.

وقفة مع حد الرجم

Foto

هل هناك إجماع على حد الرجم للزانى المحصَّن؟ هل أمر الله بهذا الحد وهل فى القرآن الكريم؟ هل اعتمد النبى الرجم كعقوبة قبل نزول آية «النور» أم بعدها؟ هل يُعقل أن محمدًا بن عبد الله الرحمة المهداة يرمى الناس بالحجارة حتى الموت؟


يكاد الإجماع ينعقد فى تراثنا الفقهى -القديم منه والحديث، السنى منه والشيعى- على أن «حد الزنى» بالنسبة إلى الزانى المحصَّن هو الرجم حتى الموت.

هذا هو الشائع والسائد والمتداول، أما عند إخضاع القضية للبحث العلمى النزيه والمتجرّد، فإننا نكتشف أن عقوبة الرجم هذه كان لها معارضون فى المجتمع الإسلامى، قديمًا وحديثًا، وبالطبع فكما أن للمؤيدين للعقوبة أدلتهم، فإن للمعارضين أدلتهم ومستنداتهم المضادة.


ولأن القضية لها أهميتها التى لا تُخفى على أحد، إذ إنها أولًا تتصل بأشد عقوبة دنيوية يمكن أن تلحق ببشر، وثانيًا أنه تتعلَّق بها أرواح أشخاص واستمرار حياتهم من عدمه، وثالثًا أنها قضية حد يفترض أنها من عند الله وليست مجرد عقوبة تعزيرية تخضع لتقدير ولى الأمر. فإننا سنحاول التوقف أمامها -مقيدين بمساحة الكتابة المتاحة لنا- من خلال هذين السؤالين:


هل أمر الله بهذا الحد وهل فى القرآن الكريم؟


هل حد الرجم من الحدود المجمع عليها بشكل كامل؟


والإجابة عن السؤال الأول بالنفى، إذ لم يرد فى القرآن الذى بين أيدينا أى نص يقضى برجم الزانى المحصن.. بل أعتقد أن تتبع وتأمُّل آيات القرآن بشأن حد الزنى يفضى بشكل قاطع إلى أنه لا رجم، وأن الجلد مئة هو العقوبة المقررة للزانى بإطلاقه، سواء أكان محصنًا أم غير محصن، رجلًا كان أو امرأة.

ففى سورة النور بافتتاحيتها القوية والفريدة التى جاءت وكأنها ترد على أولئك الذين يتجاهلون وضوح القرآن وبيان تشريعاته، نقرأ تلك الآيات «سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيّنَاتٍ لّعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ الزّانِيَةُ وَالزّانِى فَاجْلِدُواْ كُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ اللهِّ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِّ وَالْيَوْمِ الآخر وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ الْمُؤْمِنِي».


وهنا ملاحظتان فى غاية الأهمية: لم يقل تعالى الزانى المحصَّن أو الزانى غير المحصَّن هذه واحدة.. وثانيًا أنه تعالى وصف الجلد مئة جلدة بالعذاب.. ولو ربطنا بين ذلك وبين ما جاء به القرآن بشأن عقوبة غير الحرائر، إذا وقعن فى الزنى: «فإذا أُحْصِنّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَاب».


نجد أنه تعالى ذكر نفس الكلمة السابقة العذاب، حيث قال فَعَلَيْهِنّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ.
وهى نفس الكلمة المذكورة فى عقوبة الزنى للحرائر، حيث وصف تعالى الجلد مئة جلدة بالعذاب.
ونصف ما على المحصنات الحرائر من العذاب هو خمسون جلدة وإلا فليقل لنا عاقل ما هو نصف الرجم أو ما هو نصف الموت؟


وفى القرآن أيضًا أن الرجل إذا عجز عن إثبات حالة التلبس بالزنى على زوجته ولم يستطع إحضار الشهود، فيمكن أن يشهد بنفسه أنها زانية أربع مرات، ويؤكد شهادته الخامسة بأن يستجلب لعنة الله عليه إن كان كاذبًا، وتلك حالة اللعان، ويمكن للزوجة أن تدفع عن نفسها وقوع حد الزنى بأن تشهد أربع شهادات بالله بأن زوجها كاذب فى اتهامها، ثم تؤكد فى شهادتها الخامسة بأن تستجلب غضب الله عليها إن كان زوجها صادقًا فى اتهامه.


يقول تعالى:
«وَالّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لّهُمْ شهداء إِلاّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ إِنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ. وَالْخَامِسَةُ أَنّ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ إِنّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. وَالْخَامِسَةَ أَنّ غَضَبَ اللّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ الصّادِقِينَ».


ونلاحظ أنه تعالى ذكر نفس الكلمة السابقة العذاب حيث قال: «وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ»، ولم يقل هنا «ويدرء عنها الموت» على الرغم من أنه فى آية أخرى ذكر نفس الفعل مع الموت، وهو قوله تعالى: «قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين».


وحتى فى الحالة المستحيلة، وهى افتراض وقوع نساء النبى أمهات المؤمنين فى جريمة الزنى:
«ياَ نساء النّبِىّ مَن يَأْتِ مِنكُنّ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا». ولا جدال فى أن الحد الذى يمكن أن يضاعف هو الجلد.


وهكذا يتبين بوضوح أن قراءة نصوص القرآن وتدبرها تقطع بعدم وجود حد للرجم.


أما الاجابة عن السؤال الثانى هل حد الرجم من الحدود المجمع عليها بشكل كامل؟


والحقيقة أن الإجابة التى قد يفاجأ بها الكثيرون هى «لا».. وها هو الشيخ سيد سابق يذكر فى مؤلفه الأشهر «فقه السنة» رفض الخوارج وبعض المعتزلة لعقوبة الرجم. فالخوارج يرونه غير واجب والمعتزلة لا يطمئنون له لعدم وروده فى القرآن.


أما فى العصر الحديث فيعد رأى الإمام محمد أبو زهرة، هو الأهم والأبرز للخروج عن هذا الإجماع، وتأتى أهميته من القيمة العلمية والفقهية للرجل، ومكانته العالية التى جعلته محل احترام وتبجيل من جميع أبناء المذاهب الفقهية والتيارات الفكرية الإسلامية. وفى هذا الصدد نطالع سويًّا ما حكاه الشيخ القرضاوى فى الجزء الثالث من مذكراته التى حملت اسم «ابن القرية والكتاب»، فعند حديثه عن مؤتمر ندوة التشريع الإسلامى المنعقدة فى مدينة البيضاء فى ليبيا عام «1972» قال تحت عنوان أبو زهرة يفجر قنبلة فقهية:


 «وفى هذه الندوة فجر الشيخ أبو زهرة قنبلة فقهية، هيّجت عليه أعضاء المؤتمر، حينما فاجأهم برأيه الجديد».


وقصة ذلك: أن الشيخ، رحمه الله، وقف فى المؤتمر، وقال: إنى كتمت رأيًا فقهيًّا فى نفسى من عشرين سنة، وكنت قد بُحت به للدكتور عبد العزيز عامر، واستشهد به قائلًا: أليس كذلك يا دكتور عبد العزيز؟

قال: بلى. وآن لى أن أبوح بما كتمته، قبل أن ألقى الله تعالى، ويسألنى: لماذا كتمت ما لديك من علم، ولم تبينه للناس؟ هذا الرأى يتعلق بقضية «الرجم» للمحصن فى حد الزنى، فرأى أن الرجم كان شريعة يهودية، أقرها الرسول فى أول الأمر، ثم نسخت بحد الجلد فى سورة النور.


قال الشيخ: ولى على ذلك أدلة ثلاثة، الأول: أن الله تعالى قال: «فإذا أُحصِنَّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب»، والرجم عقوبة لا تتنصف، فثبت أن العذاب فى الآية هو المذكور فى سورة النور: «وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين»، والثانى: ما رواه البخارى فى جامعه الصحيح عن عبد الله بن أوفى أنه سُئل عن الرجم.. هل كان بعد سورة النور أم قبلها؟ فقال: لا أدرى فمن المحتمل جدًّا أن تكون عقوبة الرجم قبل نزول آية «النور» التى نسختها، الثالث: أن الحديث الذى اعتمدوا عليه، وقالوا: إنه كان قرآنًا ثم نسخت تلاوته وبقى حكمه أمرًا لا يقره العقل، لماذا تنسخ التلاوة والحكم باقٍ؟ وما قيل: إنه كان فى صحيفة فجاءت الداجن وأكلتها لا يقبله منطق.


وما إن انتهى الشيخ من كلامه حتى ثار عليه أغلب الحضور، وقام مَن قام منهم، ورد عليه بما هو مذكور فى كتب الفقه حول هذه الأدلة.


ولكن الشيخ ثبت على رأيه «ثم قال القرضاوى إنه لقيه بعد انفضاض الجلسة، وكان مما قاله له: يا يوسف، هل معقول أن محمدًا بن عبد الله الرحمة المهداة يرمى الناس بالحجارة حتى الموت؟


توقفت طويلًا عند قول الشيخ أبى زهرة عن رأيه: أنه كتمه فى نفسه عشرين عامًا، لماذا كتمه، ولم يعلنه فى درس أو محاضرة أو كتاب أو مقالة؟


لقد فعل ذلك خشية هياج العامة عليه، وتوجيه سهام التشهير والتجريح إليه، كما حدث له فى هذه الندوة.


وقلت فى نفسى: كم من آراء واجتهادات جديدة وجريئة تبقى حبيسة فى صدور أصحابها، حتى تموت معهم، ولم يسمع بها أحد، ولم ينقلها أحد عنهم؟!


ولذلك حين تحدثت عن معالم وضوابط الاجتهاد المعاصر، جعلت منها: أن نفسح صدورنا للمخطئ فى اجتهاده، فبهذا يحيا الاجتهاد ويزدهر، والمجتهد بشر غير معصوم، فمن حقه -بل الواجب عليه- أن يجتهد ويتحرَّى، ولا يلزمه أن يكون الصواب معه دائمًا، وما دامت صدورنا تضيق بالرأى المخالف للجمهور، فلن ينمو الاجتهاد، ولن يؤتى ثمراته. على أن ما يحسبه بعض الناس خطأ قد يكن هو الصواب بعينه خصوصًا إذا تغيَّر المكان والزمان.


وحتى لا يدَّعى أحد بأن كلام الرجل الذى حكاه عنه شيخنا القرضاوى كان مجرد كلام وقد تراجع عنه.. فإننى أحيل القارئ إلى مطالعة ما ذكره أبو زهرة فى تفسيره القيم «زهرة التفاسير» والذى طبع بعد وفاته، حيث يقول فى تفسير آيات سورة النور التى نحن بصددها: «هذه عقوبة الزنى ونعتقد أن حكم الآية عام، والظاهر من الألفاظ أنها تعم المحصن وغير المحصن».


وفى لمحة محيطة منه يقول: «وقد يقول قائل: إن الرجم أقسى عقوبة فى الأرض فكيف يثبت ما دونها بالقرآن القطعى بدلالته وسنده، ولا تثبت تلك العقوبة الغليظة إلا بحديث آحاد، وإن ادعيت شهرته، والاعتراض وارد، ولا سبيل لدفع إيراده».


ويؤكِّد أن الرجم ثابت بالسنة، والاحتمال المرجح لديه أن تكون تلك السنة قد نسخت بالقرآن. وهذا ما نرجحه -معه- ونطمئن إليه ونراه عين الصواب.    

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات