.

الديمقراطية التمثيلية بين الأسطورة الليبرالية وواقعها المأزوم

Foto


أثارت الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة كمًّا كبيرًا من التعليقات، يعكس الآمال التى وضعها المهتمون بالشأن العام على مجلس النواب لاستكمال بنية النظام السياسى الجديد؛ ولبعث الحياة فى عملية التحول الديمقراطى التى يرى الكثيرون أنها قد ماتت منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة.. وركز الكثير من هذه التعليقات على معطيات ثلاثة على رأسها ما وصف بانحياز القانون المنظم للانتخابات للمرشحين المستقلين على حساب الأحزاب، كما حظيت نسبة المشاركة فى التصويت باهتمام كبير من المعلقين كذلك نوعية النواب المنتخبين، وقد أبدى الكثيرون بمن فيهم بعض أنصار الرئيس عبد الفتاح السيسى تخوفهم مما وصفوه بضعف المشاركة من قبل الناخبين على مستقبل النظام السياسى، كذلك انتقدوا ما أطلقوا عليه دور المال السياسى فى حسم المنافسة فى الكثير من الدوائر لصالح كبار رجال الأعمال أو لصالح مرشحين – سواء مستقلون أو حزبيون- مدعومين من قبلهم، وعلى الجانب الآخر فقد رأى معارضو الرئيس وخصومه فى هذين الأمرين إما برهانًا على صحة الانتقادات التى وجهوها لقانون الانتخابات ولأداء الرئيس بشكل عام كما فى حالة المعارضين، وإما فرصة للتشفى فى ما دأبوا على وصفه بالنظام الانقلابى كما فى حالة الإخوان المسلمين وحلفائهم.


وعلى الرغم من التباينات فى تفسير دلالات المشهد الانتخابى وأسبابه بين الفرقاء السياسيين وأيضًا بين الكثير من المعلقين فإنه يمكن القول إن جلهم قد انطلق – سواء بشكل معلن أو ضمنى – من مقارنة المشهد الانتخابى المصرى بما يتصور أنه المشهد الانتخابى فى الديمقراطيات الغربية، وإن كان البعض مدفوعًا إما بانحيازه الأيديولوجى وإما فقط بالرغبة فى المكايدة السياسية قد قارن أيضًا بين المشهد الانتخابى المصرى ونظيره التركى متغاضيا عن الممارسات السلطوية بل والإجرامية للرئيس التركى وحكومة العدالة والتنمية قبل وفى أثناء الانتخابات التركية الأخيرة، تلك الانتخابات التى وصفها أندريس جروس، رئيس وفد المجلس الأوروبى الذى شارك فى مراقبتها بأنها كانت «غير نزيهة وتميزت بالكثير من العنف والخوف» فى إشارة إلى الهجمات الدموية والترهيب الذى تعرض له أنصار المعارضة، ولا تهدف السطور التالية إلى نفى أو تبرير سلبيات المشهدين الانتخابى والسياسى المصريين التى أسهب المعلقون فى تناولها، وإنما أولًا: إلى نقد الأداة المستخدمة لإبراز هذه السلبيات، وهى المقارنة بين المشهد المصرى وما يقدم على أنه مشهد سياسى مثالى فى الديمقراطيات الغربية، وثانيًا إلى إبراز بعض سلبيات وحدود الديمقراطية التمثيلية أملًا فى فتح حوار حول نوع الديمقراطية المبتغاة لمصر، ومن المفارقة أن الحياة السياسية المصرية لم تشهد حوارًا جديًّا حول هذا الموضوع، واقتصر النقاش العام فى السنوات الماضية على قضايا يغلب عليها الجانب الفنى كمزايا ونقاط ضعف النظامين الرئاسى والبرلمانى والنظم الانتخابية المختلفة، إضافة إلى إجراءات التحول الديمقراطى، بينما تم تجاهل القضايا السياسية الجوهرية مثل مفهوم الديمقراطية وأنواعها، كذلك الأمر فى ما يتعلق بالعدالة الاجتماعية والتى تم اختزالها فى ملف الحدين الأقصى والأدنى لأجور العاملين فى الحكومة والقطاع العام وبندى التعليم والصحة فى الموازنة العامة، ومما يزيد من غرابة غياب هكذا حوار أن ميدان التحرير فى أثناء الانتفاضة التى أطاحت بحكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك ولعدة شهور بعدها كان نموذجًا ملهمًا لحركات احتجاجية فى مختلف أنحاء العالم لما رأته فيه – بغض النظر عن مدى توافق ذلك مع واقع ما كان يجرى فى الميدان من عدمه – من تجسيد للديمقراطية المباشرة يتجاوز الديمقراطية التمثيلية المأزومة حتى فى الغرب.


وتعود جذور هذه الأزمة إلى النصف الثانى من ستينيات القرن الماضى مع بدء تصدع دولة الرفاه الاجتماعى وتخلخل التحالف الاجتماعى الذى عبرت عنه، وهو ما انعكس فى ظهور العديد من الحركات الاجتماعية الراديكالية الرافضة للترتيبات السياسية والاقتصادية التى سادت فى الديمقراطيات الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وحظيت الحركات والجماعات اليسارية سواء تلك التى مارست ما اعتبرته عنفًا ثوريًّا ضد مؤسسات الدولة وحلف الأطلسى أو تلك التى تبنت قضايا البيئة أو المرأة أو عارضت الحرب الأمريكية الاستعمارية فى فيتنام، إضافة إلى حركة الحقوق المدنية بمعظم الاهتمام الإعلامى والبحثى، ولكن الحركات اليمينية الراديكالية التى انطلقت فى نفس الفترة التاريخية ولم تنتج القدر ذاته من الضجيج الاحتجاجى، هى التى تمكنت من إيصال ممثليها أمثال رونالد ريجان إلى سدة الحكم، بينما تم القضاء على الحركات اليسارية والاحتجاجية الأخرى أو احتواء قضاياها و«نجومها» أمثال جون كيرى وجيسى جاكسون فى الترتيبات السياسية والاقتصادية الجديدة التى صاغتها القوى اليمينية، وإذا كان كل من الحركات اليسارية واليمينية فى ذلك العصر قد انطلقت من مبادئ أيديولوجية مختلفة وكانت تملك رؤيات متناقضة عن ماهية المجتمع الذى كانت تسعى لبنائه إلا أنها قد اشتركت فى التخلى عن عدد من مبادئ التنوير الأوروبى الأساسية التى تقوم عليها الديمقراطية التمثيلية الليبرالية، فانصرف الكثير من الجماعات اليسارية خصوصًا المسلحة منها عن منطق المركزية الأوروبية وتبنى كتابات ماو تسى دونج، وفرانس فانون كإنجيل سياسى، وأصبح مناضلو العالم الثالث أمثال تشى جيفارا وهوشى منه مصدر إلهامهم، أما الحركات اليمينية - خصوصًا فى الولايات المتحدة – فتخلت عن مبادئ العلمانية والعقلانية التى زعمت الليبرالية دائمًا أنها تستند إليهما، واستبدلتهما بخطاب دينى يخاطب الناخبين لا باعتبارهم مواطنين عقلانيين يدخلون فى علاقات تعاقدية مع نظرائهم لتحقيق مصالحهم خصوصًا الاقتصادية المشتركة وإنما كأعضاء فى جماعة دينية تعمل على تنفيذ مشيئة الرب على الأرض بحثًا عن الخلاص الأخروى، وكشفت عودة الهوية الدينية إلى قلب الحياة السياسية فى الغرب وتاليًا إلى السياسة الدولية بجلاء عن سقوط هيمنة الليبرالية الفكرية، وهو ما انعكس فى الاستخدام المكثف للولايات المتحدة للدين – المسيحية فى أوروبا الشرقية والإسلام فى أفغانستان - منذ النصف الثانى من سبعينيات القرن الماضى فى مواجهة الاتحاد السوفييتى، وظهر أيضًا فى تبنى الكثير من الشباب الغربى فى ذلك الوقت لديانات وفلسفات شرقية أو لأفكار منظرين سياسيين من العالم الثالث وانجذابهم للتجارب الثورية لشعوبه، وهو ما تكرر مع ظهور حركة الزاباتيستاس فى مطلع التسعينيات فى ما كان يفترض أنه لحظة الانتصار التاريخى لليبرالية.


ولا تقتصر أزمة الديمقراطية التمثيلية على مأزق الليبرالية الفكرى وإنما تشمل أيضًا الممارسة التى أصبحت تتعارض مع الكثير مما يفترض أنها مبادؤها الأساسية، فالمال السياسى الذى شكا الكثيرون من دوره فى الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة يكاد يسيطر بشكل تام على العملية الانتخابية فى الولايات المتحدة قائدة ما يفترض أنه العالم الديمقراطى خصوصًا بعد أن أزال قرار للمحكمة العليا فى العام الماضى السقف الذى كان موضوعًا على التبرعات التى يمكن أن تقدم للمرشحين، وإذا كانت الولايات المتحدة هى النموذج الأبرز لسيطرة المال السياسى فإن ديمقراطيات أوروبا الغربية لم تنجُ منها كما يثبت نموذج بيرلسكونى فى إيطاليا، ويمكن القول إن القدرة الهائلة للمال السياسى على التأثير فى نتائج الانتخابات فى الغرب قد فرغ مبدأ المساواة بين الناخبين الذى يعكسه شعار «صوت واحد لكل مواطن» من مضمونه من دون أن يجرد رسميًّا الشرائح الدنيا من الطبقات الوسطى والطبقات العاملة والفئات الأخرى المهمشة اقتصاديًّا من الحق فى التصويت، وهو الحق الذى لم تحصل عليه هذه المجموعات فى الأصل إلا عبر نضالات طويلة امتدت فى حالة الأمريكيين السود على سبيل المثال إلى ما يقرب من المئة عام، حيث لم ترفع آخر القيود القانونية التميزية الحائلة لممارستهم للحق فى التصويت إلا فى عام 1965، أى بعد مئة عام من نهاية الحرب الأهلية الأمريكية التى تزعم الأساطير السياسية الأمريكية أنها كانت بهدف تحرير العبيد فى الجنوب الأمريكى، وبعد ما يقرب من القرنين من صدور إعلان الاستقلال الأمريكى والذى للمفارقة يؤكد المساواة بين البشر، ولكن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة والذين لا يكف الليبراليون الجدد العرب عن تقديمهم كنماذج للديمقراطية لم يكونوا يعترفون بآدمية السود الذين استرقوهم أو بآدمية السكان الأصليين الذين أبادوهم.


وأدت سيطرة المال السياسى على العملية السياسية وليس فقط العملية الانتخابية فى الكثير من الديمقراطيات الغربية ضمن ما أدت إليه إلى عدم وجود بدائل سياسية حقيقية أمام الناخبين، حيث أصبحت المنافسة تنحصر غالبًا بين حزبين كبيرين يتفقان على المبادئ الرئيسية للنظامين السياسى والاقتصادى والأسس الحاكمة للسياسة الخارجية، ولعل هذا من ضمن الأسباب الرئيسية للأزمة التى تعانيها الأحزاب الغربية والتى تتخذ أشكالًا عدة منها انخفاض ولاء ناخبيها مقارنة بما كان عليه الوضع فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى عودة ظهور الكثير من الحركات الاحتجاجية سواء اليسارية كما هو الحال فى اليونان وإسبانيا أو اليمينية كما فى الولايات المتحدة والتى زعزعت سيطرة الأحزاب التقليدية على مقاليد الحكم، كذلك أصبح الكثير من الأحزاب فى الديمقراطيات الغربية يرتبط بشخص مؤسسها، كما هو الحال مع حزب بيرلسكونى فى إيطاليا وحزب الجمهوريين الذى يتزعمه نيكولا ساركوزى، وهما حزبان يعتمدان على خطاب تحريضى يخاطب غرائز الناخبين ومخاوفهم ولا يختلف كثيرًا عن خطاب الأحزاب التى عادة ما توصف باليمين المتطرف.


أما أخطر مظاهر أزمة الديمقراطية التمثيلية فى الغرب فتتمثل فى عجز المواطنين عن محاسبة ممثليهم قانونيًّا فى حال مخالفتهم للدساتير والقوانين الحاكمة للبلاد، حيث أصبحت هذه الأمور تخضع للتفسيرات والتوازنات السياسية لا المبادئ القانونية كما هو الحال فى ما يتعلق بفضائح التجسس على المواطنين وانتهاك حرمة حياتهم الخاصة أو بإصدار باراك أوباما أمرًا باغتيال مواطن أمريكى دون احترام حق الأخير فى محاكمة عادلة أو دور سلفه فى ملف تعذيب المشتبه بعضويتهم فى تنظيم القاعدة فى أعقاب هجمات الحادى عشر من سبتمبر، والأمر أكثر فداحة عندما يتعلق بالسياسات الخارجية حيث يخضع مواطنو الديمقراطيات الغربية لعمليات تضليل ممنهجة من قبل ممثليهم تتناقض تمامًا مع كل العبارات التى تردد عن الشفافية وحق المواطنين فى المعرفة وقدرتهم على المحاسبة، ويكفى للتدليل على ذلك الإشارة إلى أنه فى الوقت الذى تدعى فيه الحكومات الغربية حرصها على تدمير تنظيم الدولة الإسلامية واشمئزازها من جرائمه، يؤكد تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية معد فى أغسطس 2012 - أى قبل إعلان التنظيم عن وجوده - علم الولايات المتحدة وحلفائها بأن القوى الرئيسية المحركة للتمرد المسلح فى سوريا تتكون من السلفيين والإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة فى العراق – وهو الذى تطور فى ما بعد إلى تنظيم الدولة الإسلامية- وأن الأخير دعم منذ «البداية» ما يصفه التقرير بالمعارضة السورية وأنه «قام بهجمات فى العديد من المدن السورية» مدفوعًا فى ذلك برؤية مذهبية تكفيرية، والأمر الأخطر أن التقرير يشير إلى رغبة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، إضافة إلى تركيا ودول الخليج فى أن تتأسس «إمارة سلفية معلنة أو غير معلنة فى شرق سوريا «الحسكة ودير الزور».. بهدف عزل النظام السورى» عن حلفائه وهو ما تحقق بإعلان قيام الدولة الإسلامية، وفى السياق ذاته تجدر الإشارة إلى أن سيمور هيرش أحد أشهر الصحفيين الاستقصائيين فى الولايات المتحدة قد فشل مؤخرًا فى أن ينشر فى الصحف الأمريكية تحقيقين يفضحان دور حلفاء الولايات المتحدة فى تدبير الهجمات الكيماوية فى غوطة دمشق ومحاولات إدارة أوباما إلقاء مسؤوليتها على الرئيس السورى لاستخدامها ذريعة لشن حرب على سوريا، ولعل هذه الأسباب - المال السياسى وضعف الأحزاب وغياب القدرة على المحاسبة - مجتمعة تفسر انخفاض نسبة المشاركة فى التصويت فى العقود الأخيرة مقارنة بمثيلتها فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.


مرة أخرى لا يهدف هذا المقال إلى التقليل من سلبيات المشهدين الانتخابى والسياسى المصريين، وإنما إلى اقتراح أنها لا تنبع من كون التجربة الديمقراطية المصرية لا تزال فى بدايتها وإنها ستختفى مع الممارسة المنتظمة كما يأمل البعض، فالديمقراطية التمثيلية فى ظل التفاوت الهائل فى القوة الاقتصادية للطبقات المختلفة لا يمكن أن تنتج مساواة سياسية بين المواطنين أو منافسة حقيقية بين الرؤيات السياسية المختلفة، إن الحفاظ على جوهر المبادئ الديمقراطية يتطلب إعطاء أكبر قدر ممكن من القوة السياسية – ولو على مستوى المحليات كبداية- للمواطنين أنفسهم لا لممثليهم، ويتطلب أيضًا تبنى مفهوم أوسع للمشاركة السياسية لا يختصرها فى عضوية الأحزاب السياسية أو التصويت فى الانتخابات، وذلك على سبيل المثال من خلال تبنى آليات تسمح للمواطنين أنفسهم اقتراح سياسات وطرحها للاستفتاء الشعبى ومراقبة تطبيقها، كذلك تشجيع إقامة التعاونيات الفلاحية والحرفية، وتمكين النقابات العمالية والمهنية من المشاركة فى اتخاذ القرارات الخاصة بعمليات الإنتاج الاقتصادى وتوزيع عوائده، فلا معنى للديمقراطية إذا لم تمتد إلى المجالين الاقتصادى والاجتماعى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات