.

تعديلات الشفافية وردع المتلاعبين

Foto

ما التعديلات الجديدة على قانون سوق المال المصرى منذ ربع قرن؟ هل تجذب التعديلات الاستثمار؟


بعد طول غياب وانتظار لتطوير وتحديث القانون المنظم لسوق المال المصرى، جاءت موافقة مجلس النواب على التعديلات الأكبر والأشمل منذ إصدار القانون قبل 26 عامًا بتعديل 45 مادة من مواد القانون رقم 95 لسنة 1992، وجاءت هذه التعديلات فى معظمها ممتازة من حيث تطوير آليات السوق التنظيمية والرقابية، واستحداث أدوات مالية جديدة، ومواكبة التطورات فى الأسواق المالية العالمية، وتحقيق الشفافية فى السوق وردع المتلاعبين والمخالفين، حيث تم تعديل هذا القانون ثلاث مرات على نحو محدود فى أعوام 2006، 2008، 2009، ولكنها لم تكن كافية فى ظل التطور الهائل لأسواق المال الدولية من حيث القواعد والمعايير والأدوات المالية، وتنامى حجم سوق المال المصرى؛ لذلك كانت هناك حاجة ماسة إلى إدخال تعديلات جوهرية على القانون من أجل تفعيل دور القطاع المالى غير المصرفى بحيث يكون محركًا أساسيًّا للنمو الاقتصادى من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية وفتح الآفاق أمام الاستثمارات المحلية، سواء المباشرة أو غير المباشرة، وإعادة النظر للبورصة المصرية على أنها السوق الأهم لتمويل القطاعات الإنتاجية للاقتصاد المصرى من خلال التمويل الاستثمارى، الذى يخلق قيمة مضافة لكل الأطراف، سواء للدولة أو للشركات أو للمستثمرين، وترسيخًا لمبدأ أنه لا توجد دولة لديها اقتصاد قوى دون وجود بورصة قوية تكون بمنزلة مؤشر يومى للأداء الاقتصادى للدولة.

ومن أبرز تلك التعديلات هو إدخال أدوات مالية جديدة لسوق المال المصرى، من بينها الصكوك، والسماح بإنشاء بورصة للسلع والعقود الآجلة، حيث تضمنت التعديلات تنظيم إصدار الصكوك وتداولها كأحد أنواع الأوراق المالية التى ينظم طرحها للاكتتاب العام أو الخاص وتداولها ضمن قانون سوق رأس المال، مع إعفائها من ضريبة القيمة المضافة، وبالتالى تم إلغاء قانون الصكوك رقم 10 لسنة 2013، وذلك لإتاحة أدوات مالية جديدة للاستثمار، تعمل على جذب شريحة كبيرة من المستثمرين المحليين والعرب؛ مثل البنوك الإسلامية وشركات التأمين التكافلى، التى ترفض الاستثمار فى أدوات الدخل الثابتة. وتتضمن التعديلات الجديدة للقانون إنشاء بورصة للسلع والعقود، وتشمل بورصة العقود الآجلة وشركات الوساطة فى العقود ومركز المقاصة والتسوية والمخازن المعتمدة للسلع ووحدة الإشراف والرقابة على المخازن المعتمدة للسلع، وخبراء تصنيف السلع. وبورصة العقود الآجلة هى بورصة يتم التداول فيها على العقود بيعًا وشراءً، والتى يشتق قيمتها من قيمة أصول مالية أو عينية أو مؤشرات الأسعار، أو أوراق مالية أو سلع أو أدوات مالية، أو غيرها من المؤشرات، سواءً أكانت فى شكل عقود مستقبلية أم عقود خيارات أم عقود مبادلة، وغيرها من العقود النمطية. والعقود المستقبلية هى عقود نمطية لشراء أو بيع سلع أو أوراق مالية أو غيرها من الأدوات المالية، على أن يكون تنفيذ التعاقد فى موعد مستقبلى لطرفَى التعاقد، وذلك على أساس سعر تنفيذ يتفق عليه وقت إبرام التعاقد، أما عقود الخيارات فإنها ذات العقود المستقبلية متى كانت تعطى لمشترى العقد الحق فى شراء أو بيع كمية من السلع أو الأوراق المالية، وغيرها من الأدوات المالية فى تاريخ محدد أو خلال فترة زمنية محددة بسعر تنفيذ يتم الاتفاق عليه وقت إبرام التعاقد. أما عقود المبادلة فإنها عقود لمبادلة أصل أو مؤشر أو أداة مالية أو ورقة مالية بأخرى وفقًا لبنود التعاقد، على أن يحدد بها سعر التنفيذ «سعر المبادلة» وتواريخ المبادلة وتاريخ انتهاء العقد وقت إبرام التعاقد، وتتيح بورصة العقود الخاصة بالسلع اتفاق المتعاملين على تفاصيل بيع وشراء سلعة بسعر طويل الأجل، بما يعنى موافقة البائع على تسليم كمية معينة من سلعة ما فى تاريخ مستقبلى مقابل سعر يحدد عند إبرام العقد، بغض النظر عن سعر السلعة يوم التسليم، ويمكن تداول تلك العقود الآجلة وانتقالها من متداول إلى آخر، وتهدف تلك التعديلات إلى ضبط إيقاع السوق وتحقيق شفافية لتداول السلع وفقًا للعرض والطلب، ومحاربة ممارسات التهريب والاحتكار والغش التجارى، والحفاظ على أسعار متوافقة وثابتة للسلع الأساسية؛ مثل القطن والقمح والسكر والأرز، وتتعامل البورصات السلعية فى الحبوب ومنتجاتها، والبقوليات، والمنتجات الزراعية الجافة، والألبان ومنتجاتها، والدواجن والماشية واللحوم، والخضر والفاكهة، ويصدر عنها عند الإقفال نشرة تتضمن جميع التعاملات، توضح الكميات والأسعار.
كما استهدفت بعض التعديلات تيسير وتشجيع قيد وتداول الأوراق المالية بالبورصة المصرية، وإصدار السندات والصكوك، حيث تضمنت التعديلات جواز قيد الورقة المالية أو الأداة المالية فى أكثر من بورصة، وتنظيم طرح الأدوات المالية فى السوق المصرية، بالإضافة للأوراق المالية من خلال تحديد تعريف الاكتتاب العام والطرح العام والطرح الخاص، والأحكام الخاصة به، والشروط والضوابط الواجب الالتزام بها عند طرح أى أوراق مالية أو أدوات مالية من خلال الطرح الخاص، وذلك بحسب نوع الورقة أو الأداة المالية المراد طرحها، وكذلك تضمنت التعديلات تحديد رسوم قيد الأوراق المالية أو الأدوات المالية بها، بما لا يجاوز اثنين فى الألف من قيمة أسهم رأس المال أو الأوراق المالية أو الأدوات المالية المطلوب قيدها، وبحد أقصى قدره 500 ألف جنيه سنويًّا، ما يسمح بتخفيض رسوم قيد الأوراق المالية بالبورصة المصرية، خصوصًا للشركات الصغيرة والمتوسطة، ووضع حد أقصى خمسين ألف جنيه سنويا لرسوم قيد وإصدار السندات والصكوك وأدوات الدين الأخرى مع إعفاء قيد الأوراق المالية أو الأدوات المالية، التى تصدرها الدولة، تمامًا من هذه الرسوم، كما تضمنت التعديلات تخفيض تكلفة النشر على الشركات والجهات التى تصدر أوراقًا أو أدوات مالية فى اكتتاب عام أو عند نشر قوائمها المالية، وذلك بعدم اشتراط نشر كامل نشرة الاكتتاب فى صحيفتين يوميتين واسعتى الانتشار، واقتصار النشر على ملخص نشرة الاكتتاب فقط فى إحدى الصحف المصرية اليومية واسعة الانتشار باللغة العربية، على أن يتم نشر كامل نشرة الاكتتاب إلكترونيا على موقع تعده الهيئة على شبكة المعلومات الدولية. ومن التعديلات التى تسهم بفتح آفاق تمويلية سريعة للشركات هو السماح بإصدار أدوات دين قصيرة الأجل؛ مثل السندات وصكوك التمويل بإجراءات ميسرة، حيث تضمنت التعديلات السماح للشركات والجهات بإصدار أدوات دين قصيرة الأجل، لا تجاوز مدتها سنتين بقرار من مجلس إدارة الشركة بتفويض من الجمعية العامة.
وقد جاءت بعض التعديلات مستهدفة تنمية وتطوير وزيادة حجم أعمال سوق المال المصرى، وتطوير الشركات العاملة فى مجال الأوراق المالية وتسهيل أعمالها وفتح أسواق لها وبدائل جديدة، ويأتى على رأسها تحقيق المطلب التاريخى للعاملين فى سوق المال المصرى بإنشاء اتحاد يضم الجهات العاملة فى مجال الأوراق المالية كهيئة مستقلة ذاتية التنظيم، تحت اسم «الاتحاد المصرى للأوراق المالية» على غرار الاتحادات المنظمة بموجب قانون البنوك والتأمين والتمويل العقارى والتمويل متناهى الصغر، والذى سيُسهم فى تنمية نشاط سوق رأس المال وزيادة الوعى به، وتبنى المبادرات الداعمة بسوق المال المصرى وتقديم التوصيات بشأن التشريعات المنظمة والعمل على تنمية مهارات العاملين بالمجال، والتنسيق بين الأعضاء وحماية حقوقهم والدفاع عن مصالحهم، وكذلك تضمنت التعديلات وضع نظام بعمولات السمسرة والحدود القصوى لمقابل الخدمات عن العمليات التى تتم فى البورصات، والسماح للشركات العاملة فى الأنشطة المالية غير المصرفية بمباشرة نشاط صناديق الاستثمار بنفسها دون أن تطلب إنشاء شركة لهذا الغرض بهدف تشجيع إنشاء صناديق استثمار، وتيسير إجراءات ترخيصها، وكذلك السماح لشركة الصناديق التى تساهم فيها البنوك بجواز حفظ الأوراق المالية لدى البنك المساهم، وكذلك تضمنت التعديلات السماح بتلقى الاكتتاب فى وثائق صناديق الاستثمار عن طريق الشركات العاملة فى مجال الأوراق المالية، وأخيرًا ربط المسؤولية الجنائية للمدير الفعلى للشركة فى حالة علمه بالجريمة أو كون الجريمة قد وقعت بسبب إخلاله بواجباته الوظيفية، بهدف تقرير مسؤوليته الجنائية وفقًا للضوابط الدستورية، التى ربطت المسؤولية الجنائية للمدير الفعلى بثبوت علمه بتلك الجرائم، أو كون إخلاله بواجبات وظيفته هو السبب فى وقوعها.
وجاءت بعض التعديلات مستهدفة حماية السوق، خصوصًا صغار المستثمرين، وحقوق الأقلية وتعميق الدور الرقابى والتنظيمى وردع المتلاعبين والمخالفين، حيث تضمنت التعديلات زيادة حماية حقوق الأقلية من المساهمين فى حالات عروض الشراء أو عمليات الاستحواذ  أو مَن تعمد عدم تنفيذ تعهداته الخاصة بحقوق صغار المساهمين، خصوصًا فى حالات الاستحواذ والشراء الإجبارى، ومعاقبة كل مَن يخالف أحكام الاستحواذ بالغرامة المناسبة، وزيادة الحد الأقصى للغرامة لكل مَن يتصرف فى أوراق مالية على خلاف القواعد المقررة، وزيادة العقوبة المالية والتعامل بناءً على معلومات داخلية غير متاحة للكل لتحقيق عنصر الردع، وذلك من خلال ربط قيمة الغرامة بما يحققه المخالف من نفع على حساب السوق وصغار المستثمرين والمساهمين. كما شملت التعديلات منح سلطة للهيئة وللبورصة فى إيقاف المتعامل عن شراء الأوراق المالية حال ارتكابه مخالفات تتعلق بالتلاعب فى أسعار الأوراق المالية، وذلك بقرار مُسبب لمدة لا تجاوز ستة أشهر لاتخاذ تدابير احترازية سريعة للحيلولة دون استمرار حالات التلاعب فى سوق الأوراق المالية، وفى إطار أهمية وخطورة عمليات التقييم المالى للمنشآت التى تقوم بها الشركات المرخص لها بنشاط الاستشارات المالية عن الأوراق المالية، والتى بموجبها يتم التقييم، سواء بغرض زيادة رأس المال أو الاستحواذ أو تحديد القيمة العادلة أو غيرها من الحالات التى تتطلب تقييما ماليا وفقًا لقواعد قيد وشطب الأوراق المالية، تم النص على معاقبة كل من يتعمد مخالفة معايير التقييم المالى الصادرة عن الهيئة، وذلك فى ضوء خطورة ما يقوم به المرخص لهم بأعمال التقييم المالى، وما قد تسببه أعمالهم من إضرار بالسوق أو المتعاملين بها.
ويأتى التعديل الرقابى والتنظيمى الأهم بإلغاء الأوراق المالية لحاملها، حيث كان يعد وجود الأوراق المالية لحاملها نقطة سلبية فى التقييم الدولى للسوق المصرية فى ما يخص مكافحة غسل الأموال، حيث تشدد المؤسسات الدولية المعنية بأسواق المال على أهمية إلغاء الأوراق المالية لحاملها، نظرًا للسلبيات والمشكلات المرتبطة بها، وأهمها المخاطر التى يتعرض لها مُلاك هذه الأوراق المالية فى حالة سرقتها أو ضياعها أو تلفها بشكل يتعذر معه تحديد معالمها، حيث إن سند ملكيتها الوحيد هو حيازتها المادية، ما يؤدى لضياع حقوق مالكيها وكثرة المنازعات بشأنها، وكذلك تساعد على التهرب الضريبى لسهولة استبعادها من الإقرار الضريبى بما يضيع حقوق الدولة، وكذلك إمكانية استخدامها فى عمليات غسل الأموال، نظرًا لعدم معرفة اسم مالكيها.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات