.

أن تكون فقيرًا فأنت مجرم محتمل

Foto

هل يعلم رئيس الحكومة أن ثلث المجتمع المصرى فقير؟ إلى متى ندق أجراس خطر الفقر ولا أحد يستمع؟


بعيدًا عن صحة أو عدم صحة خبر إلقاء القبض على أب وهو يسرق الزى المدرسى لابنته، إلا أننا أمام حقيقة شديدة المرارة لا يمكن تجاوزها، حقيقة نعيشها جميعًا، وهى أن الفقر قرين الكفر، والفقر دافع لارتكاب أكثر الجرائم قسوة أو أتفهها فى الوقت نفسه.

 

دعكم من تقارير الأمم المتحدة التى تُعَرِّف الفقر بأنه هو الحالة التى لا يتمكن فيها الإنسان من توفير الحاجات الأساسية الحياتية له ولمَن يعوله، ولا ما تقرّه مؤسسات عالمية بأن الفقير المدقع هو مَن يكون دخله السنوى ٦٠٠ دولار سنويًّا أى ١١ ألف جنيه، بواقع ٩٠٠ جنيه شهريًّا.
 

دعكم من كل هذا الكلام المنزل، فالفقير نعرفه جميعًا ولسنا بحاجة إلى تعريفه، نعرفه من أول نظرة ونشفق عليه بأنه ليس متسولًا ولا يريد التسوُّل، لكن الفقير هذه الأيام هو مجرم محتمل، لأن الحياة أصبحت مستحيلة والبقاء على وضعك درب من الخيال، لهذا فالفقير الذى يستشعر العوز لن يردعه قانون ولا شرطة، لهذا هو عرضة دائمًا لارتكاب جريمة السرقة أو الاتهام بها، ولأن الواقع أشد قسوةً وأكثر مرارةً مما يتخيل مؤلف القصة، ولأننا جميعًا نملك قصصًا محزنة وحكايات مبكية عن آباء يمتنعون عن تناول العشاء، ليتمكن أبناؤهم من الإفطار، أعرف حكايات عن رجال محترمين يسرقون «ربع رومى» ويدسونه بعيدًا عن أعين «الكاشير» فى وسط الحساب، أو يدس كيس خبز مع المشتريات، فالجنيهات البسيطة ثمن هذه الأشياء لم تعد بسيطة، ولم تعد ميزانية الأب الموظف تتحملها، فلجؤوا إلى السرقة ليس من باب الجريمة ولا من باب مرض السرقة أو «الكليبتومانيا» بتاع الأغنياء، إنما من باب الحاجة التى هى مُرَّة وأشد مرارة مما يتخيله أحد.
 

ولأن خزينة حكايات الفقراء المتعففين عن السؤال مليئة بما هو أكثر ألمًا من حكاية الأب الذى غُلت يده ولم يتمكن من دفع ثمن الزى المدرسى لابنته التى ستلتحق بالصف الأول الإعدادى وتحتاج إلى زى جديد بلون جديد، إذ لا يصلح لها أن ترتدى زى الابتدائى بلونه المعروف، لم يتحمل الرجل أمام فرحة ابنته بدخولها المرحلة الإعدادية، ولم يقوَ على أن يحرمها من سعادتها البادية فى بريق عينيها، وخشى أن تتحطم فرحتها على صخرة الأسعار وبسبب عجزه، ويكفيكم شر العجز أمام الأبناء، خصوصًا فى هذه السن الصغيرة التى يظن فيها كل طفل وطفلة أن أباه قادر على كل شىء وأنه يملك كل الحلول وأنه حامى الحمى، لهذا قرر المسكين أن يرتكب جريمته، فسرق الزى، لا ليتاجر به إنما ليسعد ابنته، وحتى لا تغادر الفرحة وجه صغيرته.
 

لم يكن الأب خارجًا على القانون، فهو ضحية، ضحية سياسات اقتصادية أفقرت الجميع، أحوجتنا إلى مد اليد إما بالسؤال وإما بالسرقة، سياسات لا دخل لنا فيها ولا نعرفها ولا نفهمها ولا اخترناها، إنما نكتوى بنارها ونشرب من مائها الأَسِن، سياسات زادتنا عوزًا، ولم تسعَ إلى توفير أبسط حاجاتنا للحياة، سياسات رمتنا فى النار وكل ما قدمته من عون هو مطالبتنا بالصبر.
 

أى صبر يمكن أن نتحمله والمجتمع يرانا مجرمين مدانين؟! سياسات جعلت مصر إحدى الدول التى تعيش هاجس انتشار الفقر بين المواطنين والخوف من الحياة، سياسات جعلت قرابة 30 مليون مصرى يعيشون تحت خط الفقر المدقع، يعانون ويئنون ولا أحد يتسمع إليهم، سياسات أدَّت إلى ارتفاع عدد العاطلين عن العمل إلى 3.5 مليون، وذلك وَفق إحصائيات الجهاز المركزى للإحصاء الصادر عام ٢٠١٧، وهذا الرقم يعنى أن نسبة الفقر المدقع ارتفعت إلى 5.3 فى المئة سنة 2015، بينما كانت هذه النسبة تبلغ 4.4 فى المئة سنة 2012، مرجعًا ارتفاع عدد الفقراء إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغلاء المعيشة فى مصر.
 

بات حلم الوصول إلى الطعام بعيد المنال، لذلك لجأ البسطاء إلى طرق مختلفة ليشبعوا بطونهم الجائعة، وانتشرت فى الآونة الأخيرة مظاهر عدّة، منها اللجوء إلى بواقى الأطعمة وهياكل الدجاج وغيرها بسبب الفقر. وتشير الإحصائيات الصادرة فى بيان الجهاز المركزى إلى ارتفاع نسب الفقر من 25.2 فى المئة سنة 2011 إلى 26.3 فى المئة سنة 2013، لتصل 27.8 فى المئة فى 2015، وهؤلاء لا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية من الغذاء وغيره، و57% من سكان ريف الوجه القبلى فقراء مقابل 19.7% من ريف الوجه البحرى.. كثيرة هى الأرقام، لكن الواقع خير مَن يخبرك.
 

لم يكن الأب أو مَن على شاكلته هو المجرم الذى يجب أن يُحاكم، فكل مَن سرق أقوات الناس يجب أن يُحاكم، مَن سرق فرحة الطفلة يجب أن يُدان وليس غيره هم الخارجين عن القانون. المجتمع هو مَن خرج عن الإنسانية. أصدق هذه الرواية ليس لأنها حدثت حرفيًّا، بل لأنها أقل حكاية من حكايات الواقع، ففى مصر البعض يجبرونك أن تكون مجرمًا، نظرة بسيطة على الغارمات سنكتشف منها أن هناك مَن يضحِّى بنفسه وبحريته من أجل أبنائه، فهناك إحصائية نُشرت فى أكثر من جريدة تقدر عدد الغارمين والغارمات فى السجون المصرية بنسبة تتراوح بين 20 و25% من إجمالى السجناء، أى قرابة الـ20 ألف سجين، هؤلاء لم يتوقعوا أن تنتهى حياتهم كمجرمين أو خارجين عن القانون، هؤلاء كانت كل أمنياتهم ستر بناتهم، سواء فى جهاز زواج أو فى زى مدرسى.
 

يا سادة يا محترمين، الفقر والجوع والبطالة مخاطر تهدِّد حياة المجتمع المصرى الذى تعانى نسبة كبيرة منه عجزًا فى توفير قوتها اليومى، سيجعل كل أولوياتها سد احتياجاتها الأساسية من مأكل ومشرب وملبس ودواء، وهو الأمر الذى لا يجعل الفقير أو المحتاج ينتظر مَن يسد حاجاته، فيمد يده ويسرق، ويمد يده ويقتل، المهم سد حاجاته الأساسية، فالجائع والمحتاجون لن يردعهم القانون، وأبدًا لن يردعهم الموت.
 

إن حادثة الأب والزى المدرسى سواء حدثت أم لم تحدث هى جرس إنذار للمجتمع، ليراجع سياساته فى العدالة الاجتماعية وسياساته الاقتصادية، حرصًا على سلامة الجميع.. وربنا يستر.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات