.

عندما أضعت ظلى.. عندما تحررت البطلة من المخرجة

Foto


فيلم عن الحرب السورية؟ وهل تتوقع أحداثًا مغرقة فى التفاؤل والبهجة؟ لكن المشكلة فى «عندما أضعت ظلى» للمخرجة السورية سؤدد كعدان -عُرض ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة بمهرجان الجونة- ليست فى سطوة الأسود والظلال على الفيلم، وإنما فى أنه كان يمكن أن يكون أكثر إنسانية لو ابتعد قليلًا عن الرؤية التقليدية العامة للأزمة فى سوريا.

 

ينطلق الفيلم من نقطة مبشّرة. «سنا» الأم التى تعيش وحيدة برفقة ابنها فى دمشق، عام ٢٠١٢ مع بدء اشتداد الحرب، تجد نفسها مضطرة إلى أن تشارك شابة وأخاها فى رحلة البحث عن أسطوانة غاز حتى تصنع لوحيدها وجبة عشاء ساخنة. وذلك بعدما جاءت سيارة محملة بجنود الجيش واستولت على آخر أسطوانات غاز فى المستودع المجاور. تتطور الأحداث لاحقًا وتجد الأم نفسها متورطة فى الهروب من مطاردة رجال الجيش السورى وصولًا إلى منطقة «دوما» التى كانت منطلَق المظاهرات المناهضة للنظام، وهناك تكتشف أن رفيقها «جلال» لا ظل له، وأن هذا حدث له عقب دخوله السجن وبقائه هنا تحت التعذيب لشهور.
 

منذ اللحظة الأولى يبدو «عندما أضعت ظلى» منحازًا لجهة على حساب أخرى فى الحرب. هو بطبيعة الحال أمر من حق مخرجته، لكن الأزمة أن هذا الانحياز ظهر فى الأثر الدرامى والإنسانى المنتظَر من الفيلم. ربما يكون الفيلم منصفًا من وجهة نظر معارضى النظام السورى، إذ كشف عن جانب من المأساة، وكيف أن الأمهات كُن فى كل جمعة يقمن بحفر قبور أزواجهن وأبنائهن بأيديهن فى انتظار عودة جثامين الأحبة فى أى وقت.

 

لكن المشكلة أننا نرى كل ذلك من وجهة نظر المخرجة وموقفها السياسى، وليس من وجهة نظر البطلة «سنا» التى هى، كما ظهرت لنا، مواطنة سورية مسالمة غير منحازة لأى طرف فى الصراع الدموى.
 

كما هو متوقع، بعد نهاية رحلتها وعودتها لابنها مظفرة بأسطوانتى غاز وليست واحدة فقط، وعلى ضوء الشموع، نرى ظل «سنا» يختفى تدريجيًّا، بينما أقدام جنود الجيش السورى تصعد درجات السلم ناحيتها، فى إشارة إلى ما سيحدث لها لاحقًا.
 

عُرفت «سؤدد» كمخرجة أفلام تسجيلية لافتة، وهو أمر لم تستطع التخلى عنه فى تجربتها الروائية الأولى، وشابَ بعض مواضع الفيلم بطء وثقل، ربما أرادته بغرض نقل أثر الحرب فى نفوس المشاهدين، لكن على الجانب الآخر نجحت المخرجة فى نقل الإحساس بالوَحشة التى تثقلها الحروب فى النفوس فى أكثر من مشهد، فقط عندما تحررت بطلة الفيلم من رؤية المخرجة، مثل ذلك المشهد الذى سدت فيه «سنا» أذنها لتمنع نفسها من سماع أصوات زغاريد السيدات المتداخلة وهن يشيّعن واحدًا من ضحايا المظاهرات ضد النظام.
 

يبدو اسم الفيلم مربكًا بعض الشىء، فهل تورطت «سنا» فى إضاعة ظلها، أم أنها أجبرت على ضياعه؟ وهل أزمتها كانت فى أنها حاولت أن تبقى على الحياد ففقدت كل شىء، أم أنها أضاعته بمجرد أن اتخذت موقفًا وانحازت لطرف؟
 

إنجاز فيلم عن حدث لا يزال قائمًا هو أمر مُربك بحق، فثمة حقائق غائبة، ورؤية مشوشة، لكن يبقى إنجاز الفيلم فى ذاته إنجازًا يُحسَب لمخرجته، خصوصًا أنها لا تزال داخل سوريا، ولعلّها بالفعل تدفع ثمن مواقفها وانحيازاتها، ولعلها تخلصت من بعض هواجسها فى «عندما أضعت ظلى»، بينما تأتى تجربتها التالية خالية من الظلال.
 

عندما أضعت ظلى/ سوريا- فرنسا- لبنان/ المسابقة الرسمية

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات