجابيًّا إنسانيًّا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات