.

«عقدة الخواجة» الذى رقص على السلم

Foto

فيلم رقص على السلم.. فلا هو جاء فيلمًا كوميديًّا هدفه الإضحاك فى المقام الأول.. ولا هو خرج فيلم أكشن يسعى إلى خلق جو عام من الإثارة


يصر «المخرج» بيتر ميمى على رفع شعار «سنغزو العالم» فى لقاءاته التليفزيونية، وعلى حساباته على مواقع التواصل الاجتماعى، كما أنه لا يبدأ أى عمل جديد، سينمائى أو تليفزيونى، إلا ويصاحب تصريحاته حول العمل بهشتاج «سنغزو العالم».

والحقيقة أن الحيرة تتملكنى كلما تذكرت هذا الشعار فى أثناء مشاهدتى أى فيلم من إخراجه، وأتساءل: بأى سينما سيحقق ميمى شعاره؟ فالرجل، الذى أخرج نحو سبعة أفلام روائية طويلة، يقدم سينما لا تحمل من السينما غير الاسم.. يغيب عنها الفن، ولا يحضر فيها سوى البُعد التجارى -ربما فى أدنى صورة- للفن السابع.
وفيلم بيتر ميمى الأخير «عقدة الخواجة» الذى بدأ عرضه مع إجازة نصف العام الجارى، يمثل نموذجًا لهذه السينما التى لا تهتم إلا بتلبية رغبات جمهور هذا الموسم، من الصبية ما بين الثانية عشرة والخامسة عشرة، دون الاهتمام بتقديم مستوى فنى يجعل عمر الفيلم أطول من مدة هذا الموسم. وأشهد للفيلم بأنه نجح فى تحقيق ذلك تمامًا، فقد قدَّم خليطًا من الكوميديا والأكشن والإثارة -على الرغم من عدم تجانسه- نال رضا هذا الجمهور.
وتدور أحداث «عقدة الخواجة» حول الشاب فارس الخواجة (حسن الرداد) الذى يواجه عدة مشكلات بسبب ظن الحناوى (ماجد المصرى) ورمزى (محمد لطفى) أنه حسن الذى اتفقوا معه على قتل سوزى (سامية الطرابلسى). وخلال مواجهته هذه المشكلات يتعرَّف فارس على سالى (هنا الزاهد)، ويقعان فى حب بعضهما، ونكتشف فى النهاية سبب كل ما تعرض له فارس من أزمات.
وفى رأيى فإن التعاطى مع الفيلم بتحليل عناصره من سيناريو وإخراج وتصوير وإضاءة وتمثيل، وباقى العناصر السينمائية، يمثل محاولة للتعامل بشكل جاد مع فيلم لم يتعامل أصحابه معه بنفس المستوى من الجدية، ففى أحد المشاهد التى يتواجه فيها الحناوى مع محمود أبو حمامة (حسن حسنى) نجد الحناوى يحاول تهدئة أبو حمامة وينادى عليه بكل حماسه «إهدى بس انت يا حناوى»، ليسجل فيلم «عقدة الخواجة» سابقة هى الأولى -فى حدود معرفتى- من أنواع الأخطاء التى تقع فيها الأفلام المصرية، والحقيقة أن الدهشة لازمتنى طوال الليلة التى شاهدت فيها الفيلم، ولازمنى كذلك سؤال: كيف لم ينتبه المخرج ومساعدو الإخراج ومجموعة ممثلى المشهد إلى مثل هذا الخطأ؟ وإذا لم ينتبه كل هؤلاء خلال التصوير، كيف لم يتم تداركه فى أثناء مرحلة المونتاج؟!
وبعيدًا عن هذا الخطأ، الذى لا يغتفر، فإن «عقدة الخواجة» يمكننا أن نصفه بأنه فيلم رقص على السلم، فلا هو جاء فيلمًا كوميديًّا هدفه الإضحاك فى المقام الأول، ومن أجل ذلك تم إقحام عدة مشاهد لاصطناع الضحك، مثل مشهد تناول فارس الغذاء مع أبو حمامة وسوزى وسالى، ولا هو خرج فيلم أكشن يسعى إلى خلق جو عام من الإثارة كما حاول توصيل ذلك عبر مشهد مطاردة تكسَّر فيه كرسيان وبرميل طرشى، ولا حتى صار فيلم ألغاز يعيش معه المشاهدون فى حالة من التشويق والترقب مثلما أوحت المشاهد الأولى من الفيلم، وكذلك الإضاءة فى أغلب مشاهده، فنحن أمام عمل أراد فعل كل ما يرضى قاطعى التذاكر على حساب تماسكه وبنائه الدرامى.
وعلى غرار «القرد بيتكلم»، فيلم بيتر ميمى السابق على «عقدة الخواجة»، الذى كان يعتمد فى حبكته على الدافع وراء تنفيذ عمرو واكد وأحمد الفيشاوى وريهام حجاج عملية اتخاذ جمهور السيرك الذى يعملون به رهائن، فإن الفيلم الذى نتناوله هنا يقوم فى الأساس على استمرار تساؤل الجمهور عن سر ما يحدث لفارس الخواجة من مشكلات، التى تنتج عن مطاردة الحناوى ورمزى له، لنكتشف فى النهاية أن فارس ليس فارس، بل هو شقيق زوج سوزى الأول الذى قتله الحناوى للزواج منها، وأنه مَن خطَّط لكل ذلك بالتعاون مع رمزى انتقامًا لشقيقه. ونكتشف أن محمود أبو حمامة هو المحامى الذى وجد مخرجًا للحناوى من القضية، ومن أجل هذا يقرر فارس أن يضمه إلى قائمة الذين سينتقم منهم. من المفترض عند لحظة تكشف كل الخيوط أمام المشاهدين أن يكون الانبهار بعبقرية الحبكة هو الإحساس الطاغى على كل الحضور فى قاعة العرض، لكنّ سؤالًا منع هذا من الحدوث، هو: كيف يكون فارس هو شقيق زوج سوزى ولا تعرف سوزى شكله؟!
وبتجاوز الحديث عن كل ما يعانيه «عقدة الخواجة» من مشكلات فى حبكته وإخراجه، نجد الحديث عن بطل الفيلم، حسن الرداد، ضرورى، ذلك أن الرداد الذى يمتلك موهبة تمثيلية جيدة لا أجد له مبررًا فى التمسك بتقديم أدوار كوميدية فى الأفلام التى يقوم ببطولتها، بداية من «نظرية عمتى»، مرورًا بـ«جوازة ميرى» و«زنقة ستات» و«عشان خارجين». صحيح أن قدراته ككوميديان ليست سيئة، ويستطيع أن ينتزع الضحك من مشاهديه، لكن المعاناة التى يتكبدها من أجل ذلك تبدو واضحة فى كل أفلامه تقريبًا. والسؤال هنا الذى لا أجد له جوابًا، وأتمنى من حسن أن يجيب عنه هو: لماذا لا تستغل موهبتك فى عمل أدوار جادة؟ خصوصًا أنه يتميز فى تقديمها فى الدراما التليفزيونية، كما أن أفضل أدواره السينمائية على الإطلاق كان دوره فى فيلم «احكى يا شهرزاد» عندما قدَّم شخصية الصحفى الوصولى الذى لا يهمه أى شىء سوى الترقى والوصول إلى أهدافه.
بقى لنا أن نتمنى أن نجد ضمن الأفلام التى تنتجها السينما المصرية أفلامًا تقدّم سينما يكون الحديث فيها عن شخصيات نعرفهم ويمكن أن نلقاهم فى الشارع مصادفة، ويمكن أن تتشابه أحلامهم مع أحلامنا أو خيباتهم مع إخفاقاتنا فى الحياة، لا عن شخصيات لا يمكن تصور وجودها فى مجتمعنا، حتى يمكن أفلامنا المصرية أن «تغزو العالم» بالفعل.

 

نقلًا عن مجلة «فُرجة»

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات