.

الجوانب المكسورة فى سلام الشرق الأوسط

Foto

ماذا على الرئيس عباس أن يفعل مع مصر والسعودية والإمارات والأردن؟


 

ترجمة: أميرة جبر عن «نيويورك تايمز».

 

بعد مرور ٤٠ عامًا على اتفاقية كامب ديفيد نجد أنفسنا مجددًا أمام لحظة مصيرية.

 

يمر هذا الأسبوع ٤٠ عامًا على اتفاقية كامب ديفيد، أعلى مستوى لتحقيق السلام فى الشرق الأوسط. وكم سقطنا منذ ذلك الحين! يجعلنى الأمر أبكى.
 

وبدلًا من انفراجة، يبدو أن الإسرائيليين والفلسطينيين يقتربون شيئًا فشيئًا من الانهيار الكامل. ودون أى تقدم دراماتيكى، هناك فرصة حقيقية لأن يتهاوى الحكم الفلسطينى الموجود أيًّا كان، وسيجب على إسرائيل تحمل مسؤولية صحة وتعليم ورعاية ٢.٥ مليون فلسطينى فى الضفة الغربية، ويجب عليها بعد ذلك تحديد ما إذا كانت ستحكم الضفة الغربية بسلطة شرعية واحدة أم اثنتين، ما يعنى أن إسرائيل ستختار بين الثنائية القومية «bi-nationalism» والتفرقة العنصرية «apartheid»، وكلاهما كارثى بالنسبة للديمقراطية اليهودية.
 

ويتصرف كثيرون على نحو سيئ، يتبع تنظيم حماس استراتيجية التضحية بالبشر فى غزة، حيث يلقى بموجة وراء موجة من المتظاهرين ضد السياجات الحدودية الإسرائيلية دون هدف أو حتى ملاحظة الآخرين. إنه أمر مُخزٍ.
 

تنظيم حماس لعنة على الشعب الفلسطينى، ففى الوقت الذى يكون فيه مفتاح أى انفراجة فلسطينية مع إسرائيل هو أن يجعل الفلسطينيون الإسرائيليين يشعرون بأنهم استراتيجيًّا آمنون، لكن أخلاقيًّا غير آمنين تجاه سيطرتهم على أراضٍ محتلة، يقوم تنظيم حماس بحفره الأنفاق نحو إسرائيل بلا هوادة وهجماته على الحدود -ودون أن يصاحب ذلك أى عرض بحل الدولتين- بكل ما يمكن لجعل الإسرائيليين يشعرون بأنهم استراتيجيًّا غير آمنين، وأخلاقيًّا آمنون تجاه سيطرتهم على أراضٍ محتلة.
 

كان رئيس الوزراء الإسرائيلى «بيبى نتنياهو» استراتيجيًّا بارعًا فى مواجهة إيران والتعامل مع روسيا فى سوريا، لكن فى القضية الفلسطينية لا يملك إلا استراتيجية العلاقات العامة، إذ يستغل كل ذكائه ليجد طرقًا يضمن بها لوم الفلسطينيين فى الولايات المتحدة على غياب أى تقدم، دون أن يقدم أى أفكار جديدة أو قديمة حول كيفية الانفصال عن الفلسطينيين لتجنب الخيارَين الفظيعين «الثنائية القومية والتفرقة العنصرية».
 

وبيبى أوشك على أن يكتب اسمه فى التاريخ كرئيس الوزراء الإسرائيلى الذى فاز بكل مناظرة وخسر الديمقراطية اليهودية.
 

ومن جانبه، دونالد ترامب هو أول رئيس أمريكى لا يملك استراتيجية مؤيدة لإسرائيل فحسب، بل يؤيد استراتيجية الاستيطان اليهودى اليمينية المتطرفة. وسعيًا وراء إرضاء المسيحيين الإنجيليين وكبار المانحين اليهود اليمينيين المتطرفين؛ أمثال شلدون أدلسون، نقل ترامب السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس دون طلب أى شىء من إسرائيل فى المقابل. إنه فن الهبة ليس الصفقة.

 

والآن يقضى على المساعدات الأمريكية للتنمية والمستشفيات وبرامج التعليم الفلسطينية عقابًا للفلسطينيين على عدم تفاوضهم على خريطة سلام جاريد كوشنر غير المحددة بعد، بينما لم ينطق ببنت شفة عن الاستيطان الإسرائيلى المستمر.
 

بينما استقرت فى الضفة السلطة الفلسطينية على استراتيجية «سأحبس أنفاسى حتى يتحول لونك إلى الأزرق»، فترفض التفاوض مع فريق ترامب نتيجة الغضب من أسلوبه أحادى الجانب ونقله السفارة والإحباط من عدم اعتراف إسرائيل أو الولايات المتحدة بتعاونها الأمنى فى الضفة الغربية.
 

غير أنه فى الوقت نفسه وجد المركز الفلسطينى للبحوث السياسية والمسحية المحترم، فى مايو، أن ٧٨٪ من الفلسطينيين يعتقدون أن السلطة الفلسطينية عرجاء بالفساد.
إن السلطة بحاجة إلى استراتيجية جديدة -سريعًا- لأن استراتيجيتها القديمة التى لَطالما تلجأ إليها من تحدٍّ وتسليط للضوء على مظلوميتها لم تعد تفلح. إن الوضع الحالى يحطم الفلسطينيين، ولكنه حتى الآن محتمل من قبَل الآخرين جميعًا. وعليه فالسلطة بحاجة إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.

 

وهل لى أن أقدم اقتراحًا؟
يقول فريق ترامب إنه يريد تأييد حلفاء أمريكا العرب لخطته للسلام. لن يفعل العرب ذلك إلا إذا لبَّت الخطة جانبًا من الحد الأدنى للمطالب الفلسطينية، ولن يسوى الفلسطينيون النزاع بهذا الحد الأدنى من المطالب دون غطاء عربى.

 

ينبغى على رئيس السلطة الفلسطينية «محمود عباس» الذهاب إلى حلفاء أمريكا الـ٤ الرئيسيين -مصر والأردن والسعودية والإمارات- وأن يطرح عليهم أن يجتمعوا على قول «نعم» للتعامل مع ترامب وكوشنر إذا تضمنت الخطة معيارين، وهما أن تدعو لدولة فلسطينية متجاورة الأراضى فى الضفة الغربية، وليس مجموعة من الكانتونات غير المتصلة، وأن تمنح الفلسطينيين شكلًا ما من السيادة فى القدس الشرقية ذات الأغلبية العربية، وحيث يعيش ٣٠٠ ألف عربى أصلًا (وسيجب على السلطة القبول بأن دولتها ستكون منزوعة السلاح).
 

وسيعطى ذلك القادة العرب غطاءً مع شعوبهم لتأييدهم خطة ترامب، وسيعطى الفلسطينيين غطاءً لإعادة التعامل مع ترامب. كما سيقول ذلك لترامب: إذا لم تتضمن خطتك الحد الأدنى من دولة فلسطينية وسيادة فلسطينية على المناطق العربية بالقدس، فلا تشغل نفسك بإخراجها لأنها ستموت فور وصولها إلى العالم العربى وليس مجرد الضفة الغربية.
 

وإذا احتضن فريق ترامب مبادرة عربية كتلك وجعلها جزءًا من خطته سيجبر ذلك أيضًا بيبى على اتخاذ بعض القرارات؛ لأن الحقيقة هى أن بيبى حاصل على صفر فى سؤال الدولة الفلسطينية وصفر فى سؤال السيادة الفلسطينية فى القدس. غير أن بيبى نجح فى إخفاء عناده، لأن الفلسطينيين يقاطعون المحادثات.
 

وإذا احتضنت خطة ترامب/ كوشنر الحد الأدنى العربى/ الفلسطينى، سيضطر بيبى إما إلى رفضها -ما يكشف موقفه الحقيقى- وإما إلى التخلى عن بعض مؤيديه السياسيين اليمينيين المتطرفين، وتشكيل حكومة جديدة مستعدة للتفاوض بشروط الولايات المتحدة. وبالتأكيد يستطيع القيام بذلك، إذا أراد.
 

ويشير مفاوض الشرق الأوسط المخضرم دينيس روس: «لا يمكن أن يريد الفلسطينيون خسارة سلطتهم الحاكمة فى الضفة الغربية، ولا يمكن أن تريد إدارة ترامب أو إسرائيل ظهور فراغ كامل هناك؛ لأن فى الشرق الأوسط كل الفراغات تملؤها أشياء أسوأ منها».
 

ويضيف روس أن اتفاقًا بين الفلسطينيين وحلفاء أمريكا العرب على الحد الأدنى من الأسس للتفاوض يعطى الفلسطينيين غطاءً ليعودوا إلى الطاولة، ويضع ضغطًا على فريق ترامب ليقدم خطة موثوقة أو يكشف عن أنه ليس جادًّا. كما «يعطى إسرائيل شريكًا وبعض الاختيارات المصيرية».
 

قُل ما تشاء عن أنور السادات ومناحم بيجن وجيمى كارتر منذ ٤٠ عامًا، ولكنهم وصلوا إلى نقطة فى كامب ديفيد حيث لم يكن أمامهم سوى خيارات صعبة.. واختاروها واختاروا الصائب منها.
 

نحن مجددًا أمام لحظة مصيرية. بالنسبة للفلسطينيين، هو الاختيار بين العدمية (nihilism) والسلامية (pacifism)، وبالنسبة لإسرائيل، هو الاختيار بين الانفصال عن الفلسطينيين فى جانب أو الثنائية القومية أو التمييز العنصرى فى جانب، وبالنسبة لجاريد ودونالد، فالأمر هو إما أن تكون جادًّا ومستعدا لاتخاذ موقف قوى مع جميع الأطراف، بمَن فيهم إسرائيل، وإما المكوث فى المنزل.
 

يتطلب التقدم نحو السلام قول الحقيقة للجميع ولَى ذراع الجميع وعدم السماح لأحد بالقيادة مخمورًا. لست مستعدا لذلك؟ إذن، الزم إنشاء العمارات السكنية وملاعب الجولف.

 

...


توماس فريدمان
صحفى وكاتب أمريكى، فاز بجائزة «بوليتزر» ٣ مرات عن تغطيته من لبنان، عام ١٩٨٣، وتغطيته من إسرائيل عام ١٩٨٩، والتعليق عام ٢٠٠٢. يكتب عمودًا متخصصًا فى الشؤون الخارجية بجريدة «نيويورك تايمز» كل أحد وأربعاء.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات