.

كيف تدير مصر سياساتها الإقليمية؟

Foto

لماذا تستمر مصر فى الدوران فى فلك حلفاء الولايات المتحدة؟ ماذا لو تبنَّت مصر عملية بناء نظام إقليمى عربى معادٍ للكيان الصهيونى وغير خاضع لأمريكا؟


كانت السياسة الإقليمية للرئيس الأسبق حسنى مبارك، مثار انتقاد معارضيه الدائم الذين رأوا فيها تراجعًا إن لم يكن غيابًا تامًّا لما دأبوا على وصفه بدور مصر الإقليمى. ومثَّل التوجه العروبى لمصر وقيادة جمال عبد الناصر القومية إبان الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى -سواء عبر عن ذلك صراحة أو بقى ضمنيًّا- النموذجَين اللذين كانا تقيّم على أساسهما تحالفات مبارك الإقليمية ومواقفه من قضايا الوطن العربى وفى مقدمتها الصراع العربى-الصهيونى، لذلك لم تكن الاتهامات التى وجهها المتظاهرون فى ميدان التحرير فى شتاء عام 2011 إلى مبارك بالعمالة لكل من الولايات المتحدة والكيان الصهيونى مفاجأة. وبعد سقوط مبارك والانهيار السريع لحكم الإخوان المسلمين تصاعدت الآمال بعودة مصر للعب دور مستقل وفاعل فى الشؤون العربية، ولكن عوضًا عن أن تترجم تلك الآمال إلى حوار جدى بين مختلف أطياف الطبقة السياسية حول ماهية هذا الدور والمعوقات التى قد تواجهه، فإن هذا الموضوع كاد أن يغيب تمامًا من النقاش العام، بل إن الكثير من الأصوات فى وسائل الإعلام المصرية بشرت واحتفت بما وصفته استعادة مصر لدورها الإقليمى بناءً فقط على تقييمها الإيجابى لأداء الرئيس المصرى فى الجمعية العامة للأمم المتحدة ونشاطه الخارجى المكثف. وإذا ما تغاضينا عن التناقض الكامن بين اللغة ذات الصبغة الماضوية التى تعكسها لفظة استعادة والتوجه المستقبلى الذى من المفترض أن تعبر عنه سياسة إقليمية لبلد مرّ -وفقًا لطبقته السياسية- «بثورتين» فى غضون أربعة أعوام، فإن استناد الحديث عن استعادة مصر دورها على أساس تفوّق أداء عبد الفتاح السيسى فى زياراته الخارجية ولقاءاته مع المسؤولين العرب والأجانب على أداء محمد مرسى فى مواقف مماثلة يعكس أكثر من إشكالية، يأتى فى مقدمتها رسوخ النظرة الاختزالية للسياسة الإقليمية المصرية -والخارجية عامة- التى لا ترى فيها سوى شخص وأداء وتصريحات رئيس الدولة على مسرح العلاقات الدولية، وهى نظرة تعزَّزت منذ سبعينيات القرن الماضى، وساعد على ذلك الولع الشديد لأنور السادات بالأداء الدرامى، إضافة إلى صدامه مع عدد من مؤسسات الدولة وأدواتها التى لعبت خلال المرحلة الناصرية أدوارًا مهمة فى رسم وتنفيذ السياستَين الإقليمية والخارجية المصرية وتهميشه لأخرى، وعلى ما فى سيادة هذه النظرة الاختزالية من سلبيات وما تتضمنه من مخاطر مثل جعل السياستين الإقليمية والخارجية المصريتين دائمًا عرضة لتقلبات وتغيُّرات حادة مع تغيُّر شخص الرئيس وحرمان الدولة من الكثير من الإمكانات المؤسسية والفردية التى تستطيع أن تسهم بإيجابية فى صياغة وتنفيذ سياسة جديدة، فإن الأخطر من ذلك هو أن التركيز على إبراز التباين فى أداء الرؤساء فى زياراتهم ولقاءاتهم الخارجية وغيرها من الأمور ذات الطابع الشكلى بدلًا من فحص وتحليل مضمون سياساتهم الإقليمية والخارجية يعمل على إبعاد الثابت فيها منذ منتصف سبعينيات القرن الماضى -وهو ما يجب إخضاعه للنقد والتغيير- عن الأضواء وتسليط الأخيرة على المتغير مهما كان شكليًّا وضئيلًا أو مؤقتًا. 

وارتكزت السياستان الإقليمية والخارجية المصريتان من بعد عبور السادس من أكتوبر وحتى الحاضر على معادلة تقوم على التخلّى عن عملية بناء نظام إقليمى عربى معادٍ للكيان الصهيونى وغير خاضع للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الخليجيين -وفى مقدمتهم السعودية- إضافة إلى المساهمة فى تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية فى المنطقة مقابل الحصول على دعم اقتصادى وتقنى غربيين ومالى خليجى، والدخول تحت مظلة الحماية الأمريكية. ولم يترتب على وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم تغيير هذه المعادلة، فقط تم استبدال قطر كالداعم المالى الرئيسى بالسعودية والمحور القطرى-التركى كحليف إقليمى مفضل بالمحور السعودى-الإماراتى، وهو ما تم التراجع عنه عقب الإطاحة بمحمد مرسى، وفى كل الأحوال ظلَّت القاهرة منذ سبعينيات القرن الماضى تعطى لتحالفها مع الولايات المتحدة أولوية على سائر علاقاتها مع القوى الدولية الأخرى، واستمرت فى الدوران فى فلك حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين، وبقيت معاهدة السلام مع الكيان الصهيونى العامل الأكثر تأثيرًا فى رسم نوع وحدود التحركات الإقليمية المصرية. ولا تتعارض التصريحات الاحتجاجية الرسمية ضد جموح السياسات الأمريكية فى الوطن العربى وعدوانيتها، سواء تلك التى صدرت فى عهد مبارك أو الصادرة بعد 30 يونيو 2013، ولا محاولات التقارب مع دول رئيسية أخرى فى النظام الدولى، مثل روسيا والصين مع هذا التوصيف للسياستين الإقليمية والخارجية المصريتين، فهذه التصريحات فى مجملها لم تزد عن كونها اعتراضات على عدم مراعاة الولايات المتحدة لمصالح حلفائها المحليين أو الإقليميين التقليديين ولم تصل قط إلى حد الخروج على السياسات الأمريكية فى المنطقة، كذلك الحال فى ما يتعلَّق بالانفتاح على روسيا أو الصين، والذى لم يُترجم حتى الآن إلى محاولات جدية لتجاوز ما رسخ فى أذهان العديد من المسؤولين العرب من احتكار الولايات المتحدة لمفاتيح حل الأزمات فى الوطن العربى.
وإذا كان تقارب الموقفين المصر والروسى حاليًّا فى ما يتعلق بالأزمة فى سوريا يمكن أن يشكل أساسًا لكسر ما يعتبره النظام العربى الرسمى مسلمة سياسية، فإنه لا يزال من المبكر الحكم عما إذا كانت الدولة المصرية ستتخذ خطوات جادة فى هذا الاتجاه أم ستكتفى بتصريحات إعلامية للاستهلاك المحلى.
وأدَّت تلك المعادلة، والتى حكمت السياستين الإقليمية والخارجية المصريتين منذ أن قَبِل بها السادات فى سبعينيات القرن الماضى حتى يومنا هذا، إلى تراجع مستمر فى مكانة مصر الإقليمية، وهو ما يعد أمرًا مفهومًا، نظرًا لأن مصر توقَّفت بمقتضاها عن إنتاج رؤيتها الخاصة عن هوية الإقليم وحدوده وعن العمل على إنشاء آليات ومؤسسات إقليمية تعكس وتعزّز هذه الرؤية، وتحوَّلت إلى متلقى لأفكار الآخرين، سواء من خارج الإقليم، مثل الولايات المتحدة (سواء الدوائر الرسمية أو البحثية) أو من المغروسين عنوة فيه مثل الكيان الصهيونى أو من دعاة المذهبية السياسية، مثل السعودية، وإلى مساهم فى بعض الأوقات -ولو بتردد- فى محاولات تحويل بعضها إلى واقع، كما ظهر فى تمحور النقاش والحراك السياسيين فى المنتديات السياسية والبحثية والإعلامية المصرية خلال العقدين الأخيرين حول الشرق الأوسط الكبير والشرق الأوسط الجديد أو الهلال السنى مقابل الهلال الشيعى دون أية محاولة رسمية أو غير رسمية جادة لتقديم بديل -ولو نظرى- لهذه المشاريع، والأخطر فى هذا السياق أن مشروع ما يسمى الهلال السنى وعلى الرغم من آثاره المدمرة المؤكدة ليس فقط على الإقليم بل أيضًا على الداخل المصرى يحظى بقبول لدى طيف واسع من الطبقة السياسية المصرية لا يقتصر فقط على الإسلاميين بتنوعاتهم، سواء لتفشِّى الروح المذهبية فى المجتمع المصرى نتيجة لتوطُّن الفهم الوهابى للإسلام وانتشاره فى طبقاته المختلفة منذ سبعينيات القرن الماضى، وهو ما عززته تداعيات الغزو الأمريكى للعراق، أو بسبب المصالح المالية والاقتصادية -سواء القائمة فعلًا أو تلك المرجوة- للعديد من المجموعات السياسية والاقتصادية والإعلامية المصرية مع االسعودية. كذلك أدّى هذان العاملين، أى النفوذ الوهابى والمصالح المالية والاقتصادية، إلى عدم تعرض الجزء المتعلق بالمملكة فى المعادلة الحاكمة للسياسة الإقليمية المصرية لانتقادات ومعارضة مماثلة لما تعرض له الجزءان الخاصان بالولايات المتحدة (المعونة الأمريكية) والكيان الصهيونى (اتفاقية السلام) سواء قبل أو بعد سقوط مبارك، بل إن الحج السياسى للرياض سواء من قِبل المسؤولين أو من قِبل الشخصيات العامة المصرية وإغداق المديح على المملكة وحكامها من كل الأطياف السياسية المصرية وامتناع الباحثين والمحللين عن التعرُّض بالتحليل، ناهيك بالنقد للسياسة الإقليمية السعودية وآثارها الكارثية على الأمن القومى العربى، أصبحوا من أبرز سما ت كل عهود ما بعد مبارك، بما فيها العهد الإخوانى والذى اعتبر فيه مرسى المملكة الوهابية راعية للإسلام الوسطى السُّنى!
ويتطلَّب تشكيل دور مصرى إقليمى جديد أول ما يتطلب إخضاع المعادلة التى تناولناها هنا لا الموقف من حدث بعينه أو من آخر أو التباين فى الأداء الإعلامى للمسؤولين للنقد من خلال تقييم أسسها القيمية الإشكالية وحصادها المر-فى رأى الكاتب- ليس فقط على دور مصر الإقليمى، بل أيضًا على بنية المجتمع المصرى ومؤسسات الدولة المصرية، إضافة إلى ما ترتب على الالتزام بها من نتائج وخيمة على الإقليم، كذلك يحتاج إلى أخذ الوضع الإقليمى القائم وطبيعة النظام الدولى الحالى فى الاعتبار، وهو ما سنحاول المساهمة فيه فى الجزء الثانى من المقال من خلال استعراض بعض السمات الرئيسية لكليهما وما تمثّله من تحديات وفرص لتشكيل دور مصرى إقليمى جديد مستقل وفاعل.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات