الأذان ليس من ثوابت الدين حتى يصعب النظر فيه!

Foto


 
 
تباينت ردود الأفعال كما هى الحال فى أية قضية تُثار لها علاقة بالشأن الدينى، وبخصوص ما أُثير مؤخرًا مما تعلق بالأذان ومطالبة إحدى الفنانات المصريات بتوحيده فى كلّ مساجد مصر، إنكارًا للصخب والإزعاج، لذلك رأينا أن نعرض فى هذه المقالة للكيفية التى شُرع بها الأذان على عهد النبى، صلى الله عليه وسلم.
كان الأذان من الأمور التى أرَّقت النبى، صلى الله عليه وسلم، إذ كيف يجمع المسلمون صفوفهم للصلاة بطريقة مميزة عما هو سائد لدى اليهود والنصارى، فانشغل النبى بهذا الأمر وطلب رأى الصحابة الذين أهمهم الأمر كذلك، حتى إن بعضهم يصف عزوفه عن الأكل لانشغاله المستمر بالأمر، إلى أن جاء المدد على يد أحد الأنصار وهو عبد الله بن زيد الخزرجى، الذى رأى فى المنام نص الأذان وكلماته، على نحو ما أقر ابن سعد فى الطبقات.
وقد أعجب النبى فأقره وقال لصاحبه قُم مع بلال فألقها عليه، وقد دعَّم عمر بن الخطاب هذا المقترح، فازداد بذلك ارتياح النبى لهذا الأمر، وقال: «فلله الحمد فذلك أثبت»، كما صرَّح بذلك ابن هشام فى سيرته.
وفى رواية أخرى أن عمر قد سبق عبد الله بن زيد فى رؤيته المنامية للأذان، إلا أن إخباره للنبى قد تأخَّر عنه، ويروى أبو داود الرواية كاملة فى سننه «باب بدء الأذان»، عن أبى عميرة بن أنس قال: اهتَمَّ النبى للصلاة كيف يجمع الناس لها، فذكروا له القبع -يعنى شبور اليهود- فلم يعجبه ذلك، وقال: هو من أمر اليهود، فذكروا له الناقوس، فقال: هو من أمر النصارى، فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم لهمّ رسول الله فأُرِى الأذان فى منامه. قال: فَغَدَا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال له: يا رسول الله إنى لبين نائم ويقظان إذا أتانى آت فأرانى الأذان. وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يومًا، ثم أخبر به النبى، فقال له: ما منعك أن تخبرنى؟ فقال: سبقنى عبد الله بن زيد فاستحييت! فقال رسول الله: يا بلال قُم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله، فأذن بلال..
ولم يقف اجتهاد الصحابة فى التصرف فى الأذان عند هذا الحد، فشرّع أبو بكر الصديق فى إسقاط جزء من الأذان وهو «حى على خير العمل»، فقد كان أولو الألباب على عهد الخلفة الثانى يحرصون على أن تفهم العامة أن خير العمل إنما هو الجهاد فى سبيل الله، ليندفعوا إليه، وتعكف هممهم عليه، وأوجسوا خيفة من بقاء هذا الفصل من الأذان أن يكون سببًا فى تثبيط العامة عن الجهاد، إذ لو عرف الناس من الصلاة خير العمل مع ما فيها من الدعة والسلامة لاقتصروا فى ابتغاء الثواب عليها وأعرضوا عن خطر الجهاد، خصوصًا أن الهمم يومئذ كانت منصرفة إلى نشر الدعوة الإسلامية، وفتح المشارق والمغارب، ولذا رجحوا فى نظر أبى بكر إسقاط هذا الفصل، تقديمًا لتلك المصلحة (أى الجهاد).
ولئن اقتصر تصرُّف أبى بكر فى الأذان على هذا الإسقاط، فإن عمر بن الخطاب شرّع فى المقابل إدخال بعض الإضافات عليه، لا سيما وقد أضاف عمر على الأذان إضافتَين، واحدة على عهد النبى التى أقرها له وهى إضافة «أشهد أن محمدًا رسول الله» -حسب ما أورد السيوطى فى تاريخ الخلفاء- والإضافة الأخرى فى عهد عمر ذاته أى بعد وفاة النبى وهى «الصلاة خير من النوم»، فيروى مالك فى موطأه: «المؤذن جاء إلى عمر يؤذنه بصلاة الصبح فوجده نائمًا، فقال: الصلاة خير من النوم، فأمره عمر أن يجعلها فى نداء الصبح».
والحاصل ممّا سبق -وَفقًا لهذه الروايات- أن الأذان ليس ممّا شرعه الله تعالى بوحيه إلى النبى، صلى الله عليه وسلم، وإنما كان بالأساس طيفًا رآه بعض الصحابة فى المنام كما صرّحوا به ونقلوا بالإجماع عليه، فضلًا عن تصرف الصحابة فيه كأبى بكر وعمر، بيد أن هذا الأمر قد شقّ على بعض العلماء، خصوصًا المتأخرين، لأن القول فى ما تعلق بالعبادات يجب أن يكون ممّا تواتر وحيًا عن النبى، صلى الله عليه وسلم، ومن ثَمَّ فمضوا يستدلون ببعض الروايات الأخرى التى تثبت ذلك، مع أنها روايات قد ضعفها علماء الجرح والتعديل، ومنها على سبيل المثال ما رواه ابن ماجة فى سننه، وفحواه أن الذى زاد فى الأذان «الصلاة خير من النوم» هو بلال، زادها فى صلاة الغداة، فأقرّها النبى، صلى الله عليه وسلم.
والفارق بين بلال وعمر، أن عمر قد زاد هذا النص بعد وفاة النبى، صلى الله عليه وسلم، فى حين أن النبى -حسب رواية ابن ماجة- قد أقرّها على بلال، مما يوحى بتواترها عن النبى ذاته.
ومتى تفحصّنا حديث ابن ماجة، فنجد نقد علماء الجرح والتعديل لراويه جليًّا، فهو من حديث محمد بن خالد بن عبد الله الواسطى، الذى قال فيه يحيى بن معين: كذاب إن لقيتموه فاصفعوه، وقال ابن عدى: أشد ما أنكر عليه أحمد ويحيى روايته عن أبيه، ثم له مناكير غير ذلك، وقال أبو زرعة: ضعيف.
وضمن هذا السياق فقد راح ابن هشام يضيف بجانب الرواية التى تواتر العلماء على صحتها، والتى مفاداها إقرار النبى للأذان بنحو ما جاء فى رؤيا عبد الله الخزرجى المنامية، أن الوحى قد سبقه هو وعمر بن الخطاب فى ذلك، فيروى أن عمر عندما ذهب إلى النبى، صلى الله عليه وسلم، يخبره بما رأى فى الأذان، بادره النبى بقوله: «قد سبقك بذلك الوحى، فما راع عمر إلا بلال يؤذن».
وإذا كان العلماء عمدوا -وإن تلفيقيًّا- إلى نفى تصرف الصحابة فى الأذان على عهد النبى، صلى الله عليه وسلم، مما يُحيل إلى إقراره وحيًا عنه، صلى الله عليه وسلم، فهذا لا ينفى بالضرورة تصرفهم فيه بعد وفاة النبى كما فعل خلفاء النبى الأوائل أبو بكر وعمر.
وفضلًا عن ذلك، لم يكن الأذان وحده مما اجتهد بشأنه هؤلاء الخلفاء، بل هناك ممّا اندرج أيضًا ضمن العبادات الدينية، وانطوى تحت باب التشريعات الصحابية، ومنها صلاة التراويح التى سنّها عمر بن الخطاب على الرغم من أن النبى لم يشرعها، وذلك حسب ما أخرج البخارى فى صحيحه عن عبد الرحمن بن عبد القارى، قال: خرجت مع عمر ليلة فى رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، فقال عمر: إنى أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد كان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبى بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه.
ويفسر العلامة القسطلانى فى كتاب «إرشاد السارى فى شرح صحيح البخارى» معنى البدعة فى قول عمر، فيقول سمّاها بدعة لأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يسن لهم الاجتماع لها، ولا كانت فى زمن الصديق، رضى الله عنه.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات